الشيخ ابو احمد العقيلي

تاريخ عقيل بن ابي طالب

كتاب الاشراف بين الاصالة والانحراف : تأليف الشيخ عودة العقيلي
تحفة المطالب في تاريخ عقيل بن ابي طالب :تأليف الشيخ عودة العقيلي

    كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    شاطر

    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 12:26 pm



    تقدمة بقلم الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة
    - وهي تتضمن بإيجاز :
    كلمات عن حفظ الله تعالى للسنة
    وتميز المدينة المنورة بأوفى نصيب منها
    وسبق علماء المدينة في تدوين الحديث
    وعن تأليف مالك للموطأ
    وتأريخ تأليف الموطأ
    وأن الموطأ أول ما صنف في الصحيح
    وعن مكانة الموطأ وصعوبة الجمع بين الفقه والحديث
    وعن كبار الحفاظ الأقدمين وحدود معرفتهم بالفقه
    وأن الإمامة في علم تجتمع معها العامية في علم آخر
    وعن يسر الرواية وصعوبة الفقه والاجتهاد
    وكلمات عن مزايا الموطأ وعن روايات الموطأ عن مالك
    وكلمات في ترجمة محمد بن الحسن راوي الموطأ
    وكلمات في رد الجرح للراوي بالعمل بالرأي وعن ظلم جملة من المحدثين للإمامين : أبي يوسف ومحمد الفقيهين المحدثين
    وكلمات للإمام ابن تيمية في دفع الجرح بالعمل بالرأي وعن تحجر جل الرواة وضيقهم من المشتغل بغير الحديث والرد على من قدح في أبي حنيفة بدعوى تقديمه القياس على السنة
    وكلمات في ترجمة الشارح الإمام اللكنوي وأهمية طبع كتاب " التعليق الممجد "
    بسم الله الرحمن الرحيم
    كلمة وتقدمة إمام موطأ الإمام مالك برواية الإمام محمد بن الحسن
    وهو المشهور بموطأ الإمام محمد :

    حفظ الله تعالى للسنة
    :
    - لقد حظيت سنة النبي صلى الله عليه و سلم - وهي أحاديثه الشريفة : أقواله وأفعاله وتقريراته - من أول يوم بالعناية التامة والحفظ والرعاية والعمل بها من الصحابة الكرام والتابعين الأخيار فحفظت حفظا تاما ونقلت نقلا دقيقا تحقيقا لقول الله تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }
    فمن حفظ الذكر والكتاب الكريم حفظها فإنها مفسرة له ومعرفة بأحكامه ومراميه قال سبحانه : { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم }
    ولقد أقام الله سبحانه في القرون الثلاثة الأولى الخيرة : رجالا تلقوا هذا الدين بفهم وبصيرة وحب وولاء وإعزاز وتكريم فآثروه على أنفسهم وأهليهم وأولادهم وديارهم وهاجروا في سبيل تحصيله وضبطه وتلقيه وتبليغه وهجروا الراحة والأوطان وطافوا القرى والبلدان لتحصيل الحديث النبوي الواحد وما يتصل به من آثار السلف الصالح فبلغوا الغاية وأتوا على النهاية وكانوا بحق { خير أمة أخرجت للناس }

    نصيب المدينة من السنة أوفى نصيب وسبقها في تدوين السنة
    :
    - وكان لكل بلد من البلدان التي فتحها الإسلام الحنيف واستقر فيها المسلمون نصيب من العلم يختلف عن الآخر قلة وكثرة بحسب كثرة الصحابة الواردين عليه والمقيمين فيه فكان نصيب دار الهجرة النبوية : المدينة المنورة أوفى نصيب لتوفر وجود الصحابة الكرام فيها إذ كانت هي ومكة المكرمة بعد فتحها دار الإسلام الأولى ومهوى أفئدة المؤمنين
    فعاشت فيها السنة وجاشت وانتشرت في آفاق الإسلام وتوارثها الناس جيلا عن جيل وقبيلا عن قبيل وكثر في دار الهجرة الفقهاء والمحدثون كثرة بالغة فقد نقل عن مالك أنه قال : عرضت كتابي هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة . فلما نشأ مالك كانت السنة قد أخذت طريقها إلى التدوين
    وكان تدوينها في المدينة المنورة قبل كل الأمصار فألف فيها الإمام محمد بن شهاب الزهري المدني شيخ مالك المتوفى سنة 124 ، وموسى بن عقبة المدني شيخ مالك أيضا المتوفي سنة 141 ، ومحمد بن إسحاق المطلبي المدني المتوفى سنة 151 ، وابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن المدني المتوفى سنة 158
    وألف في زمن هؤلاء وبعدهم غيرهم من أئمة الحديث والسنة في مكة المكرمة والكوفة والبصرة وخراسان ولكن السبق الأول في تدوين السنة كان لعلماء المدينة الأعلام ويأتي تأليف الإمام مالك " الموطأ " في عداد الكتب التي دونت السنة في المدينة وغيرها : ( الكتاب العاشر ) تدوينا والأول تصنيفا على الأبواب الفقهية كما يستفاد من " الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة " ( للعلامة السيد محمد بن جعفر الكتاني رحمه الله تعالى ص 327 ، وص 4 من الطبعة الرابعة ) فجاء الإمام مالك وقد تعقد التأليف في السنة بعض الشيء وبلغ مالك في الإمامة للمسلمين مبلغا رفيعا فألف كتابه العظيم : " الموطأ "

    تأليف مالك الموطأ
    :
    - وقد ذكر العلماء أن تأليف الإمام مالك " الموطأ " إنما كان باقتراح من الخليفة العباسي إبي جعفر المنصور - عبد الله بن محمد ولد سنة 95 ، وتوفي سنة 158 رحمه الله تعالى - في قدمة من قدماته إلى الحج دعاه المنصور لزيارته فزاره فأكرمه أبو جعفر وأجلسه بجانبه وسأله أسئلة كثيرة فأعجبه سمته وعلمه وعقله وسداد رأيه وصحة أجوبته فعرف له مقامه في العلم والدين وإمامة المسلمين
    فقد جاء أن أبا جعفر قال لمالك : ضع للناس كتابا أحملهم عليه فكلمه مالك في ذلك - أي مانعه مالك في حمل الناس على كتابة - فقال ضعه فما أحد اليوم أعلم منك فوضع " الموطأ " فلم يفرغ منه حتى مات أبو جعفر
    وفي رواية : قال مالك : دخلت على أبي جعفر بالغداة حين وقعت الشمس بالأرض وقد نزل عن سريره إلى بساطه فقال لي : حقيق أنت بكل خير وحقيق بكل إكرام فلم يزل يسألني حتى أتاه المؤذن بالظهر فقال لي : أنت أعلم الناس فقلت : لا والله يا أمير المؤمنين قال : بلى ولكنك تكتم ذلك فما أحد أعلم منك اليوم بعد أمير المؤمنين
    يا أبا عبد الله - كنية الإمام مالك - ضع للناس كتبا وجنب فيها شدائد عبد الله بن عمر ورخص ابن عباس وشواذ ابن مسعود واقصد أوسط الأمور وما اجتمع عليه الأمة والصحابة ولئن بقيت لأكتبن كتبك بماء الذهب فأحمل الناس عليها
    فقلت له : يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق إليهم وعملوا به ودانوا له من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وغيرهم وإن ردهم عما اعتقدوه شديد فدع الناس وما هم عليه وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم فقال : " لعمري لو طاوعتني على ذلك لأمرت به " . انتهى ( هذا وما قبله من " ترتيب المدارك " للقاضي عياض 2 : 71 - 73 )
    وقال العلامة المؤرخ القاضي الإمام ابن خلدون في أوائل " مقدمته " ( ص 17 - 18 ، و " انتصار الفقير السالك " للراعي الأندلسي ص 208 ) " وقد كان أبو جعفر لمكان من العلم والدين قبل الخلافة وبعدها ( أطال الإمام ابن جرير الطبري في ترجمة أبي جعفر المنصور أي إطالة في سنة تاريخ وفاته سنة 158 ، فترجم له وذكر أخباره ووصاياه ... في 54 صفحة من 8 : 54 - 108 . قال العلامة الزرقاني في مقدمته لشرح " الموطأ " 1 : 9 ، " وذكروا أن المهدي والهادي سمعا " الموطأ " من مالك وأن الرشيد وبنيه الأمين والمأمون والمؤتمن أخذوا عن مالك " الموطأ أيضا " انتهى
    فهكذا كانت نشأة الملوك في العلم في القرون الخيرة الأولى ومنه تدرك نشأة جدهم أبي جعفر المنصور في القرن الأفضل والأعلم التي أشار إليها الإمام ابن خلدون ) وهو القائل لمالك حين أشارعليه بتأليف " الموطأ " : يا أبا عبد الله إنه لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك وإني قد شغلتني الخلافة فضع أنت للناس كتابا ينتفعون به تجنب فيه رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر - وشواد ابن مسعود - ووطئه للناس توطئة قال مالك : فوالله لقد علمني التصنيف يومئذ " . انتهى
    فألف مالك " الموطأ " على هذا المنهج فالموطأ معناه : المسهل الميسر ( يقال في اللغة : وطؤ الموضع يوطؤ وطاءة ووطوءة : لان سهل فهو وطيء ووطأ الموضع صيره وطيءا ووطأ الفراش : دمثه ودثره والموطأ : المسهل الميسر . كما في " القاموس " و " المعجم الوسيط " )
    وذكر العلماء أن الإمام ابن أبي ذئب معاصر الإمام مالك وبلديه - قد صنف موطأ أكبر من موطأ مالك حتى قيل لمالك : ما الفائدة في تصنيفك ؟ فقال : ما كان لله بقي ( من " الرسالة المستطرفة " ص 9 )

    تأريخ تأليف الموطأ
    :
    - ذكر العلماء أن أبا جعفر المنصور حين حج بالناس أيام خلافته طلب من الإمام مالك أن يدون كتاب " الموطأ "
    وقد استقرأت حجات أبي جعفر بعد خلافته في " تاريخ الطبري " فتبين أنها كانت خمس حجات أولها في سنة 140 ثم سنة 144 ، ثم سنة 147 ، ثم سنة 152 ، ثم سنة 158 ، التي توفي فيها بمكة حاجا محرما
    ولم يتعرض الإمام ابن جرير عند ذكره هذه الحجات لأبي جعفر للحديث عن تدوين كتاب " الموطأ "
    نعم تعرض لذلك ابن جرير في كتابه " ذيل المذيل " المطبوع بآخر تاريخه 11 : 659 ، فذكر القصة عن المهدي أولا ثم ذكرها عن أبي جعفر ثانيا برواية الواقدي
    وتابعه على ذكر ذلك كذلك : بتقديم رواية أن المهدي هو المقترح لتأليف " الموطأ " على رواية أن المنصور هو المقترح تأليفه : الإمام ابن عبد البر في " الانتقاء " ص 40 ، فساق الروايتين من طريق ابن جرير الأولى بسنده إلى إبراهيم بن حماد الزهري المدني عن مالك . والثانية بسنده إلى محمد بن عمر الواقدي عن مالك
    وعلق عليه شيخنا العلامة الكوثري رحمه الله تعالى ما يلي :
    وصنيع ابن جرير في
    ذيل المذيل " كما هنا يؤذن بترجيحه الرواية الأولى وتحاميه عن رواية الواقدي - أن القصة مع المنصور - لكن ابن عساكر خرج في " كشف المغطا من فضل الموطا " بطرق عن مالك ما يؤيد رواية الواقدي وإن لم تخل واحد منها عن مقال . وفيه - أي في " كشف المغطى " - سماع الرشيد " الموطأ " عن مالك لما حج مع أبي يوسف
    والذي يستخلص من مختلف الروايات في ذلك أن المنصور تحادث مع مالك في تدوين علم أهل المدينة عام ثمانية وأربعين ومئة محادثة إجمالية ولما حج قبل حجته الأخيرة أوصاه أن يتجنب فيما يدونه شدائد ابن عمر ورخص ابن عباس وشواذ ابن مسعود رضي الله عنهم
    وأما إخراجه للناس ففي سنة تسع وخمسين ومئة في عهد المهدي فلا تثبت روايته ممن تقدم على ذلك " . انتهى
    وقال شيخنا الكوثري أيضا رحمه الله تعالى في مقدمته لجزء " أحاديث الموطأ واتفاق الرواه عن مالك واختلافهم فيها " للدار قطني ما يلي : " ألف عبد العزيز بن عبد لله بن أبي سلمة الماجشون كتابا فيما اجتمع عليه أهل المدينة ولما اطلع عليه مالك بن أنس رضي الله عنه استحسن صنيعه إلى أنه أخذ عليه إغفاله ذكر الأخبار والآثار في الأبواب حتى قرر أن يقوم هو بنفسه بجمع كتاب تحتوي أبوابه صحاح الأخبار وعمل أهل المدينة في أبواب الفقه فيدأ يمهد السبيل لذلك
    وكان المنصور العباسي بلغه شيء مما عزم عليه مالك فاجتمع به في حجته - قبل - الأخيرة في التحقيق وأوصاه أن يدون علم أهل المدينة مجتنبا رخص ابن عباس وشدائد ابن عمر وشواذ ابن مسعود رضي الله عنهم حيث كان جماعة من أصحاب هؤلاء ينشرون علومهم في المدينة المنورة منهم الفقهاء العشرة في أيام عمر بن عبد العزيز ولهم أصحاب وأصحاب أصحاب أدركهم مالك
    فتقوت عزيمة مالك حتى تجرد لجمع الصفوة من الأحاديث والآثار المروية عند أهل المدينة ولجمع العمل المتوارث بينهم مقتصرا في الرواية على شيوخ أهل المدينة سوى ستة وهم : أبو الزبير من مكة وإبراهيم بن أبي عبلة من الشام وعبد الكريم بن مالك من الجزيرة وعطاء بن عبد الله من خراسان وحميد الطويل وأيوب السختياني من البصرة إلى أن أتم عمله في عهد المهدي العباسي كما بينت ذلك فيما علقت على " الانتقاء " لابن عبد البر " . انتهى
    وهذا الذي رجحه شيخنا من أن المنصور تحدث مع مالك في سنة 148 ، بشأن تدوين علم أهل المدينة وأوصاه قبل حجته الأخيرة أن يتجنب في التأليف شدائد ابن عمر . . غير ظاهر فإن حجته الأخيرة التي توفي فيها كانت سنة 158 ، والحجة التي قبلها كانت سنة 152 والتي قبلها سنة 147 ، والتي قبلها سنة 144 ، والتي قبلها سنة 140 ، كما أسلفته عن " تاريخ ابن جرير "
    ولم يحج المنصور في سنة 148 ، وإنما حج بالناس ابنه جعفر كما في غير كتاب فتكون سنة 148 سبق قلم عن 147
    ثم قوله : إن المنصور تحدث مع مالك في تلك السنة وأوصاه بتجنب ما أوصاه بتجنبه في الحجة التي قبل الأخيرة وهي - كما عند ابن جرير - سنة 152 ، فيه بعد أيضا فإن المتبادر أن يقع ذلك من المنصور في أول حجة له بعد توليه الخلافة سنة 140 ، أو في ثاني حجة سنة 144 ، ويمكن أن يكون ذلك في ثالث حجة سنة 147 ، أما في رابع حجة سنة 152 ، ففيه بعد شديد لأنه يلزم أن يكون مالك ألف " الموطأ " بأقل من سبع سنوات لأنه قد سمعه منه المهدي سنة 159 ، على ما ذكره شيخنا في حين أن المهدي إنما حج بالناس سنة 160 ، وحج الهادي سنة 161 ، كما عند ابن جرير
    والمذكور أن مالكا ألف " الموطأ " في سنين كثيرة ذكر أنها أربعون وذكر أنها دون ذلك وعلى كل حال يستبعد أن تكون مدة التأليف نحو سبع سنوات لما عرف من إتقان مالك وضبطه وانتقائه وقلة تحديثه بالأحاديث في مجالسه فلم يكن يحدث في مجلسه إلا ببضعة أحاديث معدودة فتأليفه " الموطأ " بعد سنة 140 جزما أو بعد سنة 147 ، وفراغه منه بعد سنة 158 جزما والله تعالى أعلم
    وهكذا تم تأليف هذا الكتاب " الموطأ " فقد جمع فيه الإمام مالك - كما سبق نقل قوله - حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم وأقوال الصحابة وأقوال التابعين ورأيا هو إجماع أهل المدينة لم يخرج عنها فجمع الحديث بأوسع معانيه - وما يتصل به من آثار الصدر الأول لأنها كانت المرجع الأكبر في الأحكام العملية

    الموطأ أول ما صنف في الصحيح
    :
    - قال العلامة الزرقاني في مقدمته لشرح " الموطأ " ( 12 : 1 ) : " وأطلق جماعة على الموطأ اسم الصحيح واعترضوا قول ابن الصلاح : أول من صنف فيه البخاري وإن عبر بقوله : الصحيح المجرد للاحتراز عن الموطأ فلم يجرد فيه الصحيح بل أدخل المرسل والمنقطع والبلاغات فقد قال الحافظ مغلطاي : لا فرق بين الموطأ والبخاري في ذلك لوجوده أيضا في البخاري من التعاليق ونحوها
    ولكن فرق الحافظ ابن حجر : بأن ما في الموطأ كذلك مسموع لمالك غالبا قال : " وما في البخاري قد حذف إسناده عمدا لأغراض قررتها في " التغليق " تظهر أن ما في البخاري من ذلك لا يخرجه عن كونه جرد فيه الصحيح بخلاف الموطأ " بل قال الحافظ مغلطاي : أول من صنف الصحيح مالك
    وقول الحافظ : هو صحيح عنده وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما لا على الشرط الذي استقر عليه العمل في حد الصحة : تعقبه السيوطي بأن ما فيه من المراسيل - مع كونها حجة عنده بلا شرط وعند من وافقه من الأئمة - هي حجة عندنا أيضا لأن المرسل حجة عندنا إذا اعتضد وما من مرسل في الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد فالصواب إطلاق أن الموطأ صحيح لا يستثنى منه شيء
    وقد صنف ابن عبد البر كتابا في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل وقال : وجميع ما فيه من قوله : بلغني ومن قوله : عن الثقة عنده مما لم يسنده أحد وستون حديثا كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة لا تعرف : أحدها : إني لا أنسى ولكن أنسى لأسن . والثاني : أن النبي صلى الله عليه و سلم أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا مثل الذي بلغه غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر خيرا من ألف شهر والثالث قول معاذ : آخر ما أوصاني به رسول الله صلى الله عليه و سلم - وقد وضعت رجلي في الغرز - أن قال : حسن خلقك إلى الناس . والرابع : إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة "
    وتعقب الحافظ ابن حجر أيضا الشيخ صالح الفلاني فقال ( كما في " الرسالة المستطرفة " ص 5 - 6 ) : " وفيما قاله الحافظ ابن حجر من الفرق بين بلاغات الموطأ ومعلقات البخاري : نظر فلو أمعن الحافظ النظر في الموطأ كما أمعن النظر في البخاري لعلم أنه لا فرق بينهما وما ذكره من أن مالكا سمعها كذلك غير مسلم لأنه يذكر بلاغا في رواية يحيى مثلا أو مرسلا فيرويه غيره عن مالك موصولا مسندا
    وما ذكر من كون مراسيل الموطأ حجة عند مالك ومن تبعه دون غيرهم : مردود بأنها حجة عند الشافعي وأهل الحديث لاعتضادها كلها بمسند ذكره ابن عبد البر والسيوطي وغيرهما
    وما ذكره العراقي أن من بلاغاته ما لا يعرف : مردود بأن ابن عبد البر ذكر أن جميع بلاغاته ومراسليه ومنقطعاته كلها موصولة بطرق صحاح إلا أربعة فقد وصل ابن الصلاح الأربعة بتأليف مستقل وهو عندي وعليه خطه فظهر بهذا أنه لا فرق بين " الموطأ والبخاري " وصح أن مالكا أول من صنف في الصحيح كما ذكره ابن العربي وغيره "

    مكانة " الموطأ " وصعوبة الجمع بين الفقه والحديث
    :
    - تأليف الحديث وجمعه في كتاب على الأبواب الفقهية لا ينهض به إلا فقيه يدري معاني الأحاديث ويفقه مداركها ومقاصدها ويميز بين لفظ ولفظ فيها وهذا النمط من العلماء المحدثين الفقهاء يعد نزرا يسيرا بالنظر إلى كثرة المحدثين الرواة والحفاظ الأثبات إذ الحفظ شيء والفقه شيء آخر أميز منه وأشرف وأهم وأنفع فإن الفقه دقة الفهم للنصوص من الكتاب والسنة - عبارة أو إشارة صراحة أو كناية - وتنزيلها منازلها في مراتب الأحكام لا وكس ولا شطط ولا تهور ولاجمود
    وهذه الأوصاف عزيزة الوجود في العلماء قديما فضلا عن شدة عزتها في الخلف المتأخر ويخطئ خطأ مكعبا من يظن أويزعم أن مجرد حفظ الحديث أو اقتناء كتبه والوقوف عليه يجعل من فاعل ذلك فقيها عارفا بالأحكام الشرعية ودقيق الاستنباط . قال محمد بن يزيد المستملي : سألت أحمد بن حنبل عن - شيخه - عبد الرزاق - صاحب المصنف المطبوع في أحد عشر مجلدا - : أكان له فقه ؟ فقال : ما أقل الفقه في أصحاب الحديث ( كما في ترجمة ( محمد بن يزيد المستملي ) في " طبقات الحنابلة " لابن أبي يعلى 329 : 1 )
    وجاء في " تقدمة الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم ( ص 293 ) في ترجمة ( أحمد بن حنبل ) وفي " مناقب الإمام أحمد " لابن الجوزي ( ص 63 ) وفي " تاريخ الإسلام " للذهبي - مخطوط - من طريق ابن أبي حاتم في ترجمة ( أحمد بن حنبل ) أيضا ما يلي :
    قال إسحاق بن راهويه : كنت أجالس بالعراق أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأصحابنا فكنا نتذاكر الحديث من طريق وطريقين وثلاثة فيقول يحيى بن معين من بينهم : وطريق كذا فأقول : أليس قد صح هذا بأجماع منا ؟ فيقولون : نعم فأقول : ما مراده ؟ ما تفسيره ؟ ما فقهه ؟ فيبقون - أي يسكتون مفحمين - كلهم إلا أحمد بن حنبل
    انتهى

    كبار الحفاظ الأقدمين وحدود معرفتهم بالفقه
    :
    - قال عبد الفتاح : هذا النص يفيدنا بجلاء أن المعرفة التامة بعلم الحديث - ولو من أولئك الأئمة الكبار أركان علم الحديث في أزهى عصور العلم - لا تجعل المحدث الحافظ ( فقيها مجتهدا ) إذ لو كان الاشتغال بالحديث يجعل ( الحافظ ) : ( فقيها مجتهدا ) لكان الحفاظ الذين لا يحصى عددهم والذين بلغ حفظ كل واحد منهم للمتون والأسانيد ما لا يحفظه أهل مصر من الأمصار اليوم : أولى بالاجتهاد ولكنهم صانهم الله تعالى فما زعموه لأنفسهم
    بل إن سيد الحفاظ الإمام ( يحيى بن سعيد القطان ) البصري إمام المحدثين وشيخ الجرح والتعديل : كان لا يجتهد في استنباط الأحكام بل يأخذ بقول الإمام أبي حنيفة كما في ترجمة ( وكيع بن الجراح ) في " تذكرة الحفاظ " للحافظ الذهبي ( 307 : 1 ) . وفي " تهذيب التهذيب " ( 450 : 10 ) في ترجمة ( أبي حنيفة النعمان بن ثابت ) : " قال أحمد بن سعيد القاضي : سمعت يحيى بن معين - تلميذ يحيى القطان - يقول : سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول : لا نكذب الله ما سمعنا رأيا أحسن من رأي أبي حنيفة وقد أخذنا بأكثر أقواله " . انتهى
    وكان إمام أهل الحفظ في عصره وكيع بن الجراح الكوفي محدث العراق لا يجتهد أيضا ويفتي برأي الإمام أبي حنيفة الكوفي ففي " تذكرة الحفاظ " للحافظ الذهبي ( 307 : 1 ) و " تهذيب التهذيب " ( 126 : 11 - 127 ) : " قال حسين بن حبان عن ابن معين - تلميذ وكيع - : " ما رأيت أفضل من وكيع كان يستقبل القبلة ويحفظ حديثه ويقوم الليل ويسرد الصوم ويفتي بقول أبي حنيفة "
    وكذلك هؤلاء الحفاظ الأئمة الأجلة الذين عناهم الإمام إسحاق بن راهويه في كلمته المذكورة ومنهم يحيى بن معين كانوا لا يجتهدون وقد أخبر عنهم أنهم كانوا يفيضون في ذكر طرق الحديث الواحد إفاضة زائدة فيقول لهم : ما مراد الحديث ؟ ما تفسيره ؟ ما فقهه ؟ فيبقون كلهم إلا أحمد بن حنبل
    وهذا عنوان دينهم وأمانتهم وحصافتهم وورعهم إذ وقفوا عند ما يحسنون ولم يخوضوا فيما لا يحسنون وذلك لصعوبة الفقه الذي يعتمد على الدراية وعمق الفهم للنصوص من الكتاب والسنة والآثار وعلى معرفة التوفيق بينها وعلى معرفة الناسخ والمنسوخ وما أجمع عليه وما اختلف فيه وعلى معرفة الجرح والتعديل وقدرة الترجيح بين الأدلة وعلى معرفة لغة العرب ألفاظا وبلاغة ونحوا ومجازا وحقيقة ...
    ومن أجل هذا قال الإمام أحمد لما سأله محمد بن يزيد المستملي - كما تقدم - عن المحدث الحافظ الكبير ( عبد الرزاق بن همام الصنعاني ) صاحب التصانيف التي منها " المصنف " وشيخ الإمام أحمد نفسه وشيخ إسحاق بن راهويه ويحيى بن معين ومحمد بن يحيى الذهلي أركان علم الحديث وروايته في ذلك العصر وشيخ خلق سواهم المتوفى سنة 211 عن 85 سنة : " أكان له فقه ؟ فقال الإمام أحمد : ما أقل الفقه في أصحاب الحديث "
    وروى الإمام البيهقي في " مناقب الشافعي " ( 152 : 2 ) : " عن الربيع المرادي قال : سمعت الشافعي يقول لأبي علي بن مقلاص - عبد العزيز بن عمران المتوفى سنة 234 ، الإمام الفقيه - : تريد تحفظ الحديث وتكون فقيها ؟ هيهات ما أبعدك من ذلك - ولم يكن هذا لبلادة فيه حاشاه -
    قلت - القائل البيهقي - : وإنما أراد به حفظه على رسم أهل الحديث من حفظ الأبواب والمذاكرة بها وذلك علم كثير إذا اشتغل به فربما لم يتفرغ إلى الفقه فأما الأحاديث التي يحتاج إليها في الفقه فلا بد من حفظها معه فعلى الكتاب والسنة بناء أصول الفقه وبالله التوفيق
    وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ - هو الحاكم النيسابوري - قال : أخبرني أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المؤذن قال : سمعت عبد الله بن محمد بن الحسن يقول : سمعت إبراهيم بن محمد الصيدلاني يقول : سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي - هو إسحاق بن راهويه - يقول : ذاكرت الشافعي فقال : لو كنت أحفظ كما تحفظ لغلبت أهل الدنيا
    وهذا لأن إسحاق الحنظلي كان يحفظه على رسم أهل الحديث ويسرد أبوابه سردا وكان لا يهتدي إلى ما كان يهتدي إليه الشافعي من الاستنباط والفقه وكان الشافعي يحفظ من الحديث ما كان يحتاج إليه وكان لا يستنكف من الرجوع إلى أهله فيما اشتبه عليه وذلك لشدة اتقائه لله عز و جل وخشيته منه واحتياطه لدينه " . انتهى
    قال عبد الفتاح : وفي كل من هذين النصين الغاليين فوائد عظيمة جدا ففيه أن الجمع بين الفقه والحديث على رسم أهل الحديث متعذر - إلا لمن أكرمه الله بذلك - إذ قال الشافعي في هذا : هيهات
    وفيه بيان الإمام البيهقي لهذا المعنى بجلاء ووضوح وهو إمام محدث وفقيه فلكلامه مقام رفيع في هذا الباب
    وفيه دعم الإمام البيهقي رحمه الله تعالى هذا الذي قاله في تفسير كلمة الشافعي لابن مقلاص بكلمة الشافعي لإسحاق بن راهويه رضي الله عنهما بشكل يقطع لسان كل مشاغب على الفقهاء من رواة الحديث بدعوى أنه أهل للاستنباط والفقه والاجتهاد في الأحكام
    فهذا يحيى بن معين إمام الحفظ للحديث وإمام الجرح والتعديل يقف ساكتا في مسألة جواز تغسيل المرأة الحائض للمرأة الميتة حتى يأتي الإمام أحمد بن حنبل فيفتيهم بجواز ذلك ويذكر لهم دليله مما هو محفوظ لديهم كل الحفظ من عدة طرق . كما سيأتي نقله قريبا
    وهذا الإمام الشافعي يقول لإسحاق بن راهويه : لو كنت أحفظ ما تحفظ لغلبت أهل الدنيا . وفيه بيان تميز الشافعي بالفقه وتميز ابن راهويه بالحفظ ولكنه لم يمكي ابن راهويه أن يبلغ مبلغ الشافعي بالفقه مع إقرار الشافعي له بالتفوق العظيم الباهر في الحفظ لأنه كما قال البيهقي : كان يسرد الحديث سردا مع أنه قد ذكره بعضهم في عداد من كان له مذهب فقهي
    فسرد الحديث وحفظه وروايته : غير فهمه واستنباط معنايه على وجهها إذ خلق الله تعالى لكل علم أهلا ينهضون به ويتميزون على سواهم

    الإمامة في علم تجتمع معها العامية في علم آخر
    :
    - ولا غضاضة في هذا فالعلم رزق وعطاء من الله تعالى وهو كثير وكبير وثقيل ولا يملك كل إمام ناصية كل علم أراد معرفته فقد قال الإمام أبو حامد الغزالي وتبعه الإمام ابن قدامة الحنبلي في بعض مباحث الإجماع في كتابيهما : " المستصفى " و " روضة الناظر " ما معناه : كم من عالم إمام في علم عامي في علم آخر
    قال الإمام أبو حامد الغزالي في آخر رسالته : " قانون التأويل " : " واعلم أن بضاعتي في علم الحديث مزجاة " . انتهى
    ومثل هذه الكلمة المملوءة بالتواضع لا يقولها هذا الإمام العظيم والمحجاج الفريد حجة الإسلام لولا ما كان عليه من السلوك السني والخلق السني والخلق السني : " أنتم أعلم بأمر دنياكم "
    فهل رأيت في هؤلاء الأدعياء المدعين للاجتهاد من ينصف الواقع والحق فيقول عن نفسه فيما لا يحسنه مثل هذا ؟
    خلق الله للعلوم رجالا ... ورجالا لنفشة ودعاوي
    وقال الحافظ الإمام أبو عمر بن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " ( 160 : 2 ) تعقيبا على قول الإمام أحمد : " من أين يعرف يحيى بن معين الشافعي ؟ هو لا يعرف الشافعي ولا يعرف ما يقول الشافعي قال أبو عمر : صدق أحمد بن حنبل رحمه الله إن ابن معين لا يعرف الشافعي . وقد حكي عن ابن معين أنه سئل عن مسألة من التيمم فلم يعرفها
    حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال : حدثنا قاسم بن أصبغ قال : حدثنا ابن زهير قال : سئل يحيى بن معين وأنا حاضر عن رجل خير امرأته فاختارت نفسها ؟ فقال : " سل عن هذا أهل العلم " . انتهى
    وجاء في " ذيل طبقات الحنابلة " للحافظ ابن رجب ( 131 : 1 ) و " المنهج الأحمد " للعليمي ( 208 : 2 ) في ترجمة ( يحيى بن منده الأصبهاني ) : " قال فوران : ماتت امرأة لبعض أهل العلم فجاء يحيى بن معين والدورقي فلم يجدوا امرأة تغسلها إلا امرأة حائضا فجاء أحمد بن حنبل وهو جلوس فقال : ما شأنكم ؟ فقال أهل المرأة : ليس يجد غاسلة إلا امرأة حائضا فقال أحمد بن حنبل : أليس تروون عن النبي صلى الله عليه و سلم : " يا عائشة ناوليني الخمرة قالت : إني حائض فقال : إن حيضتك ليست في يدك " يجوز أن تغسلها فخجلوا وبقوا " . انتهى

    يسر الرواية وصعوبة الفقه والاجتهاد
    :
    - فلا شك في يسر الرواية بالنظر لمن توجه للحفظ والتحمل والأداء وآتاه الله حافظة واعية فلهذا كان المتأهلون للرواية أكثر جدا من المتأهلين للفقه والاجتهاد روى الحافظ الرامهرمزي في كتابه " المحدث الفاصل بين الراوي والواعي " ( ص 560 ) بسنده عن أنس بن سيرين قال : " أتيت الكوفة فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث وأربع مئة قد فقهوا " . انتهى
    وفي هذا ما يدل على أن وظيفة الفقيه شاقة جدا فلا يكثر عدده كثرة عدد النقلة الرواة وإذا كان مثل ( يحيى القطان ) و ( وكيع بن الجراح ) و ( عبدا الرزاق ) و ( يحيى بن معين ) وأضرابهم لم يجرؤوا أن يخوضوا في الاجتهاد والفقه فما أجرأ المدعين للاجتهاد في عصرنا هذا ؟ مع تجهيل السلف بال حياء ولا خجل نعوذ بالله من الخذلان
    وإنما أكثرت من هذه الوقائع لأولئك الحفاظ الكبار والمحدثين الأئمة التي تبين منها أن الحفظ شيء والفقه وفهم النصوص شيء آخر لأن عددا من الناس في عصرنا يخيل إليهم أن كثرة الكتب التي تقذف بها المطابع اليوم ووفرة الفهارس التي تصنع لها : تجعل ( الإجتهاد ) أمرا ميسورا لمن أراده وهو خيال باطل وتوهم خادع
    فالحفظ العجيب الذي كان عليه هؤلاء المحدثون الأكابر في القرون الأولى الزاهرة مع سيلان أذهانهم المسعفة - وليست كالكتب الجامدة الصماء - والبيئة التي كانت تجيش فيها من حولهم حلقات التحديث والتفقيه والسماع والتدريس ووفرة المحدثين والفقهاء كل ذلك لم يخولهم أن يجتهدوا ويغالطوا أنفسهم فصدقوا مع الله ومع أنفسهم ومع الناس
    ولم يكونوا بحال من الأحوال أقل ذكاء من ( المتمجهدين ) في هذا العصر بل كانوا أهل ذكاء مشهور وفطنة بالغة ووعي شديد وانقطاع للعلم ولكنهم لم يدخلوا أنفسهم فيما لا يحسنون واقتصروا على ما يحسنون فحمدت سيرتهم وعظمت مكانتهم في النفوس ودل ذلك على حسن إسلامهم وفهمهم لواقعهم فرحمة الله تعالى عليهم ورضوانه العظيم
    قال الحافظ الخطيب البغدادي في " الفقيه والمتفقه " ( 81 : 2 ) : " وليعلم أن الإكثار من كتب الحديث وروايته لا يصير بها الرجل فقيها إنما يتفقه باستنباط معانيه وإنعام التفكر فيه " وساق الشواهد الكثيرة الناطقة على ذلك
    فكتاب " الموطأ " تأليف محدث فقيه وإمام مجتهد بارع كبير تميز بمزايا لا توجد في سواه من الكتب المصنفة في الحديث الشريف

    مزايا " الموطأ "
    :
    - لكتاب " الموطأ " مزايا كثيرة تميز بها عن سواه من كتب الحديث الشريف أتعرض هنا إلى جملة منها باختصار :
    فمزية " الموطأ "
    أولا : أنه تأليف إمام فقيه محدث مجتهد متقدم كبير متبوع شهد له أئمة عصره ومن بعدهم بالإمامة في الفقه والحديث دون منازع . روى الحافظ ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ( 1 / 1 : 25 ) " عن علي بن المديني قال : كان حديث الفقهاء أحب إليهم من حديث المشيخة "
    وقال الإمام ابن تيمية في " منهاج السنة النبوية " ( 115 : 4 من طبعة بولاق ) : " قال أحمد بن حنبل : معرفة الحديث والفقه فيه أحب إلي من حفظه . وقال علي بن المديني : أشرف العلم الفقه في متون الأحاديث ومعرفة أحوال الرواة " . انتهى
    وفي " تدريب الراوي للحافظ السيوطي ( ص 8 ) : " قال الأعمش : حديث يتداوله الفقهاء خير من حديث يتداوله الشيوخ " . وعقد الحافظ الرامهرمزي بابا طويلا في ( فضل من جمع بين الرواية والدراية ) ( ص 238 وما بعدها ) وعقد بعده الحافظ الخطيب البغدادي في آخر كتابه " الكفاية " ( ص 433 ) : ( باب القول في ترجيح الأخبار ) وذكر فيه ما يتصل بتفضيل حديث الفقيه على غيره
    ومزيته ثانيا : أنه أطبق العلماء على الثناء عليه وتبجيله وكثر كلامهم في مدحه وتقريظه وأكتفي هنا بكلمات قالها إمام الأئمة الفقيه المحدث المجتهد المتبوع الإمام الشافعي رضي الله عنه وحسبك به وكفى
    قال : ما على ظهر الأرض كتاب أصح بعد كتاب الله من كتاب مالك . وفي لفظ آخر : ماعلى الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك . وفي لفظ آخر : ما بعد كتاب الله تعالى أكثر صوابا من موطأ مالك . وفي لفظ آخر : ما بعد كتاب الله كتاب أنفع من الموطأ
    وتنوع هذه العبارات يفيد تكرار ثناء الإمام الشافعي رضي الله عنه على كتاب الموطأ أكثر من مرة في أوقات متعددة
    ومزيته ثالثا : أنه من مؤلفات منتصف القرن الثاني من الهجرة فهو سابق غير مسبوق بمثله إذ هو أول كتاب في بابه وللسابق فضل ومزية إذ هو الإمام الذي سن التأليف الحديثي على أبواب الفقه واقتدى به المؤتمون من ورائه مثل عبد الله بن المبارك والبخاري ومسلم وسعيد بن منصور وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وسواهم
    فهو بسبق حائز تفضيلا ... مستوجب ثناءنا الجميلا
    ومزيته رابعا : أنه يرويه عن مؤلفه إمام فقيه محدث مجتهد كبير متبوع مشهود له بالإمامة في الفقه والحديث والعربية الإمام محمد بن الحسن الشيباني لازم شيخه مالكا ثلاث سنين وسمع منه الكتاب بلفظه فتملأ وتروى ونهل وعب من فقهه وعلمه وروايته مع ما كان عليه من الذكاء النادر والفطنة التامة وفقاهة النفس والبدن
    ومزيته خامسا : أنه من رواية الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ الإمامين أبي حنيفة وأبي يوسف وشيخ الإمام الشافعي وقد أتقن روايته عن شيخه مالك وأضاف بعد روايته أحاديث الباب بيان مذهبه في المسألة موافقا أو مخالفا وبيان مذهب شيخة الإمام أبي حنيفة فيها وموافقته له أو مخالفته وبيان مذهب شيخة الإمام مالك أحيانا ومذهب عامة فقهائنا أيضا
    ويعقب في كثير من الأبواب ببيان معنى الحديث وتوجيهه وما يستحسنه أو يستحبه أو يكرهه من وجوه المسألة . وقد يفصل تفصيلا وافيا الأقوال والفروق بين مذهبه ومذهب شيخة الإمام أبي حنيفة أو مذهب شيخه الإمام مالك ويبين أحوال المسألة وأحكامها كما في الباب 18 ( باب الوضوء من الرعاف ) . وقد يسوق تأييدا لما ذهب إليه مخالفا جملة أحاديث في الباب - عن غير مالك - عن أبي حنيفة وغيره
    وذكر في بعض الأبواب 16 ستة عشر حديثا من غير طريق مالك كما في الباب 5 ( باب الوضوء من مس الذكر ) تأييدا لمذهبه من عدم نقض الوضوء بمسه . وهذا عدد كبير جدا في الباب
    وقد يورد في بعض الأبواب - لتأييد مذهبه - ستة أحاديث أو سبعة أحاديث أو أكثر أو أقل من غير طريق مالك أيضا كما تراه في الباب 17 ( باب الاغتسال يوم الجمعة )
    وهذا عدد كبير في الباب أيضا
    ولكثرة ما رواه من الأحاديث فيه من غير طريق مالك ولكثرة ماذكره فيه أيضا من اجتهاده وفقهه وفقه أبي حنيفة وغيره في كل باب تقرييا ومذاهب بعض الصحابة في بعض الأبواب اشتهر هذا الكتاب باسم ( موطأ الإمام محمد )
    ولا غرابة في ذلك إذ لم يكن ( موطأ محمد ) مجرد كتاب يروى بحروفه كما سمعه راويه من مؤلفه دون زيادة أو تعليق أو استدراك بل هو كتاب فيه فقه الإمام محمد وفقه شيخه الإمام أبي حنيفة وفقه عامة أصحابنا الحنفية قبل الإمام محمد ومذاهب بعض الصحابة ومناقشته أيضا لما ذهب إليه مالك أو غيره
    فهو مدونة من فقه أهل الحديث والاجتهاد والرأي في الحجاز والعراق مع الموازنة بين تلك الآراء والمذاهب في المسألة
    وهذه ميزة غالية جدا عند من يدركها ويعرف قيمتها فلا غرابة أن يضاف ( الموطأ ) هذا إلى روايه لأنه من طريقه يروى ولأنه أضاف إليه أحاديث كثيرة وأدخل فيه علما زائدا غير قليل يتصل بفقه الحديث وأحكام الباب ومقابلة الاجتهاد بمثله

    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    رد: كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 12:27 pm

    كلمة عن روايات الموطأ عن مالك
    :
    - قال شيخنا العلامة الكوثري رحمه الله تعالى في المقدمة التي كتبها لجزء الحافظ الدارقطني المسمى : " أحاديث الموطأ واتفاق الرواة عن مالك واختلافهم فيها زيادة ونقصا " ما يلي :
    ألف عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون كتابا فيما اجتمع عليه أهل المدينة ولما اطلع عليه مالك بن أنس رضي الله عنه استحسن صنعه إلا أنه أخذ عليه إغفاله ذكر الأخبار والآثار في الأبواب حتى قرر مالك أن يقوم هو بنفسه بجمع كتاب تحتوي أبوابه صحاح الأخبار وعمل أهل المدينة في أبواب الفقه فألف الموطأ وأخذ يلقيه على أصحابه فيتلقونه منه سماعا . ولم يكن تأليفه الكتاب ليعطيه الناس فينسخوه ويتداولوه بينهم كعادة أهل الطبقات المتأخرة في تصانيفهم بل كان التعويل حينذاك على السماع فقط . وكان تأليفه الكتاب لنفسه خاصة لئلا يغلط فيما يلقيه على الجماعة كعادة أهل طبقته من العلماء في تآليفهم ولذا كان يزيد فيه وينقص منه حسب ما يبدو له في كل دور من أدوار التسميع المختلفة فاختلفت نسخ الموطأ ترتيبا وتبويبا وزيادة ونقصا وإسنادا وإرسالا على اختلاف مجالس المستملين . فأصبح رواتها على اختلاف الختمات هم مدونوها في الحقيقة فمنهم من سمع عليه الموطأ سبع عشرة مرة أو أكثر أو أقل بأن لازمه مددا طويلة تسع تلك المرات ومنهم من جالسه نحو ثلاث سنوات حتى تمكن من سماع أحاديثه من لفظه ومنهم من سمعه عليه في ثمانية أشهر ومنهم من سمعه في أربعين يوما ؟ ومنهم من سمعه عليه في أيام هرمه في مدة قصيرة ومنهم من سمعه في أربعة أيام إلى آخر ما فصل في موضعه . ومنازل هؤلاء المستملين تتفاوت فهما وضبطا وضعفا وقوة فتكون مواطن اتفاقهم في الذروة من الصحة عن مالك ومواضع اختلافهم وانفرادهم متنازلة المنازل إلى الحضيض حسب مالهم من المقام في كتب الرجال . وقد ذكر أبو القاسم الغافقي اثني عشر راويا من رواة الموطأ في
    مسند الموطأ " له فيهم عبد الله بن يوسف التنيسي ومحمد بن المبارك الصوري وسليمان بن بردة . واستدرك السيوطي عليه راويين نسختاهما من أشهر النسخ
    وساق ابن طولون في " الفهرس الأوسط " أسانيد الموطأ من أربع وعشرين طريقا وكذلك أبو الصبر أيوب الخلوتي حيث ساق أسانيده في " ثبته " من طريق ابن طولون ومن غير طريقه
    قال عبد الفتاح بن محمد بن بشير أبو غدة - غفر الله لمشايخه ولوالديه وتاب عليهم وعليه وأحسن إليهم وإليه - : إني أروي الموطأ إجازة بطريق شيخنا الحافظ المحدث الناقد العلامة محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى وهو يروي إجازة بطريق الحجار روايات :
    - 1 - محمد بن الحسن
    - 2 - ويحيى بن يحيى النيسابوري
    - 3 - وقتيبة بن سعيد
    - 4 - وعبد الله بن عمر بن غانم
    - 5 - وعبد العزيز بن يحيى الهاشمي
    - 6 - وعبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون
    - 7 - وابن القاسم
    - 8 - وعبد الله بن نافع الزبيري
    وبطريق أبي هريرة بن الذهبي روايات :
    - 9 - مطرف بن عبد الله اليساري
    - 10 - ومصعب بن عبد الله الزبيري
    - 11 - وعلي بن زياد التونسي
    - 12 - وأشهب
    وبطريق محمد بن عبد الله بن المحب رواية :
    - 13 - عبد الله بن وهب ورواية :
    - 14 - إسحاق بن عيسى الطباع
    وبطريق إبراهيم بن محمد الأرموي رواية :
    - 15 - عبد الله بن مسلمة القعنبي
    وبطريق زينب بنت الكمال المقدسية روايات :
    - 16 - الشافعي
    - 17 - ومحمد بن معاوية الأطرابلسي
    - 18 - وأسد بن الفرات
    وبطريق ابن حجر روايات :
    - 19 - يحيى بن يحيى الليثي
    - 20 - وأبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري
    - 21 - ويحيى بن عبد الله بن بكير المصري
    - 22 - وسويد بن سعيد
    - 23 - وسعيد بن كثير بن عفير
    - 24 - ومعن بن عيسى القزاز
    قال شيخنا الكوثري : " وهؤلاء أربعة وعشرون راويا من أصحاب مالك
    وأحمد يكثر من طريق ابن مهدي
    وأبو حاتم من طريق معن بن عيسى
    والبخاري من طريق عبد الله بن يوسف التنيسي
    ومسلم من طريق يحيى بن يحيى النيسابوري
    وأبو داود من طريق القعنبي
    والنسائي من طريق قتيبة بن سعيد
    وقد أوصل الحافظ محمد بن عبد الله الدمشقي المعروف بابن ناصر الدين رواة الموطأ إلى ثلاثة وثمانين راويا في كتابه " إتحاف السالك برواة الموطأ عن مالك "
    وأشهر رواياته في هذا العصر رواية محمد بن الحسن بين المشارقة ورواية يحيى الليثي بين المغاربة
    فالأولى : تمتاز ببيان ما أخذ به أهل العراق من أحاديث أهل الحجاز المدونة في الموطأ وما لم يأخذوا به لأدلة أخرى ساقها محمد في موطئه وهي نافعة جدا لمن يريد المقارنة بين آراء أهل المدينة وآراء أهل العراق وبين أدلة الفريقين
    والثانية : تمتاز عن نسخ الموطأ كلها باحتوائها على آراء مالك البالغة نحو ثلاثة آلاف مسألة في أبواب الفقه
    وهاتان الروايتان نسخهما في غاية الكثرة في خزانات العالم شرقا وغربا
    وتوجد رواية ابن وهب في مكتبتي فيض الله وولي الدين بالآستانة . ورواية سويد بن سعيد ورواية أبي مصعب الزهري في ظاهرية دمشق . وأطراف الموطأ للداني في مكتبة الكبريلي في الآستانة
    وطالب الحديث إذا عني بادئ ذي بدء بمدارسة أحوال رجال الموطأ فاحصا عن الأسانيد والمتون فيه تدرج - عن دوق وخبرة - في مدارج معرفة الحديث والفقه في آن واحد بتوفيق الله سبحانه فيصبح على نور من ربه في باقي بحوثه في الحديث راقيا على مراقي الاعتلاء في العلم نافعا بعلمة منتفعا به والله سبحانه ولي التسديد "

    كلمات في ترجمة محمد بن الحسن راوي الموطأ وكلمات في العمل بالرأي الذي
    يغمز به :
    سيظهر للمطالع من قراءة هذا الموطأ وفرة شيوخ الإمام محمد بن الحسن ومكانته في الحديث إلى جانب مكانته في الفقه والاجتهاد فقد ظلمه جملة من المحدثين ظلما شديدا لما كان عليه من الاجتهاد والعمل بالرأي والرأي عند الكثير منهم أو أكثرهم من خوارم الثقة بالراوي يذكرونه في ترجمة الراوي في جملة المغامز له ولو كان إماما ثقة كل الثقة في الحديث مع أنه لا فقه بلا رأي ولا أحد من الأئمة المتبوعين والمعتبرين لم يعمل بالرأي فهم في نقد الراوي الذي لديه رأي يمشون على طريقة من لم يكن مثلنا فهو خصم لنا إنا لله
    فأذكر هنا جملا يسيرة أقطفها من ترجمة الإمام محمد بن الحسن في " الجزء " المطبوع مع جزء " مناقب أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن " للحافظ الذهبي ( ص 79 ، 80 ، 81 ، 82 ، 84 ، 93 ، 94 ، من الطبعة الثالثة في بيروت سنة 1408 ) للتعريف بطرف من سيرة هذا الإمام الجليل
    انتهت إليه رياسة الفقه بالعراق بعد أبي يوسف وتفقه به أئمة وصنف التصانيف وكان من أذكياء العالم . ولي قضاء القضاة للرشيد ونال من الجاه والحشمة ما لا مزيد عليه . احتج به الشافعي في الحديث يحكى عنه ذكاء مفرط وعقل تام وسؤدد وكثرة تلاوة ( في
    الآداب الشرعية " لابن مفلح الحنبلي 2 : 165 بالسند إلى الربع المرادي : " سمعت الشافعي يقول : لو أن محمد بن الحسن كان يكلمنا على قدر عقله ما فهمنا عنه لكنه كان يكلمنا على قدر عقولنا فنفهمه " )
    محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيره ثنا الشافعي قال : قال محمد بن الحسن : أقمت على باب مالك ثلاث سنين وسمعت منه لفظا سبع مئة حديث ونيفا لفظا
    الربيع بن سليمان المزني سمعت الشافعي يقول : لو أشاء أن أقول : نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقلته لفصاحته وسمعت الشافعي يقول : مارأيت سمينا أخف روحا من محمد بن الحسن وما رأيت أفصح منه كنت إذا رأيته يقرأ القرآن كأن القرآن نزل بلغته
    إدريس بن يوسف القراطيسي سمعت الشافعي يقول : ما رأيت أعلم بكتاب الله من محمد بن الحسن كأنه عليه نزل
    الطحاوي سمعت أحمد بن أبي داود المكي سمعت حرملة بن يحيى سمعت الشافعي يقول : ما سمعت أحدا قط كان إذا تكلم رأيت أن القرآن نزل بلغته غير محمد بن الحسن وقد كتبت عنه حمل بختي
    محمد بن إسماعيل الرقي ثنا ؟ ؟ الربيع ثنا الشافعي قال : حملت عن محمد الحسن حمل بختي كتبا وما ناظرت أحدا إلا تغير وجهه ما خلا محمد بن الحسن
    ابن أبي حاتم ثنا الربيع سمعت الشافعي يقول : حملت عن محمد بن الحسن حمل بختي ليس عليه إلا سماعي قال عبد الفتاح : كم يكون من الأحاديث في حمل هذا البختي : الجمل الطويل العنق الضخم الجسم ؟ وكم هي قيمة هذه الشهادة الغالية من الشافعي ؟
    عباس بن محمد سمعت ابن معين يقول : كتبت عن محمد بن الحسن " الجامع الصغير "
    أبو خازم القاضي ثنا بكر العمي سمعت محمد بن سماعة يقول : كان محمد بن الحسن قج انقطع قلبه من فكره في الفقه - يعني يقع له استغراق فكر وخاطر في مسائل الفقه يأخذه عمن حوله - حتى كان الرجل يسلم عليه فيدعو له محمد فيزيده الرجل في السلام فيرد عليه ذلك الدعاء بعينه الذي ليس من جواب الزيادة في شيء
    محمد بن سماعة قال : كان محمد بن الحسن كثيرا ما يتمثل بهذا البيت :
    محسدون وشر منزلة ... من عاش في الناس يوما غير محسود
    انتهى ما قطفته من جزء الحافظ الذهبي في ترحمة محمد بن الحسن رحمهما الله تعالى
    ومصداقا لما وصفه به الإمام الشافعي من سعة الصدر وكثرة الحلم في المناظرة وعلى المخالفين والمعارضين أورد هذه الواقعة وفيها أكثر من شاهد وفائدة
    روى الحافظ الخطيب البغدادي في " تاريخ بغداد " ( 158 : 11 ، وفي " أخبار أبي حنيفة وأصحابه " للقاضي أبي عبد الله الصيمري ص 128 ) في ترجمة ( عيسى بن أبان ) المحدث الفقيه عن " محمد بن سماعة قال " كان عيسى بن أبان يصلي معنا وكنت أدعوه أن يأتي - مجلس - محمد بن الحسن فيقول : هؤلاء قوم يخالقون الحديث وكان عيسى حسن الحفظ للحديث فصلى معنا يوما الصبح وكان يوم مجلس محمد فلم أفارقه حتى جلس في المجلس
    فلما فرغ محمد - من المجلس - أدنيته إليه وقلت : هذا ابن أخيك أبان بن صدقة الكاتب ومعه ذكاء ومعرفة بالحديث وأنا أدعوه إليك فيأبى ويقول : إنا نخالف الحديث فأقبل عليه - محمد - وقال له : يابني ما الذي رأيتنا نخالفه من الحديث لا تشهد علينا حتى تسمع منا
    فسأله يومئذ عن خمسة وعشرين بابا من الحديث فجعل محمد بن الحسن يجيبه عنها ويخبره بما فيها من المنسوخ ويأتي بالشواهد والدلائل . فالتفت إلي عندما خرجنا فقال : كان بيني وبين النور ستر فارتفع عني ما ظننت أن في ملك الله مثل هذا الرجل يظهره للناس ولزم محمد بن الحسن لزوما شديدا حتى تفقه به " . انتهى
    هذه لمعة من ترجمة محمد بن الحسن راوي " الموطأ " عن الإمام مالك رضي الله عنهما وجزاهما عن العلم والدين والمسلمين خير الجزاء

    كلمات في العمل بالرأي الذي يغمز به محمد بن الحسن والحنفية وغيرهم
    :
    - أشرت في أول الترجمة الموجزة لمحمد بن الحسن أنه كان يغمز بالعمل بالرأي
    وأقول : العمل بالرأي مع العدالة والضبط لا يجرح صحة الرواية ولا يضعفها ولا يخل بصدق الراوي لأن الأمانة في النقل منه قائمة تامة وورع العدل يمنعه أن يزيد حرفا أو ينقص حرفا في الحديث الذي يرويه لديانته بروايته ولحفظ سمعته بسلامته
    وقد عمل بالرأي من لا يحصى كثرة من المحدثين والفقهاء من أهل المدينة والكوفة والبصرة والعراق وغيرها . بل اشتهر بعضهم بقرن الرأي في اسمه نعتا له مثل الإمام ربيعة الرأي ( أبي عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن ) التابعي المدني شيخ مالك والثوري وشعبة والليث بن سعد وهذه الطبقة المتوفى سنة 136
    وأما غمز الحنفية بالعمل بالرأي فقال الإمام فخر الدين البزدوي في مقدمة كتابه " أصول الفقة " للحنفية أصحاب الرأي : " وأصحابنا هم السابقون في هذا الباب - أي الفقه - وهم الربانيون في علم الكتاب والسنة وملازمة القدوة وهم أصحاب الحديث والمعاني
    أما المعاني فقد سلم لهم العلماء حتى سموهم أصحاب الرأي والرأي اسم للفقه - قال ابن تيمية : وتسمى كتب الفقه كتب الرأي كما في " مجموع الفتاوي " 74 : 18 -
    وهم أولى بالحديث أيضا ألا ترى أنهم جوزوا نسخ الكتاب بالسنة لقوة منزلة السنة عندهم وعملوا بالمراسيل تمسكا بالسنة والحديث ورأوا العمل بها مع الإرسال أولى من الرأي ومن رد المراسيل فقد رد كثيرا من السنة وعمل بالفرع بتعطيل الأصل وقدموا رواية المجهول على القياس وقدموا قول الصحابي على القياس . وقال محمد رحمه تعالى في كتاب " أدب القاضي " : لا يستقيم الحديث إلا بالرأي ولا يستقيم الرأي إلا بالحديث " . انتهى . كلام البزدوي
    قال العلامة علاء الدين البخاري في شرحه : " كشف الأسرار " 17 : 1 : " معناه لا يستقم الحديث إلا باستعمال الرأي فيه بأن يدرك معانيه الشرعية التي هي مناط الأحكام . ولا يستقيم إلا بالحديث أي لا يستقيم العمل بالرأي والأخذ به إلا بانضمام الحديث إليه "
    قال عبد الفتاح : وقد أطلق هذا اللقب : ( أصحاب الرأي ) على علماء الكوفة وفقهائها من قبل أناس من رواة الحديث كان علمهم أن يخدموا ظواهر ألفاظ الحديث ولا يرومون فهم ما وراء ذلك من استجلاء دقائق المعاني وجليل الاستنباط وكان هؤلاء الرواة يضيقون صدرا من كل من أعمل عقله في فهم النص وتحقيق العلة والمناط وأخذ يبحث في غير ما يبدو لأمثالهم من ظاهر الحديث ويرونه قد خرج عن الجادة وترك الحديث إلى الرأي فهو بهذا - في زعمهم - مذموم منبوذ الرواية
    وقد جرحوا بهذا اللقب طوائف من الرواة الفقهاء الأثبات كما تراه في كثير من تراجم رجال الحديث وخذ منها بعض الأمثلة :
    - 1 - جاء في ترجمة ( محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري ) عند الحافظ ابن حجر في " هدي الساري " ( 161 : 2 ) قول الحافظ : " من قدماء شيوخ البخاري ثقة وثقه ابن معين وغيره قال أحمد : ما يضعفه عند أهل الحديث إلا النظر في الرأي وأما السماع فقد سمع " انتهى . قلت : انظر ترجمته في " تذكرة الحفاظ " للذهبي ( 371 : 1 ) و " تهذيب التهذيب " ( 274 : 9 - 276 )
    - 2 - وقال الحافظ ابن حجر أيضا في " هدي الساري " ( 170 : 2 ) في ترجمة ( الوليد بن كثير المخزومي ) : " وثقه إبراهيم بن سعد وابن معين وأبو داود وقال الساجي : قد كان ثقة ثبتا يحتج بحديثه لم يضعفه أحد إنما عابوا عليه الرأي "
    - 3 - وقال الحافظ الذهبي في " المغني " ( 670 : 2 ) : " معلى بن منصور الرازي إمام مشهور موثق قال أبو داود : كان أحمد لا يروي عنه للرأي وقال أبو حاتم : قيل لأحمد : كيف لم تكتب عنه ؟ قال : كان يكتب الشروط من كتبها لم يخل أن يكذب "
    قلت : انظر ترجمته في " تذكرة الحفاظ " ( 377 : 1 ) و " تهذيب التهذيب " ( 238 : 10 - 240 ) وفي آخر ترجمته فيه : " قال أحمد بن حنبل : معلى بن منصور من كبار أصحاب أبي يوسف ومحمد ومن ثقاتهم في النقل والرواية " . أنتهى . فيكون أحمد ترك الكتابة عنه من أجل الرأي فقط
    وقد كثر هذا النبذ لأهل الرأي والنبذ لروايات كثير منهم حتى أثار مثل الإمام أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي وغيره من أئمة الحنابلة أن يتكلم بسبب هذا القول فيهم أو بأويله على وجه محتمل جاء في " مسودة آل تيمية في أصول الفقه " ص 265 : " وقال والد شيخنا في قول أحمد : ( لا يروى عن أهل الرأي ) تكلم عليه ابن عقيل بكلام كثير قال في رواية عبد الله : ( أصحاب الرأي لا يروى عنهم الحديث ) قال القاضي - أبو يعلى - : وهذا محمول على أهل الرأي من المتكلمين كالقدرية ونحوهم
    قلت - القائل الشيخ ابن تيمية - : ليس كذلك بل نصوصه في ذلك كثيرة وهو ما ذكرته في ( المبتدع ) ( ص 264 في " المسودة " ) أنه نوع من الهجرة فإنه قد صرح بتوثيق بعض من ترك الرواية عنه كأبي يوسف ونحوه ولذلك لم يرو لهم في الأمهات كالصحيحين " . انتهى

    ظلم جملة من المحدثين لأبي يوسف ومحمد الفقيهين المحدثين
    :
    - قال العلامة الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى في كتابه : " الجرح والتعديل " ( ص 24 ) : وقد تجافى أرباب الصحاح الرواية عن أهل الرأي فلا تكاد تجد اسما لهم في سند من كتب الصحاح أو المسانيد أو السنن كالإمام أبي يوسف والإمام محمد بن الحسن فقد لينهما أهل الحديث كما ترى في " ميزان الاعتدال " ولعمري لم ينصفوهما وهما البحران الزاخران وآثارهما تشهد بسعة علمهما وتبحرهما بل بتقدمهما على كثير من الحفاظ وناهيك كتاب " الخراج " لأبي يوسف و " موطأ " الإمام محمد
    وإن كنت أعد ذلك في البعض تعصبا إذ يرى المنصف عند هذا البعض من العلم والفقه ما يجدر أن يتحمل عنه ويستفاد من عقله وعلمه ولكن العصبية
    ولقد وجد لبعض المحدثين تراجم لأئمة أهل الرأي يخجل المرء من قراءتها فضلا عن تدوينها وما السبب إلا تخالف المشرب على توهم التخالف ورفض النظر في المآخذ والمدارك التي قد يكون معهم الحق في الذهاب إليها فإن الحق يستحيل أن يكون وقفا على فئة معينة دون غيرها والمنصف من دقق في المدارك غاية التدقيق ثم حكم
    نعم كان ولع جامعي السنة بمن طوف البلاد واشتهر بالحفظ والتخصص بعلم السنة وجمعها وعلماء الرأي لم يشتهروا بذلك وقد أشيع عنهم أنهم يحكمون الرأي في الأثر وإن كان لهم مرويات مسندة معروفة رضي الله عن الجميع وحشرنا وإياهم مع الذين أنعم الله عليهم " . انتهى
    وقال شيخنا العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى في تعليقه على " مسند الإمام أحمد " ( 11 : 13 ) : " أبو يوسف القاضي : ثقة صدوق تكلموا فيه بغير حق ترجمه البخاري في " الكبير " 4 / 397 : 2 ، وقال : تركوه وقال في " الضعفاء " ص 38 : تركه يحيى وابن مهدي وغيرهما وترجمه الذهبي في " الميزان " 447 : 4 ، والحافظ في " لسان الميزان " 300 : 6 ، والخطيب في " تاريخ بغداد " ترجمة حافلة 242 : 14 - 262 ، وأعدل ما قيل فيه قول أحمد بن كامل عند الخطيب : ولم يختلف يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني في ثقته في النقل " انتهى

    كلمات للإمام ابن تيمية في دفع الجرح بالعمل بالرأي
    :
    - قال عبد الفتاح " وقد رأيت للشيخ الإمام ابن تيمية كلاما حسنا جلى فيه شأن الرأي وما يذم منه وما لا يذم فأحببت إيراده هنا استيفاء للمقام وإن طال الكلام فإنه قاطع للشغب على العمل بالرأي من كل مشاغب
    قال رحمه الله تعالى في كتابه : " إقامة الدليل على إبطال التحليل " ( 227 : 3 ، ضمن " الفتاوى الكبرى " ) : " ما ورد في الحديث والأثر من ذم الرأي وأهله فإنما يتناول الحيل فإنها أحدثت بالرأي وإنها رأي محض ليس فيه أثر عن الصحابة ولا له نظير من الحيل ثبت بأصل فيقاس عليه بمثله والحكم إذا لم يثبت بأصل ولا نظير كان رأيا محضا باطلا
    وفي ذم الرأي آثار مشهورة عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وغيرهم وكذلك عن التابعين بعدهم بإحسان فيها بيان أن الأخذ بالرأي يحلل الحرام ويحرم الحلال
    ومعلوم أن هذه الآثار الذامة للرأي لم يقصد بها اجتهاد الرأي على الأصول من الكتاب والسنة والإجماع في حادثة لم توجد في كتاب ولا سنة ولا إجماع ممن يعرف الأشباه والنظائر وفقه معاني الاحكام فيقيس قياس تشبيه وتمثيل أو قياس تعليل وتأصيل قياسا لم يعارضه ما هو أولى منه فإن أدلة جواز هذا للمفتي لغيره والعامل لنفسه ووجوبه على الحاكم والإمام أشهر من أن تذكر هنا وليس في هذا القياس تحليل لما حرمه الله سبحانه ولا تحريم لما حلله الله
    وإنما القياس والرأي الذي يهدم الإسلام ويحلل الحرام ويحرم الحلال : ما عارض الكتاب والسنة أو ما كان عليه سلف الأمة أو معاني ذلك المعتبرة . ثم مخالفته لهذه الأصول على قسمين :
    أحدهما : أن يخالف أصلا مخالفة ظاهرة بدون أصل آخر . فهذا لا يقع من مفت إلا إذا كان الأصل مما لم يبلغه علمه كما هو الواقع لكثير من الأئمة لم يبلغهم بعض السنن فخالفوها خطأ . وأما الأصول المشهورة فلا يخالفها مسلم خلافا ظاهرا من غير معارضة بأصل آخر فضلا عن أن يخالفها بعض المشهورين بالفتيا
    الثاني : أن يخالف الأصل بنوع تأويل وهو فيه مخطئ بأن يضع الإسم على غير موضعه أو على بعض موضعه ويراعي فيه مجرد اللفظ دون اعتبار المقصود لمعنى أو غير ذلك
    وإن من أكثر أهل الأمصار قياسا وفقها أهل الكوفة حتى كان يقال : فقه كوفي وعبادة بصرية . وكان عظم علمهم مأخوذا عن عمر وعلى وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم وكان أصحاب عبد الله وأصحاب عمر وأصحاب علي من العلم والفقه بالمكان الذي لا يخفى
    ثم كان أفقههم في زمانه إبراهيم النخعي ؟ ؟ كان فيهم بمنزلة سعيد بن المسيب في أهل المدينة وكان يقول : إني لأسمع الحديث الواحد فأقيس به مئة حديث . ولم يكن يخرج عن قول عبد لله وأصحابه . وكان الشعبي أعلم بالآثار منه . وأهل المدينة أعلم بالسنة منهم
    وقد يوجد لقدماء الكوفيين أقاويل متعددة فيها مخالفة لسنة لم تبلغهم ولم يكونوا مع ذلك مطعونا فيهم ولا كانوا مذمومين بل لهم من الإسلام مكان لا يخفى على من علم سيرة السلف وذلك لأن مثل هذا قد وجد لأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم لأن الإحاطة بالسنة كالمتعذر على الواحد أو النفر من العلماء . ومن خالف ما لم يبلغه فهو معذور " . انتهى
    قال عبد الفتاح : ولله در الإمام ابن تيمية كيف جلى هذه المسألة واستوفاها ورد قول الجارح بها بمتانة وإقناع . وبهذه البيان الشافي الوافي يتبين أن جرح الراوي بأنه ( من أهل الرأي ) مردود ولا يصح غمز الثقات الأثبات والأعلام الكبار به

    تحجر الرواة وضيقهم من المشتغل بغير الحديث
    :
    - ومأتى جرحهم الراوي بهذا الجرح المردود : أنه كانت همة أكثر أهل الحديث متوجهة إلى الرواية والسماع ويرفضون النظر في المآخذ والمدارك كما أشار إليه الشيخ القاسمي رحمه الله تعالى فيما تقدم من كلامه
    بل كان أولئك الرواة يرون العلم كل العلم رواية الحديث ومتنا لا بحثا وفقيا ويرون إعمال الرأي في فهم الأثر خروجا عليه فإذا بلغهم عن فقيه أنه تكلم في مسألة باحثا مجتهدا أو عن متكلم قال في صفة من صفات الله تعالى قولا أو عن مذكر تحدث عن حال النفس كاشفا منقبا أو عن محدث روى شعرا : ثارت لذلك حفيظتهم ونقموا عليه ما صنع وقالوا فيه من الجرح ما يرونه ملاقيا للجارح الذي اتصف به في نظرهم
    وقد جاء في ترجمة الإمام الشافعي رضي الله عنه في " معجم الأدباء " لياقوت الحموي ( 299 : 17 ) ما نصه : " عن مصعب الزبيري قال : كان أبي والشافعي يتناشدان فأتى الشافعي على شعر هذيل حفظا وقال : لا تعلم بهذا أحدا من أهل الحديث فإنهم لا يحتملون هذا " . انتهى
    قلت : بل إن أهل الحديث لم يحتملوا أقل من هذا بكثير لم يحتملوا تصنيف الحديث على الأبواب جاء في " الحلية " لأبي نعيم ( 165 : 8 ) في ترجمة الإمام الجليل القدوة عالم خراسان الفقيه المحدث العابد المجاهد : ( أبي عبد الرحمن عبد الله بن المبارك ) المتوفى سنة 181 رحمه الله تعالى ما يلي :
    قال أحمد بن أبي الحوارى : سمعت أبا أسامة - هو الحافظ الإمام الحجة حماد بن أسامة الكوفي - يقول : مررت بعبد الله بن المبارك بطرسوس - ثغر من ثغور الجهاد في وجه الأعداء - وهو يحدث فقلت : يا أبا عبد الرحمن إني لأنكر هذه الأبواب والتصنيف الذي وضعتمون ما هكذا أدركنا المشيخة
    انتهى
    فإذا كان هذا شأن أحد كبار المحدثين مع شيخ المحدثين والزهاد وإمام المجاهدين والعباد : عبد الله بن المبارك وكل الذي صنعه هو أنه جمع الأحاديث تحت عناوين ( الأبواب والتصنيف عليها ) فلا شك أن شأنهم أشد إنكارا مئة مرة مع الذي يعمل رأيه في فهم النص أو يؤوله لدليل يقتضي ذلك عنده
    وقال الإمام الغزالي في " الإحياء " ( 79 : 1 في مبحث ( آفات العلم وبيان علامات علماء الآخرة والعلماء السوء ) ) : " كان الأولون يكرهون كتب الأحاديث وتصنيف الكتب لئلا يشتغل الناس بها عن الحفظ وعن القرآن وعن التدبر والتذكر وكان أحمد بن حنبل ينكر على مالك في تصنيفه " الموطأ " ويقول : ابتدع ما لم يفعله الصحابة رضي الله عنهم " . انتهى
    وانظر أقوالا أخرى للإمام أحمد - في هذا الصدد أيضا وعلى غرار ما نقله الإمام الغزالي - في " مناقب الإمام أحمد " لابن الجوزي في ( الباب الثامن والعشرون في ذكر كراهيته وضع الكتب المشتملة على الرأي ليتوافر الالتفات إلى النقل ) ( وذلك في ص 249 من الثانية المحققة وص 192 من الطبعة الأولى )

    الرد على من قدح في أبي حنيفة بدعوى تقديمه القياس على السنة
    :
    - قال الإمام المحقق ابن حجر المكي الهيتمي الفقيه الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه : " الخيرات الحسان في مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان " ( ص 98 ) : ( الفصل السابع والثلاثون في الرد على من قدح في أبي حنيفة لتقديمه القياس على السنة ) :
    قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر [ الإمام المحدث الفقيه المالكي الأندلسي في " جامع بيان العلم وفضله " ( 148 : 2 وما تراه بين هاتين المعكوفتين [ ] هو من زيادتي على كلام ابن حجر الهيتمي من " جامع بيان العلم " ) في ( باب ما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي والظن والقياس على غير أصل ) بعد أن نقل طائفة من أقوال بعض المحدثين في الغمز بأبي حنيفة ] ما يلي :
    أفرط أصحاب الحديث في ذم أبي وتجاوزوا الحد في ذلك لتقديمه الرأي والقياس على الآثار . وأكثر أهل العلم يقولون : إذا صح الحديث بطل الرأي والقياس . وكان رده لما من أخبار الآحاد بتأويل محتمل . وكثير منه قد تقدمه إليه غيره وتابعه عليه مثله [ ممن قال بالرأي ]
    وجل ما يوجد له من ذلك تبع فيه أهل علم بلده كإبراهيم النخعي وأصحاب ابن مسعود إلا أنه أكثر من ذلك هو وأصحابه . وغيره إنما يوجد له ذلك قليلا
    [ وما أعلم أحدا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية أو مذهب في سنة فرد من أجل ذلك المذهب سنة أخرى بتأويل سائغ أو ادعاء نسخ إلا أن لأبي حنيفة من ذلك كثيرا وهو يوجد لغيره قليلا ]
    قال الليث بن سعد : أحصيت على مالك سبعين مسألة قال فيها برأيه وكلها مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ولقد كتبت إليه أعظه في ذلك
    ومن ثمة لما قيل لأحمد بن حنبل : ما الذي نقمتم على أبي حنيفة ؟ قال الرأي قيل : أليس مالك تكلم بالرأي ؟ قال : بلى ولكن أبو حنيفة أكثر رأيا منه قيل : فهلا تكلمتم في هذا بحصته وهذا بحصته ؟ فسكت أحمد
    قال أبو عمر : ولم نجد أحدا من علماء الأمة أثبت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم رده إلا بحجة كادعاء نسخ بأثر مثله أو بإجماع أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه أو طعن في سند . ولو رده أحد من غير حجة لسقطت عدالته فضلا عن إمامته ولزمه اسم الفسق ولقد عافاهم الله من ذلك
    ولقد جاء عن الصحابة رضي الله عنهم من اجتهاد الرأي والقول بالقياس على الأصول ما يطول ذكره وكذلك التابعون . وعدد ابن عبد البر منهم خلقا كثيرين
    انتهى كلام ابن عبد البر وفيه جواب شاف عن ذلك القدح . والحاصل أن أبا حنيفة لم ينفرد بالقول بالقياس بل على ذلك عمل فقهاء الأمصار كما قاله ابن عبد البر وبسط الكلام عليه ردا على من جهل فجعل ذلك عيبا " . انتهى كلام ابن حجر الهيتمي
    وهذا القدر من كلام الإمامين : ابن حجر المكي الشافعي ابن عبد البر الأندلسي المالكي - إلى جانب كلام الإمام ابن تيمية الحراني الحنبلى - كاف في تجلية رد جرح الراوي بالعمل بالرأي والله سبحانه وتعالى أعلم

    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    رد: كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 12:28 pm

    كلمات في ترجمة الشارح الإمام اللكنوي
    :
    - ترجم الإمام اللكنوي رحمه الله تعالى لنفسه في ستة كتب من كبار تآليفه في خاتمة " النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير " وفي مقدمة كتابه هذا : " التعليق الممجد " في آخر الفائدة التاسعة وفي مقدمة " السعاية لكشف ما في شرح الوقاية " وفي مقدمة " عمدة الرعاية لحل شرح الوقاية " وفي " التعليقات السنية على الفوائد البهية " وفي مقدمة " الهداية " للإمام المرغيناني
    وقد جمعت له ترجمة مطولة مستفيضة من هذه الكتب الستة وأثتبها في أول كتابه " الرفع والتكميل في الجرح والتعديل " الذي خدمته في طبعاته الثلاث وأوفاها ترجمة له في الطبعة الثالثة كما ترجمت له بتراجم منقولة عن بعض معاصريه أو تلامذته ومنها الترجمة في أول كتابه " الأجوبة الفاضلة عن الأسئلة العشرة الكاملة " في مباحث هامة شائكة من علوم مصطلح الحديث الشريف . ومنها في أول كتابه " تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار " - صلى الله عليه و سلم - الذي قريب الصدور إن شاء الله تعالى
    وقد تحقق عندي واستقر في نفسي من تتبعي لكتب الإمام محمد عبد الحي اللكنوي رحمه الله تعالى ومؤلفاته : رسائل صغيرة في صفحات أو كتبا كبيرة في مجلدات : أن تصانيفه دائما - على اختلاف مواضيعها - تتميز بمزايا لا تجتمع عند غيره
    ففيها التميز بالضبط التام الدقيق للألفاظ المقتضية ذلك والشرح الوافي للمعاني وتبيين الأحكام الفقهية - إن كان الموضوع فقها - بما يكفي ويشفي
    وفيها تراجم العلماء الذين يأتي ذكرهم في سياق البحث عنده لزيادة التعريف بهم بإيجاز في محله وباستيعاب في محله
    وفيها الحديث عن رجال الإسناد أو بيان حاله إذا كان المقام يقتضي ذلك . وفيها تنوع معارفه المتوازن المتين في التفسير والحديث وعلومهما والفقه والأصول والفتاوي والكلام والتاريخ والسير والتراجم والأنساب واللغة والنحو والصرف والمنطق والمناظرة والحكمة . وقل أن يجتمع هذا كله في العلماء
    وفيها التمكن التام من الولوج في كل علم أو فن يؤلف فيه بل فيه التفوق والمهارة البارزة والإتقان الظاهر في كل ما يكتبه وفيها من التواضع البالغ عند عرض المسائل والآراء التي يختارها أو يرجحها أو يجزم بها ويخطئ سواها فلا انتفاخ ولا صراخ ولا استكبار ولا استعلاء ولا تكلف ولا مغالاة
    وفيها الإنصاف والاعتدال والبعد عن التعصب لمذهب أو رأي معين بوضوح وجلاء اتباعا منه للدليل ولوجاهة الرأي المختار . وفيها استيعاب الاستدلال للمسألة التي يحققها حتى ينتهي بالقارئ إلى الحكم الذي قرره ويقنعه به
    وفيها الصبر والجلد القوي على مناقشة ما يحتاج إلى المناقشة بترو وأناة ليتميز الصواب من الخطأ في الموضوع
    وفيها كثرة المصادر المعروفة وغير المعروفة يسردها بلا كلل ولا ملل وكأنها كلها كالخاتم في يده أو السطور أمام عينيه فينقل منها ما يريد لدعم ما انتهى إلى تقريره بكل أمانة ودقة واستيفاء وكثير من تلك المصادر التي ينقل منها ما سمع جلة العلماء المشتغلين في العلم بأسمائها فضلا عن معرفتهم بذواتها وقراءتها فلذا يكثر الجديد والمفيد في كل ما يكتبه
    وإني لأتعجب كيف نقل تلك النقول من مكامنها وهي في بطون الكتب البعيدة عن الأيدي والأنظار التي لا فهارس لها ولا أدلة على مضامينها وإني أتصور أن بينه وبين تلك النقول شعاعا مرشدا إليها ومغناطيسا دالا عليها أصدق الدلالة وأدقها
    نعم الأمر كذلك في تصوري وذلك الشعاع والمغناطيس هو الذهن الفريد المتقد العجيب الذي أكرمه الله به فهو يرشده إلى كل شاذة وفاذة في الباب فتراه يوردها في تأليفه دراكا تباعا حتى كأنه قد استظهرها حفظا وتمثلها لفظا
    وقد صار طابع الولوع بالتحقيق والتدقيق وترجيح الراجح وتضعيف الواهي في المسألة : عفويا في حجاه وسمة بارزة في جميع كتبه ومؤلفاته فقد ألف واستلذ التحقيق واستطعمه حتى صار طبعا في خاطره وتفكيره وأوتي الصبر عليه على أنه لم يسلم من الخطأ الذي ما تنزه عنه إلا الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام الذي عصمهم الله تعالى بفضله وكرمه
    وكنت في أول أمري لما أطالع في كتابه المتميز المفيد : " الفوائد البهية في تراجم الحنفية " وأراه يقول في تراجم من يترجمهم : ( وقد طالعت من كتبه كتاب كذا وكتاب كذا وكتاب كذا )
    كنت أقول هذا القول على التجوز أي أنه يتصفح الكتاب وينظر فيه بالإجمال لأن الكتب التي يذكر مطالعته لها كثيرة جدا جدا وبعضها في مجلدات كبار فهي إلى ندرة وجودها وأنها من المخطوطات : واسعة متسعة لا يصبر على قراءة الكتاب الواحد منها أمثالنا إلا إذا دفعته إلى ذلك رغبة حب وشوق أو إلزام أتاه من فوق
    فلما قرأت جملة من كتبه واستنرت بتآليفه ومداركه العالية عملا بوصية شيخي الإمام العلامة المحقن محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى تبين لي أن قوله : ( طالعت من كتبه كتاب كذا وكتاب كذا ... . ) : حقيقة لا تجوز فيها وأنها مطالعة العالم الذكي اللوذعي الذي يفهم ويعي ويحفظ ما قرأ وطالع
    ويكون ما قرأه من سنين بعيدة منصوبا بين عينيه ففي كثير من المواضع والموضوعات التي يكتب أو يؤلف فيها تجده ينقل الكلمة القصيرة الصغيرة من الكتاب الطويل الكبير فانبهرت من حذاقته وزكانته وشدة استيعابه للموضوع الذي لا يصل إليه المطالع المطلع في مظنته إلى بصعوبة تراه هو قد تناوله بسهولة ويسر وانسجام
    ومما أذكره مثالا لهذه السمة السامية في كتبه : الكتاب الكبير الذي سماه " ظفر الأماني في شرح مختصر السيد الجرجاني " في علم المصطلح الحديثي ومن أكبر ما ألف فيه فقد هالني حين حققته واعتنيت به لطبعه كثرة النقول فيه من مصادر بعيدة متباينة المواضيع والعلوم
    فتراه ينقل الجملة والجملتين والكلمة والكلمتين ثم يعرح على كتاب آخر فينقل منه الصفحة أو نصفها أو مثيلها ثم ينتقل إلى كتاب آخر لا يظن ولا يرد إلى الذهن أن يكون فيه الجملة التي يلتقطها منه وتكون هي في موضعها الذي أثبتها فيه كحجرة الخاتم الثمينة في الخاتم النفيس
    فلله دره ما أعلمه بالنصوص ومظانها وغير مظانها وما أصبره على نقلها وأنقده لاختيارها والكتب أغلبها لديه مخطوطة
    وإذا كان هذا شأنه في الكتاب الكبير الضخم فلا يستغرب أن يكون هكذا شأنه أيضا في الكتب الصغيرة والرسائل اللطيفة كرسالته : " تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار " وهي من آخر ما اعتنيت بخدمته وتقديمه للطبع فهذه الرسالة على لطافتها حجما نقل فيها من مصادر مخطوطة ما سمعت بأسماء كثير منها فضلا عن رؤيتها في الفقه الحنفي وفي غيره فقد كان لديه مكتبة عامرة جامعة تستجيب لكل علم يريد تحقيقه والتأليف فيه
    فهذا الرجل إمام في العلم وإمام في كثرة التآليف المفيدة المتقنة مع قصر العمر فقد عاش تسعا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وخلف أكثر من خمسة عشر ومئة كتاب ورسالة في مواضيع شتى في المنقول والمعقول شرحا أو تحشية أو تأليفا مبتكرا مستأنفا
    ولو حسبت أيام حياته وقسمت على صفحات مؤلفاته لأتت بالمدهش العجاب من وفرة ما يصنفه كل يوم فأين وقت المطالعة والتفكير والنسخ والتسويد والتبييض إن كان لديه تسويد والأكل والشرب والنوم والأسفار عنده ؟
    ولكن هناك أناسا آتاهم الله تعالى المواهب النادرة الفذة والقدرة العجيبة الباهرة عل احتواء العلم وتحقيقه وتدوينه عذبا مضيئا وضيئا من شعاع الخاطر إلى رأس القلم دون تردد أو تعثر أو وهن ذهن أو عبارة أو تكدر أو فتور بيان فأنفاسهم وخواطرهم تحمل العلم مستقيما وأقلامهم تستقبله كذلك فيخرج عسلا مصفى وتأليفا قويما ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والإمام اللكنوي الشاب منهم جزاهم الله عن العلم والدين والمسلمين خير الجزاء

    أهمية طبع كتاب التعليق الممجد
    :
    - هذا الكتاب العظيم والشرح الجليل أحد الكتب الكبار التي ألفها الإمام عبد الحي اللكنوي من كتبه الكثيرة البالغة 115 كتاب وقد بدأ بتأليفه أواخر سنة 1292 ، وكانت سنه 27 سنة ثم اعترضته أسفار وأعراض وأشغال فأتم تأليفه في شعبان سنة 1295
    فهي موهبة عجيبة وقدرة غريبة أن يتسنم كتاب الموطأ شاب هندي اللغة والدار في هذه السن وقد ضمنه زاهي علمه وأرقى معرفته في الحديث الشريف وعلومه وفي الفقه الحنفي والمذاهب الأخرى وسائر ما يتصل بذلك من العلوم من بعيد أو من قريب فجاء هذا الكتاب درة فريدة من درر العم وجوهرة نفيسة من أنفس الجواهر
    وسيجد القارئ المطالع فيه المزايا التي تميز بها الإمام اللكنوي وأشرت إليها قريبا وسيدهش من قوة ملكته ناصية التحقيق والتدقيق والضبط والإتقان ومناقشة المذاهب والآراء والترجيح والتضعيف والتجرد والإنصاف دون لي للنصوص ولا اعتساف
    هذا الكتاب النفيس طبح أكثر من خمس مرات في الهند وباكستان الطباعة الهندية الحجرية ذات الحواشي الغواشي والسطور المنمنمة والعبارات المستديرة على جوانب الصفحة الثلاث والعبارات القصيرة المتداخلة بين السطور لضبط اسم أو كلمة أو بيان عطف على معطوف أو إعراب أو لغة أو رواية أو اختلاف فيها أو ما إلى ذلك . وبعض هذه العبارات القصيرة كتبت تحت السطر على امتداده ومستواه وبعضها كتبت فوق السطر مقلوبة عليه مع قرب السطور وتداخل الكلمات كما يراه القارئ المتأمل في الصورة المأخوذة عن النسخة المطبوعة في هذه التقدمة فصارت قراءته - مع نفاسة مضمونه في كل جملة شارحة أو تعليقة موضحة - عسيرة لا يصبر عليها إلا سادتنا ومشايخثنا العلماء الهنود والباكستانيون الذي ألفوا هذه الطريقة في الطباعة الحجرية
    وفي تداخل الكلمات في السطور وإلا أفراد قليلون من العلماء العرب الذين يستهويهم التحقيق العلمي والفتوحات الربانية في المطبوعات الهندية النفيسة المضمون والعلم
    وأما عامة القراء العرب فما أبعدهم من الصبر على قراءة مثل هذا الكتاب ومن المطبوعات الهندية القديمة فلذا حرم من هذا الكتاب وأمثاله كثيرون من إخواننا العلماء العرب وحيل بينهم وبين ما يشتهون
    وقد كنت منذ ثلاثين سنة نوهت بفضل هذا الكتاب ومزاياه في بعض تعليقاتي على كتاب " الرفع والتكميل " وقلت : إن خلو مكتبة العالم منه حرمان كبير فأخذت هذا الكلمة مأخذها من عزائم كثير من العماء وبعض الجهات العلمية الرسمية التي اعتادت نشر الكتب النادرة النفيسة النافعة فعزمت وزارة الأوقاف في دولة الإمارات العربية المتحدة على طبعه واهتمت به وكلفتني بتحقيق دولة مقدمته التي قدم بها المؤلف قبل الدخول في الشرح والتي تبلغ كتابا مستقلا غير صغير ونسختها وبعثتها إلي ثم توقفت لبعض الأسباب فوقف الكتاب كما هو
    ثم عزمت مؤسسة شهيرة كبيرة قديرة من دور النشر على نشره ونسخته إلى منتصفه وقدمته لي وكلفتني بتحقيقه والعناية به وكنت حينئذ في ارتباط علمي ودراسي جامعي ومشاغل زاحمة لا يمكنني معها أن أتفرغ له كما أحب ليخرج كما يستحق أن يخرج به فتوقف نشره أيضا
    وأخيرا توجهت همة الأخ الفاضل الشيخ الدكتور تقي الدين الندوي الهندي المنشأ والدار العربي المقام والقرار إلى نسخه وكتابته والصبر على خدمته بكل دقة وأمانة ليخرج إلى القراء بالطباعة الفائقة والعناية الطبية وتنزيل شروحه وتعليقاته في منازلها وربطها بالألفاظ المتصلة بها مع الضبط والإتقان
    وكان مما أعانه وشجعه على ذلك اهتمام الأخ الأستاذ محمد على دولة ناشر الكتب النافعة المختارة المنتقاة السليمة القويمة فاستقبل هذا الكتاب بترحاب واستعداد كامل لنشره عملا بثنائي عليه وحضي على طبعه وإخراجه
    فلهذين الأخوين الأستاذين الفاضلين يعود فضل إخراج هذا الكتاب العظيم ولهما منة على من يقرأه بهذا العرض الرائق القشيب وهذا الطبع الفصيح الجميل
    وإني لأقدم شكري الجزيل لهما على تحقيق هذا الأمنية الغالية التي كانت في نفسي فحققاها على خير ما يستطاع جزاهما الله خيرا وتقبل منهما هذا العمل الصالح الثمين بإخراج هذا الكتاب وأمثاله . وحينما تتناوله أيدي القراء العلماء العرب سيعرفون منه نبوغ العالم الشاب الهندي عبد الحي اللكنوي صاحب التصانيف الزائدة على 115 مؤلف ومانته في صفوف العلماء الكبار والمؤلفين المكثرين الأخيار رحمات الله تعالى عليه ورضوانه العظيم
    في الرياض يوم الجمعة 27 من صفر سنة 1412 وكتبه عبد الفتاح أبو غدة
    بسم الله الرحمن الرحيم

    تقديم بقلم سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي
    - الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
    وبعد فأبدأ هذا التقديم المتواضع لكتاب " التعليق الممجد على موطأ الإمام محمد " للإمام أبي الحسنات عبد الحي اللكنوي رحمه الله تعالى تحقيق وأخراج أخينا الفاضل فضيلة الشيخ الدكتور تقي الدين الندوي بما قاله حكيم الإسلام الإمام أحمد بن عبد الرحيم المعروف بالشيخ ولي الله الدهلوي ( 1114 هـ - 1176 هـ ) في مقدمة كتابه " المصفى شرح الموطأ " بالفارسية ما معناه بالعربية قال - بعد ما ذكر حيرته بسبب اختلاف مذاهب الفقهاء وكثرة أحزاب العلماء وتجاذيهم كل واحد عن الآخر إلى جانب - قال رحمه الله :
    ( ألهمت الإشارة إلى كتاب " الموطأ " تأليف الإمام الهمام حجة الإسلام مالك بن أنس وعظم ذلك الخاطر رويدا فرويدا وتيقنت أنه لا يوجد الآن كتاب ما في الفقه أقوى من موطأ الإمام مالك لأن الكتب تتفاضل فيما بينها : إما من جهة فضل المصنف أو من جهة التزام الصحة أو من جهة شهرة أحاديث أو من جهة القبول لها من عامة المسلمين أو من جهة حسن الترتيب واستيعاب المقاصد المهمة أو نحوها وهذه الأمور كلها موجودة في الموطأ على وجه الكمال بالنسبة إلى جميع الكتب الموجودة على وجه الأرض الآن ) ( نقلا من " تسهيل دراية الموطأ في كتاب المسوي شرح الموطأ " إخراج دار الكتب العلمية - بيروت ص 17 - 18 )
    ومن كلامه فيه في نفس مقدمة المصفى : ( لقد انشرح صدري وحصل لي اليقين بأن الموطأ أصح كتاب يوجد على وجه الأرض بعد كتاب الله كذلك تيقنت أن طريق الإجتهاد وتحصيل الفقه ( بمعنى معرفة أحكام الشريعة من أدلتها التفصيلية ) مسدود اليوم ( على من رام التحقيق ) إلا من وجه واحد وهو أن يجعل المحقق الموطأ نصب عينيه ويجتهد في وصل مراسيله ومعرفة مآخذ أقوال الصحابة والتابعين ( بتتبع كتب أئمة المحدثين ) ثم يسلك طريق الفقهاء المجتهدين ( في المذاهب ) من تحديد مفهوم الألفاظ وتطبيق الدلائل وتبيين الركن والشرط والآداب واستخلاص القواعد الكلية الجامعة المانعة ومعرفة علل الأحكام وتعميمها وتحقيقها وفقا لعموم العلة وخصوصها وأمثال ذلك ويجتهد في فهم تعقبات الإمام الشافعي وغيره ( كتفقبات الإمام محمد في موطئه وكتاب الحجج ) ثم يجتهد في تطبيق المختلفات أو ترجيح الأحسن منها ويتمكن من تحصيل اليقين بدلالة الدلائل على تلك المسائل وبغالب الظن للرأي لمعرفة أحكام الله تعالى ) ( المرجع السابق : ص 29 )
    أما ما يتصل بمكانة الموطأ للإمام محمد رحمه الله تعالى بالنسبة إلى موطأ مالك برواية يحيى الأندلسي الليثي المصمودي وهو المتبادر بالموطأ عند الإطلاق وأكب عليه العلماء في القديم والحديث بالتدريس والشرح فحسب القارئ ما يقوله الإمام عبد الحي بن عبد الحليم اللكنوي صاحب " التعليق الممجد " في مقدمته لهذا الكتاب :
    ( له ترجيح على الموطأ برواية يحيى وتفضيل عليه لوجوه مقبولة عند أولي الأفهام ) ( التعليق الممجد ص 35 طبع المطبع المصطفائي 1297 هـ )
    ثم ذكر هذه الأسباب وتوسع في عدها وشرحها ( يرجع إلى البحث في المقدمة من ص 35 إلى ص 40 )
    وقد كان الإمام عبد الحي اللكنوي من أقدر الناس وأجدرهم بالتعليق على موطأ الإمام محمد لأنه كان يجمع بين الصلة العلمية القوية بالحديث والصلة العلمية القوية بفقه المذاهب الأربعة وبصفة خاصة بالمذهب الحنفي الذي كان الإمام محمد من أعلامه البارزين ومؤسسيه الأصيلين فكان بذلك يجمع بين نسب علمي معنوي قريب بصاحب الموطأ إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس ونسب معنوي علمي كذلك بالإمام محمد بن الحسن تلميذ الإمام مالك وصاحب الإمام أبي حنيفة . والنسب العلمي والمعنوي ليس أقل قيمة ولا أضعف تأثيرا من النسب الجسدي الظاهر وبذلك استطاع أن يتغلب على ما يعتبره كثير من التناقض والجمع بين الأضداد واستطاع أن ينصف كل الإنصاف لصاحب الكتاب الأول الإمام مالك وراويه وناقله الراشد البار الفقيه المجتهد والمحدث الواعي الإمام محمد . هذا عدا ما اتصف به من اتساع الأفق العلمي ورحابة الصدر وسلامة الفكر والذكاء النادر . يقول سميه العلامة عبد الحي بن فخر الدين الحسني ( م 1341 هـ ) في كتابه المشهور : " نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر " في ترجمة الإمام عبد الحي اللكنوي يحكي قوله :
    ( ومن منحه أنه جعلني سالكا بين الإفراط والتفريط لا تأتي مسألة معركة الآراء بين يدي إلا ألهمت الطريق الوسط فيها ولست ممن يختار التقليد البحت بحيث لا يترك قول الفقهاء وإن خالفته الأدلة الشرعية ولا ممن يطعن عليهم ويحقر الفقه بالكلية ) ( " نزهة الخواطر " 8 / 235 )
    وصاحب كتاب " نزهة الخواطر " قد أدرك الإمام عبد الحي اللكنوي وحضر مجالسه أكثر من مرة فشهادته له شهود عيان وانطباع معاصر خبير يقول : ( كان متبحرا في العلوم معقولا ومنقولا مطلعا على دقائق الشرع وغوامضه تبحر في العلوم وتحرى في نقل الأحكام وحرر المسائل وانفرد في الهند بعلم الفتوى فسارت بذكره الركبان بحيث إن كل علماء إقليم يشيرون إلى جلالته وله في الأصول والفروع قوة كاملة وقدرة شاملة وفضيلة تامة وإحاطة عامة ... والحاصل أنه كان من عجائب الزمن ومن محاسن الهند وكان الثناء عليه كلمة إجماع والاعتراف بفضله ليس فيه نزاع ) ( " نزهة الخواطر " : 8 / 234 - 235 )
    و " التعليق الممجد " للإمام عبد الحي اللكنوي يمثل ما وصف به من الجمع بين إتقان صناعة الحديث والاطلاع على مراجعه وبين المعرفة الدقيقة الواسعة بالمذاهب الفقيه ثم ما اتصف به من سعة الصدر من سعة العلم وإعطاء الحديث حقه من الإجلال والترجيح والفقه من التقدير والاهتمام والخروج من كل ذلك بكلام متزن مقتصد لا إفراط فيه ولا تفريط
    وقد اتفق لكاتب هذه السطور الاطلاع على هذا الكتاب أيام طلبه لعلم الحديث وأيام التدريس فأعجب بسلامة فكره ورحابة صدره
    وقد كان هذا الكتاب " التعليق الممجد " في حاجة إلى أن يتناوله أحد المتوفرين على دراسة الحديث الشريف وتدريسه بالعناية به تعليقا وتصحيحا ونشره بالحروف العربية الحديثة حتى تتيسر قراءته لمن اعتاد ذلك من العلماء في العام العربي فقد كان كتابه بالخط الفارسي مطبوعا كل مرة على الحجر غير واضح وغير شائق للمشتغلين بالحديث والفقه من العلماء الشباب والكهول والشيوخ في المشرق العربي
    وقد وفق لذلك أخونا العزيز فضيلة الشيخ الدكتور تقي الدين الندوي أستاذ الحديث بجامعة الإمارات العربية المتحدة وعني بتصحيح نسخ الكتاب والتعليق على مواضع كثيرة من الكتاب والرجوع إلى المصادر التي نقل منها المؤلف عند التردد ووضع الفهرس العام للكتاب وقام بذلك بعمل علمي جليل وإحياء مأثرة من مآثر عالم مخلص رباني خادم العلوم الدينية وناشرها في ربوع الهند ومؤلف كتب يبلغ عددها إلى مئة وعشرة ( 110 ) كتب منها 86 كتابا بالعربية فاستحق بذلك الأخ العزيز الفاضل شكر المقدرين لكتاب الموطأ والمشتغلين بعلم الحديث والفقه وثناء الجميع وتقديرهم تقبل الله عمله ونفع به الداني والقاصي
    أبو الحسن علي الحسني الندوي 15 من ذي الحجة الحرام سنة 1409 هـ
    دار العوم ندوة العلماء - الهند

    مقدمة المحقق [ د . تقي الدين الندوي أستاذ الحديث الشريف بجامعة الإمارات العربية المتحدة ]
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله وأصحابه أجمعين
    أما بعد فيسر المحقق ويسعده أن يقدم للقراء الكرام كتاب " التعليق الممجد على موطأ محمد " للإمام أبي الحسنات عبد الحي اللكنوي - رحمه الله تعالى رحمة واسعة - في الطبعة القشيبة المشرقة
    كتاب الموطأ من أشهر ما دون في النصف الأول من القرن الثاني هو تأليف إمام دار الهجرة - على صاحبها الصلاة والسلام - أبي عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي الحمريري القحطاني أحد أعلام الإسلام وأحد أعيان هذه الأمة وأحد أركان الملة وأحد من وضع له القبول في الأرض وأحد من سلمت له الأمة الإمامة في الحديث والفقه معا
    وكتاب الإمام أبي عبد الله البخاري " الجامع الصحيح المسند من أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم وسننه وأيامه " وإن كان أصبح أصح كتاب بعد كتاب الله العزيز عند جمهور العلماء لما له من مزايا في التزام أمور وشروط وآداب وعادات في تخريجه الحديث وانتقائه ما لم يشاركه فيه أحد من معاصريه ولا ممن سبقه مع ذلك فإن موطأ الإمام مالك أصبح قدوة وأسوة للبخاري ولمن جاء بعده فهو الذي انتهج هذا المنهج وسلك مسلك الانتقاء والاصطفاء وفتح هذا الباب من الجمع بين الحديث والفقه وآثار الصحابة وأقوال التابعين فللإمام مالك ولكتابه منة على رقاب الأمة جميعا
    وتهافت على روايته وسماعه عن المؤلف الإمام محدثون وأئمة فقهاء وعلماء وملوك كما لم يتفق لغيره من الكتب ذلك وقد أفرد له القاضي عياض بابا في المدارك ( " ترتيب المدارك " : 2 / 170 )
    واشتهر من رواته جماعة نسبت إليهم نسخ الموطأ : منهم الإمام محمد بن الحسن الشيباني الكوفي صاحب الإمام أبي حنيفة النعمان والإمام يحيى بن يحيى المصمودي الأندلسي ونسخة يحيى هي المعروفة بين أهل العلم قد شرحها جمع من المتقدمين والمتأخرين ومنهم شيخنا المحدث الكبير محمد زكريا الكاندهلوي المتوفى سنة 1982 بالمدينة المنورة على صاحبها الصلاة والسلام وأسمى شرحه " أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك " طبع في القاهرة في خمسة عشر مجلدا
    وقد قام باستيفاء من شرحه قديما وحديثا من أقدم عهد إلى عهده في الفائدة العاشرة من الفصل الثاني من مقدمة الكتاب
    وأما نسخة محمد بن الحسن الشيباني فلم يشرحها إلا الشيخ بيرى زاده والشيخ علي القاري ثم جاء بعدهما الإمام عبد الحي اللكنوي فقام بشرح الكتاب فكفى وشفى
    والكتاب كان بالخط الفارسي وطبع في الهند مرارا طباعة حجرية دقيقة بحيث لا تكاد تبدو للناظر وقد كان ذلك من أسباب زهد كثير من فضلاء العرب في الاستفادة منه وانصرافهم عنه وقد طال طلب إخواننا طبع هذا الكتاب على الحروف الجديدة وفي الحروف العربية وحدها كما ذكر الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في هامش " الرفع والتكميل " ( في ص 65 ) وقد طبع هذا الكتاب العظيم مرات كثيرة وكلها في الهند نسأل الله أن ييسر لنا طبعه في بلادنا فإن خلو مكتبة العالم منه لحرمان كبير
    وقد أمرني سماحة الأستاذ الكبير أبو الحسن علي الندوي بتحقيق هذا الكتاب العظيم وانتساخ هوامشه ووضعها في محلها فاشتغلت به متوكلا على الله تعالى
    إن هذا الشرح لموطأ مالك برواية الإمام محمد بن حسن الشيباني زينة الشروح وصاحبه كان آية من آيات الله في العلم والإخلاص والتقوى { واتقوا الله ويعلمكم الله } ( سورة البقرة : آية 282 )
    هذا ويرى القارئ في الكتاب مسلك مالك في السنن وروح أبي حنيفة في الاستنباط وعلم الشافعي في التأصيل والتفريع وورع أحمد في الاحتياط
    عملي في هذا الكتاب :
    - 1 - انتسخت هوامش الكتاب ووضعتها في محلها
    - 2 - صححت الكتاب وإذا وجدت فيه تحريفا أو تغايرا ذا بال نبهت إليه
    - 3 - علقت على مواضع كثيرة من الكتاب بما يستكمل مقاصده ويزيد فرائده وفوائده
    - 4 - وإذا ترددت في كلمة من الشرح رجعت إلى المصادر التي نقل منها المؤلف وتأكدت من صحتها
    - 5 - كان المؤلف عليه الرحمة والرضوان - كعادته في أكثر كتبه - قد علق في حواشي الكتاب تراجم لكثير ممن ذكرهم من العلماء وختمها بقوله : ( منه )
    فإني وضعت محله ( ش ) إيذانا بأنها من المؤلف الشارح
    - 6 - وضعت فهرسا عاما للكتاب
    وفي الختام أسأله تعالى أن يتقبل منا ومن جمع من ساهم في إخراج هذا الكتاب وأن يوفقنا لخدمة السنة المطهرة وعلومها وأن يحسن ختامنا ويرحم والدينا ومشايخنا وسائر المسلمين إنه ولينا ومولانا ونعم النصير
    د . تقي الدين الندوي أستاذ الحديث الشريف بجامعة الإمارات العربية المتحدة

    ترجمة " العلامة فخر الهند عبد الحي اللكنوي " ( من " نزهة الخواطر وبهجة
    المسامع والنواطر " للشيخ السيد عبد الحي الحسني ( م 1341 هـ ) : 8 / 234 )
    الشيخ العالم الكبير العلامة عبد الحي بن عبد الحليم بن أمين الله بن محمد أكبر أبي الرحم بن محمد يعقوب بن عبد العزيز بن محمد سعيد بن الشيخ الشهيد قطب الدين الأنصاري السهالوي اللكنوي : العالم الفاضل النحرير أفضل من بث العلوم فأروى كل ظمآن
    ولد في سنة أربع وستين ومئتين وألف ببلدة باندا وحفظ القرآن واشتغل بالعلم على والده وقرأ عليه الكتب الدرسية معقولا ومنقولا ثم قرأ بعض كتب الهيئة على خال أبيه المفتي نعمة الله بن نور الله اللكهنوي وفرغ من التحصيل في السابع عشر من سنه ولازم الدرس والإفادة ببلدة حيدر آباد مدة من الزمان وفقه الله سبحانه للحج والزيارة مرتين : مرة في سنة تسع وسبعين مع والده ومرة في سنة ثلاث وتسعين بعد وفاته وحصلت له الإجازة عن السيد أحمد بن زيني دحلان الشافعي والمفتي محمد بن عبد الله بن حميد الحنبلي بمكة المباركة وعن الشيخ محمد بن محمد الغربي الشافعي والشيخ عبد الغني بن أبي سعيد العمري الحنفي الدهولي بالمدينة المنورة ثم إنه أخذ الرخصة ( أي التقاعد من الوظيفة ) من الولاة بحيدر آباد وقنع بمئتين وخمسين ربية بدون شرط الخدمة وقدم بلدته لكهنوء فأقام بها مدة عمره ودرس وأفاد وصنف وذكر
    وإني حضرت بمجلسه غير مرة فألفيته صبيح الوجه أسود العينين نافذ اللحظ خفيف العارضين مسترسل الشعر ذكيا فطنا حاد الذهن عفيف النفس رقيق الجانب خطيبا مصقعا متبحرا في العلوم معقولا ومنقولا مطلعا على دقائق الشرع وغوامضه تبحر في العلوم وتحرى في نقل الأحكام وحرر المسائل وانفرد في الهند بعلم الفتوى فسارت بذكره الركبان بحيث إن علماء كل إقليم يشيرون إلى جلالته
    وله في الأصول والفروع قوة كامة وقدرة شاملة وفضيلة تامة وإحاطة عامة وفي حسن التعليم صناعة لا يقدر عليها غيره وكان إذا اجتمع بأهل العلم وجرت المباحثة في فن من فنون العلم لا يتكلم قط بل ينظر إليهم ساكتا فيرجعون إليه بعد ذلك فيتكلم بكلام يقبله الجميع ويقنع به كل سامع وكان هذا دأبه على مرور الأيام لا يعتريه الطيش والخفة في شيء كائنا ما كان
    الحاصل أنه كان من عجائب الزمن ومن محاسن الهند وكان الثناء عليه كلمة إجماع والاعتراف بفضله ليس فيه نزاع
    وكان على مذهب أبي حنيفة في الفروع والأصول ولكنه كان غير متعصب في المذهب يتتبع الدليل ويترك التقليد إذا وجد في مسألة نصا صريحا مخالفا للمذهب قال في كتابه " النافع الكبير " : ( ومن منحه - أي منح الله سبحانه - أني رزقت التوجه إلى فن الحديث وفقه الحديث ولا أعتمد على مسألة مالم يوجد أصلها من حديث أو آية وماكان خلاف الحديث الصحيح الصريح أتركه وأظن المجتهد فيه معذورا بل مأجورا ولكني لست ممن يشوش العوام الذين هم كالأنعام بل أكلم الناس على قدر عقولهم ... ) . انتهى . وقال بعيد ذلك : ( ومن منحه أنه جعلني سالكا بين الإفراط والتفريط لا تأتي مسألة معركة الآراء بين يدي إلا ألهمت الطريق الوسط فيها ولست ممن يختار التقليد البحت بحيث لا يترك قول الفقهاء وإن خالفته الأدلة الشرعية ولا ممن يطعن عليهم ويهجر الفقه بالكلية ) . انتهى
    وقال في " الفوائد البهية " في ترجمة عصام بن يوسف : ( ويعلم أيضا أن الحنفي لو ترك في مسألة مذهب إمامه بقوة دليل خلافا لا يخرج به عن ربقة التقليد بل هو عين التقليد في صورة ترك التقليد ألا تري أن " عصام بن يوسف " ترك مذهب أبي حنيفة في عدم الرفع ومع ذلك هو معدود في الحنفية ( قال الإمام ولي الله الدهلوي - رحمه الله تعالى - في كتابه " حجة الله البالغة " ( 1 / 126 ) : " قيل لعصام بن يوسف رحمه الله : إنك تكثر الخلاف لأبي حنيفة رحمه الله ؟ قال : لأن أبا حنيفة أوتي من الفهم ما لم نؤت فأدرك بفهمه ما لم ندرك ولا يسعنا أن نفتي بقوله ما لم نفهم " ) . ويؤيده ما حكاه أصحاب الفتاوى المعتمدة من أصحابنا من تقليد أبي يوسف يوما الشافعي في طهارة القلتين وإلى الله المشتكى من جهلة زماننا حيث يطعنون على من ترك تقليد إمامه في مسألة واحدة لقوة دليلها ويخرجونه عن مقلديه ولا عجب منهم فأنهم من العوام وإنما العجب ممن يتشبه بالعلماء ويمشي مشيهم كالأنعام ) . انتهى
    وكان مع تقدمه في علم الأثر وبصيرته في الفقه له بسطة كثيرة في علم النسب والأخبار وفنون الحكمة وكان ذا عناية تامة بالمناظرة ينبه كثيرا في مصنفاته على أغلاط العلماء ولذلك جرت بينه وبين العلامة عبد الحق بن فضل حق الخير آبادي مباحثات في تعليقات حاشية الشيخ غلام يحيى على " ميرزاهد رسالة " وكان الشيخ عبد الحق يأنف من مناظرته ويريد أن لا يذاع رده عليه
    وكذلك جرت بينه وبين السيد صديق حسن الحسني القنوجي فيما ضبط السيد في " إتحاف النبلاء " وغيره من وفيات الأعلام نقلا عن " كشف الظنون " وغيره وانجرت إلى ما تأباه الفطرة السليمة ومع ذلك لما توفي الشيخ عبد الحي المترجم له تأسف بموته تأسفا شديدا وما أكل الطعام في تلك الليلة وصلى عليه صلاة الغيبة نظرا إلى سعة إطلاعه في العلوم والمسائل
    وكذلك جرت بينه وبين العلامة محمد بشير السهسواني في مسألة شد الرحل لزيارة النبي صلى الله عليه و سلم
    ومن مصنفاته رحمه الله تعالى ... ( سرد المؤلف هنا مصنفات الإمام اللكنوي ويأتي ذكر أكثرها في ( ترجمته في هذه المقدمة بقلمه ) سوى أني زدت ما فات ذكرها في ترجمته :
    في فن الصرف : 1 - تكملة الميزان 2 - شرحها
    وفي فن المنطق والحكمة : 1 - الكلام الوهبي المتعلق بالقطبي 2 - حاشية على شرح تهذيب المنطق لعبد الله اليزدي
    وفي فن المناظرة : 1 - حاشية على شرح الشريفية المشتهر بالرشيدية
    وفي علم التاريخ : 1 - مقدمة السعاية 2 - ومقدمة عمدة الرعاية 3 - وإبراز الغي في شفاء العي 4 - وتذكرة الراشد برد تبصرة الناقد 5 - وطرب الأماثل بتراجم الأفاضل 6 - ورسالة في الرؤيا المنامية التي وقعت لي 7 - وفرحة المدرسين بذكر المؤلفات والمؤلفين
    وفي فن الفقه والحديث : 1 - القول الجازم في سقوط الحد بنكاح المحارم 2 - وتعليقه 3 - وردع الإخوان عما أحدثوه في آخر جمعة رمضان 4 - وعمدة الرعاية بحل شرح الوقاية 5 - وجمع المواعظ الحسنة لخطب شهور السنة 6 - والآيات البينات على وجود الأنبياء في الطبقات 7 - وجمع الغرر في الرد على نثر الدرر 8 - ونفع المفتي والسائل بجمع متفرقات المسائل 9 - والآثار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة 10 - وغيث الغمام على حواشي إمام الكلام 11 - ومجموعة الفتاوى ( ثلاثة مجلدات كبار ) 12 - وحاشية على شرح السيد الجرجاني للسراجية في الفرائض 13 - وحاشية على الهداية 14 - وظفر الأماني في شرح المختصر المنسوب للجرجاني في المصطلح 15 - والرفع والتكميل في الجرح والتعديل 16 - وتعليق على الجامع الصغير
    ومن مصنفاته التي لم تتم : منها 1 - خير العمل بذكر تراجم علماء فرنكي محل ( لم يتم ) 2 - والنصيب الأوفر في تراجم علماء المائة الثالثة عشر ( لم يتم )
    وقال سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه : " المسلمون في الهند " ( ص 40 ) : ويبلغ عدد مؤلفات علامة الهند فخر المتأخرين الشيخ عبد الحي اللكنوي ( 110 ) منها ( 86 ) كتابا بالعربية
    وكانت وفاته لليلة بقيت من ربيع الأول سنة أربع وثلاثمئة وألف . ودفن بمقبرة أسلافه وكنت حاضرا ذلك المشهد وكان ذلك اليوم من أنحس الأيام اجتمع الناس في المدفن من كل طائفة وفرقة أكثر من أن يحصروا وقد صلوا عليه ثلاث مرات )

    مقدمة الشارح
    الحمد لله الذي اصطفى من عباده رسلا وأنبياء وجعل أفضلهم وأكملهم خاتم الأنبياء فهدى بهم الأمم الطاغية والفرق الباغية أحمده حمدا كثيرا وأشكره شكرا جميلا على أن اختار لأفضل أنبيائه وزراء ونقباء وخلفاء وأبدالا ونجباء من اقتدى بأحدهم اهتدى ومن ترك سبيلهم ولم يتمسك بسننهم استحق الحفرة الحامية . أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله صاحب المعجزات الباهرة اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه وتبعه إلى يوم الآخرة
    وبعد فيقول عبده الراجي عفو ربه ( في الأصل : عفوه القوي والظاهر عفو ربه القوي ) القوي معدن السيئات ومخزن المخالفات المكنى بأبي الحسنات المدعو بعبد الحي اللكنوي ابن مولانا الحاج الحافظ محمد عبد الحليم أدخله الله دار النعيم : لا يخفى على أولي الألباب أن أفضل العلوم علم السنة والكتاب وأن أفضل الأعمال القيام بخدمتها ونشر أسرارهما وكثيرا ما كان يختلج في قلبي أن أشرح كتابا في الحديث وأكشف أسراره بالكشف الحثيث باعثا لرضا نبينا شفيع المذنبين ورضاه رضا رب العالمين عسى الله أن يجعلني ببركته من الصالحين ويحشرني في زمرة الحدثين مع الأنبياء والصديقين . إلا أن ضيق باعي قد كان يثبطني عن القيام في هذا المقام إلى أن أشار إلى ( في الأصل : " إليه " والظاهر " إلي " ) بعض من أمره حتم وإرشاده غنم أن أحشي موطأ الإمام مالك الذي قال الإمام الشافعي في حقه : ( ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك ) ( تزيين الممالك : ص 43 ) وأعلق عليه حاشية وافية وتعليقات كافية . فتذكرت ما رأيت في المنام في السنة الثامنة والثمانين والمائتين ( في الأصل : " والمائتين " ساقطة ) بعد الألف من الهجرة - على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم والتحية - كأني دخلت في المسجد النبوي بالمدينة الطيبة فإذا أنا بالإمام مالك جالسا فيه فحضرت عنده وصافحته وقلت له : كتابكم " الموطأ " لي فيه اختلاجات وشكوك أرجو أن أقرأه عليكم لتحل تلك الشكوك فقال فرحا ومسرورا : هات به واقرأه عندي فقمت من هناك لآتي به من بيتي فاستيقظت وحمدت الله على هذه الرؤيا الصالحة وشكرته . فكأن في هذه الرؤيا إشارة من الإمام مالك إلى توجهي إلى مؤطئه ( في الأصل " بموطئه " وهو تحريف والصواب : " إلى موطئه " ) والاشتغال بدرسه وتدريسه وشرحه
    فلما تذكرت هذا صممت عزمي بتعليق تعليق عليه وشددت مئزري لكتابة حاشية عليه وكان في بلادنا في أعصارنا من نسخه نسختان متداولتان : نسخة يحيى الأندلسي ونسخة محمد بن الحسن الشيباني من أجل تلامذة الإمام أبي حنيفة لا زال مغبوطا بالفضل الرحماني فاخترت لتعليق التعليق النسخة الثانية لوجهين :
    أحدهما : أن النسخة الأولى قد شرحها جمع من المتقدمين والمتأخرين ونسخة محمد لم يشرحها إلا الفاضلان الأكملان بيرى زاده وعلي القاري فيما بلغنا وأنا ثالثهما إن شاء ربنا فاحتياجها إلى التحشي والشرح أكثر ونفعه أكمل وأظهر
    وثانيهما : أن نسخة محمد مرجحة على موطأ يحيى لوجوه سيأتي ذكرها في المقدمة ونافعة غاية النفع لأصحابنا الحنفية خصهم بالألطاف الخفية
    فشرعت في كتابة تعليق عليه مسمى ( في الأصل : " مسميا " ) بـ " التعليق الممجد على موطأ الإمام محمد " وفي شهر شوال من السنة الحادية والتسعين حين إقامتي بحيدر أباد - الدكن صانه الله عن البدع والفتن وكتبت قريبا من النصف وبلغت إلى كتاب الحج ثم ببركته يسر الله لي سفر الحج وسافرت في شوال من السنة الثانية والتسعين إلى الحرمين الشريفين مرة ثانية رزقنا الله العودة إليهما مرة ثالثة ومرة بعد مرة إلى أن أتوفى في المدينة الشريفة ثم رجعت في الربيع الأول من السنة الثالثة والتسعين إلى الوطن - حفظ عن شرور الزمن - وابتليت مدة بالأمراض العديدة التي ابتليت بها في تلك الأماكن الشريفة إلى أن رزقني الله النجاة منها ببركة الأدعية والأذكار المأثورة لا بالأدوية المعمولة فاشتغلت بإتمامه مع زيادات لطيفة فيما أسلفته فجاء بفضل الله وعونه بحيث تنشرح به صدور الأفاضل وتنشط به آذان الأماثل وأرجو من إخوان الصفا وخلان الوفا أن يطالعوه بنظر الإنصاف لا بنظر الاعتساف ويصلحوا ما وقع فيه من الخطأ والخلل وما أبرئ نفسي من السهو والزلل فإن البراء من كل خطأ ليس من شأن البشر إنما هو شأن خالق القوى والقدر وأستغفر الله من زلة القدم وطغيان القلم مما علمت وما لم أعلم ورحم الله امرءا أصلح السهو والنسيان أو دعاني بخير الدنيا والآخرة بحضرة الملك المنان وقد جنحت في هذا التعليق إلى أمور يحسنها أرباب الشعور :
    أحدها : أني لم أبال بتكرار بعض المطالب المفيدة في المواضع المتفرقة ظنا مني أن الإعادة لا تخلو عن الإفادة مع أني كلما أعدت أمرا ذكرته لم أجعله خاليا عن أمر مفيد زدته
    وثانيها : أني التزمت بذكر مذاهب الأئمة المختلفة مع الإشارة إلى دلائلها بقدر الضرورة وترجيح بعض على بعض ولعمري إنها طريقة حسنة قل من يسلكها في زماننا وإلى الله المشتكى من عادات جهلاء بلادنا بل من صنيع كثير من فضلاء أعصارنا حيث يظن بعضهم أن المذهب الذي تمذهب به مرجح في جميع الفروع وأن كل مسألة منه بريئة عن الجروح وبعضهم يسعى في هدم بنيان المذاهب المشهورة وينطق بكلمات التحقير في حق الأئمة المتبوعة وأبرأ إلى الله من هؤلاء وهؤلاء ضل أحدهما بالتقليد الجامد وثانيهما بالظن الفاسد والوهم الكاسد يتنازعون فيما لا ينفعهم بل يضرهم ويبحثون في ما لا يعنيهم وينادي منادي كل منهما في حق آخرهما بالتكفير والتضليل والتفسيق والتجهيل ومع ذلك يحسبون أنهم يحسنون { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } ( سورة الشعراء : آية 227 ) { إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون } ( سورة الأنعام : آية 159 ) ولعلمي أن ( في الأصل : " هذه الاختلافات " بدون " أن " ) هذه الاختلافات الواقعة بين الأئمة في الفروع الفقهية المأخوذة من اختلافات الصحابة والروايات النبوية ليس فيها تفسيق ولا تضليل ومن نطق بذلك فهو أحق بالتضليل
    وثالثها : أني أسندت البلاغات والأحاديث المرسلة وشيدت الموقوفة بالمرفوعة
    ورابعها : أني أكثرت من ذكر مذاهب الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة المجتهدين والمعتبرين ليتنبه الهائم ويتيقظ النائم ويعلم أن اختلاف الأئمة رحمة وأن لكل منهم قدوة
    وخامسها : أني ذكرت تراجم الرواة وأحوالهم وما يتعلق بتوثيقهم وتضعيفهم من دون عصبية مذهبية وحمية جاهلية وربما تجد فيه تكرارا لا يخلو عن الإفادة فإن الإعادة لا يخلو عن ذكر اختلاف أو زيادة
    وسادسها : أني قد وجدت نسخ الموطأ مختلفة كثيرة الاختلاف فذكرت اختلافها وبينت الغير ( هكذا جاء في الأصل وهو استعمال خاطئ وغلط شائع لما جمع فيه من إدخال " أل " على " غير " مع الإضافة إلى ما فيه " أل " وصوابه أن يقال " غير الصحيح " ) الصحيح والصحيح منها من دون اعتساف
    وسابعها : أني نبهت على السهو والزلات التي صدرت من علي القاري في " شرحه " في شرح المقصود أو تنقيد الرواة خوفا من أن ينظره أحد ممن ليس له حظ في هذه الفنون فيقع في الخطأ وسيء الظنون لا تحقيرا لشأنه وكشفا لنسيانه فإني من بحار علمه مغترف وبفضله معترف والمتأخر وإن كان علمه أوسع وكلامه أنفع إلا أن الفضل للمتقدم والشرف للأقدم
    هذا وأسأل الله تعالى خاشعا متضرعا أن يتقبل مني هذا التأليف وسائر تأليفاتي ويجعلها خالصة لوجهه وذريعة لإقبال نبيه وسببا لنجاتي إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير وكان ذلك حين كنت مغبوطا بين الأقران والأماثل ومحسودا للأماجد والأفاضل بالمنن الفائضة علي والإنعامات الواصلة إلي من حضرة من هو قمر أقمار الوزارة نور حديقة الرئاسة سحاب ماطر الإنعام والإحسان بحر زاخر الإكرام والامتنان سدته الرفيعة ملجأ للأماجد والأفاضل وعتبته العلية محط الرجال ( في الأصل : " رجال " وهو تحريف . ) الأماثل يأتون إليه من كل مرمى سحيق ويستفيضون من بحر فضله العميق بأن ينشد في حقه ما أنشده التفتازاني في حق ملكه :
    أقامت في الرقاب له أيادي ... هي الأطواق والناس الحمام
    باسط بساط العدل والإنصاف هادم قصر الجور والاعتساف هو الذي ضرب به ( في الأصل : " ضربه " وهو تحريف ) المثل في حسن الانتظام والأفضال وذكر اسمه عند أرباب الإقبال آصف السلطنة النظامية وزير الدولة الآصفية : النواب مختار الملك سالار جنك تراب عليخان بهادر لا زالت أقمار دولته طالعة وشموس إقباله بازغة اللهم كما منحت على عبادك بفضله ولطفه فامنن عليه بعلو درجة في الدنيا والآخرة واحفظه بحفاظتك من بليات الدنيا والآخرة بحرمة نبيك سيد الأنبياء وآله رؤوس الأتقياء

    مقدمة : فيها فوائد مهمة

    [ الفائدة ] الأولى : في كيفية شيوع كتابة الأحاديث وبدء تدوين التصانيف وذكر اختلافها مقصدا وتنوعها مسلكا وبيان أقسامها وأطوارها
    - قال الحافظ ابن حجر العسقلاني ( إمام الحفاظ أحمد بن علي بن محمد العسقلاني المصري الشافعي المتوفى سنة 852 هـ وقد ذكرت ترجمته في التعلقيات السنية على الفوائد البهية في تراجم الحنفية ( ش ) ) : في " هدي الساري " ( 1 / 17 - 18 وفي الأصل : " الهدي الساري " وهو تحريف ) . مقدمة شرحه لصحيح البخاري المسمى بفتح الباري . أعلم - علمني الله وإياك - أن آثار النبي صلى الله عليه و سلم لم تكن في عصر النبي صلى الله عليه و سلم وعصر أصحابه وكبار تبعهم مدونة في الجوامع ولا مرتبة لوجهين : أحدهما : أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك كما ثبت في " صحيح مسلم " خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم والثاني : سعة حفظهم وسيلان ذهنهم ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار لما انتشر العلماء في الأمصار وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما فكانوا يصنفون كل باب على حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة في منتصف القرن الثاني فدونوا الأحكام فصنف الإمام مالك الموطأ وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بمكة وأبو عمرو عبد الرحمن الأوزاعي بالشام وأبو عبد الله سفيان الثوري بالكوفة وحماد بن سلمة بن دينار بالبصرة وهشيم بواسط ومعمر باليمن وابن المبارك بخراسان وجرير بن عبد الحميد بالري وكان هؤلاء في عصر واحد فلا يدرى أيهم سبق ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم الى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي صلى الله عليه و سلم خاصة وذلك على رأس المئتين فصنفوا المسانيد فصنف عبد الله بن موسى العبسي مسندا ثم صنف نعيم بن حامد الخزاعي نزيل مصر مسندا ثم اقتفى الأئمة أثرهم في ذلك فقل إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه في المسانيد كالإمام أحمد بن حنبل واسحاق ابن راهويه وعثمان ابن أبو شيبة وغيرهم ومنهم من صنف على الأبواب والمسانيد معا " كأبي شيبة فلما رأى البخاري هذة التصانيف ووجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين والكثير منها يشتمل على الضعيف فحرك همته لجمع الحديث الصحيح . انتهى كلامه ( ليس غرض الحافظ أن كتابة الحديث لم تبدأ إلا في أواخر عصر النابعين بل غرضه أن الكتابة بصورة الكتب والرسائل لم يشرع فيها إلى ذاك الوقت وإلا فمجرد الكتابة كان من زمن النبي صلى الله عليه و سلم وهناك روايات كثيرة صريحة في زمنه صلى الله عليه و سلم واستقر الأجماع على جوازها انظر : مقدمة " أوجز المسالك " . 1 / 13 ، 14 )
    وقال ابن الأثير الجزري ( هو مبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الجزري نسبة الى جزيرة ابن عمر بلدة الشافعي مؤلف " جامع الأصول " و " النهاية " في غريب الحديث وله أخ معروف بابن الأثير مؤلف " المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر " وهو أبو الفتح نصر الله المتوفي سنة 627 هجري وأخ آخر مؤلف " أسد الغابة في أخبار الصحابة " اسمة عز الدين علي المتوفي سنة 62 . هجري وكثيرا ما يشتبه أحدهم بالآخر وقد سقطت تراجمهم في التعليقات ( ش ) في مقدمة كتابه " جامع الأصول " ( 1 / 43 - 46 ) : والناس في تصانيفهم التي جمعوها مختلفو الأغراض فمنهم من قصر همته على تدوين الحديث مطلقا ليحفظ لفظه وليستنبط له الحكم كما فعله عبيد الله بن موسى العبسي وأبو داود الطيالسي وغيرهما من أئمة الحديث أولا وثانيا الإمام أحمد بن حنبل ومن بعده فإنهم أثبتوا الأحاديث في مسانيد رواتها فيذكرون مسند أبي بكر الصديق مثلا ويثبتون فيه كل ما روي عنه ثم يذكرون بعده الصحابة واحدا بعد واحد على هذا النسق ومنهم من يثبت الأحاديث في الأماكن التي هي دليل عليها فيضعون لكل حديث بابا يختص به فان كان في معنى الصلاة ذكروه ( في الأصل : فيه ذكروه ) في باب الصلاة وإن كان في معنى الزكاة ذكروه في باب الزكاة كما فعله مالك بن أنس في ( الموطأ ) إلا أنه لقلة ما فيه من الأحاديث قلت أبوابه ثم اقتدى به من بعده فلما انتهى الأمر إلى البخاري ومسلم وكثرت الأحاديث المودعة في كتابيهما كثرت أبوابهما وأقسامهما واقتدى بهما من جاء من بعدهما وهذا النوع أسهل مطلبا من الأول لوجهين :
    الأول : أن الإنسان قد يعرف المعنى الذي يطلب الحديث من أجله وإن لم يعرف راويه ولا في مسند من هو بل ربما لا يحتاج الى معرفة راويه
    والوجه الثاني : أن الحديث إذا ور

    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    رد: كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 12:29 pm

    وقال الحافظ بن حجر : كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما قلت : ما فيه من المراسيل فإنها مع كونها حجة عنده بلا شرط وعند من وافقه من الأئمة على الإحتجاج بالمرسل فهي أيضا حجة عندنا لأن المرسل عندنا حجة إذا اعتضد وما من مرسل في الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد فالصواب إطلاق أن الموطأ صحيح كله لا يستثنى منه شيء وقد صنف ابن عبد البر كتابا في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل قال : وجميع ما فيه من قوله : بلغني ومن قوله : عن الثقة عنده مما لم يسنده : أحد وستون حديثا كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربع لا تعرف : أحدها : حديث إني لأنسى أو أنسى لأسن ( وفي الأصل : " لا أنسى ولكن أنسى " وهو تحريف وأخرجه مالك في كتاب السهو : 1 / 100 ) والثاني أن النبي صلى الله عليه و سلم أري أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل الذي بلغ غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر والثالث : قول معاذ آخر ما أوصاني به رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد وضعت رجلي في الغرزان قال : حسن خلقك للناس والرابع : إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة . انتهى
    وفي " سير النبلاء " للذهبي ( هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان التركماني الدمشقي المتوفي سنة 748 هـ ( ش ) ) في ترجمة الشيخ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح الشهير بابن حزم الظاهري الأندلسي القرطبي ( سير أعلام النبلاء : 18 / 184 ) المتوفى في شعبان سنة 456 هـ ست وخمسين بعد أربعمائة بعد ما ذكر مناقبة ومعائبة : وإني أنا أميل إلى محبة أبي محمد لمحبته بالحديث الصحيح ومعرفة به وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل والمسائل البشعة في الأصول والفروع وأقطع بخطئه في غير مسألة ولكن لا أكفره ولا أضلله وأرجو له العفو والمسامحة وأخضع لفرط ذكائه وسعة علمه ورأيته ذكر قول من يقول : أجل المصنفات الموطأ فقال : بل أولى الكتب بالتعظيم صحيحا البخاري ومسلم وصحيح ابن السكن ومنتقى ابن الجارود والمنتقى لقاسم ابن أصبغ ثم بعدها كتاب أبي داود وكتاب النسائي ومصنف القاسم بن أصبغ ومصنف أبي جعفر الطحاوي قلت : ما ذكر سنن ابن ماجه ولا جامع أبي عيسى الترمزي فإنه ما رآهما ولا أدخلا إلى الأندلس إلا بعد موته قال : ومسند البزار ومسند ابن أبي شيبة ومسند أحمد بن حنبل ومسند إسحق ومسند الطيالسي ومسند الحسن بن سفيان ومسند ابن سنجر ومسند عبد الله بن محمد المسندي ومسند يعقوب بن شيبة ومسند علي بن المديني ومسند ابن أبي غرزة وما جرى مجرى هذه الكتب التي أفردت بكلام رسول الله صرفا ثم الكتب التي فيها كلامه وكلام غيره ثم مصنف عبد الرزاق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة ومصنف بقي بن مخلد وكتاب محمد بن نصر المروزي وكتاب ابن المنذر الأكبر والأصغر ثم مصنف حماد بن سلمة وموطأ مالك بن أنس وموطأ ابن أبي ذئب وموطأ ابن وهب ومصنف وكيع ومصنف محمد بن يوسف الفريابي ومصنف سعيد بن منصور ومسائل أحمد وفقه أبي عبيد وفقه أبي ثور قلت ما أنصف ابن حزم بل رتبة الموطأ أن يذكر تلو الصحيحين مع سنن أبي داود النسائي ( تدريب الراوي ص 54 ، والأجوبة الفاضلة ص 47 . عد الجمهور الموطأ في الطبقة الأولى من كتب الحديث منهم الإمام ولي الله الدهلوي وابنه العلامة عبد العزيز الدهلوي . مقدمة أوجز المسالك 1 / 32 ) لكنه تأدب وقدم المسندات النبوية الصرفة وإن للموطأ لوقعا في النفوس ومهابة في القلوب لا يوازيها شيء . انتهى كلام الذهبي ( سير أعلام النبلاء : 18 / 201 - 203 )

    الفائدة الرابعة : قد يتوهم التعارض بين ما مر نقله عن الشافعي أن أصح الكتب بعد كتاب الله الموطأ وقول جمهور المحدثين أن أصح الكتب كتاب البخاري ثم كتاب مسلم وأن أعلى الأحاديث من حيث الأصحية ما اتفقا عليه ثم ما انفرد به البخاري ثم ما انفرد به مسلم ثم ما كان على شرطهما ثم ما كان على شرط البخاري ثم ما كان على شرط مسلم ثم باقي الصحاح على حسب مراتبها ومنهم من فضل صحيح مسلم على صحيح البخاري فإن كان مراده من حيث الأصحية فهو غلط وأن كان من وجه آخر فهو أمر خارج عن البحث ولإبن الهمام في " فتح القدير " ( 3 / 186 ) حاشية الهداية كلام في هذا المقام لكنه مدفوع بعد دقة النظر عند الأعلام وتفصيل هذا البحث مذكور في شروح الألفية وشروح شرح النخبة ودراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب وجوابه على ما في " فتح المغيث شرح ألفية الحديث " للسخاوي ( هو شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي : نسبة إلى سخا قرية من أعمال مصر تلميذ الحافظ ابن حجر المتوفى سنة 902 هـ بالمدينة المنورة . ( ش ) ) و " تدريب الراوي شرح تقريب النواوي " للسيوطي وغيرهما أن قول الشافعي كان قبل وجود كتاب البخاري ومسلم ( فتح المغيث 1 / 27 ، وتدريب الراوي 1 / 91 ) . وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة " فتح الباري " ( ص 10 ) نقلا عن " مقدمة ابن الصلاح " : أما ما روينا عن الشافعي أنه قال : ما أعلم في الأرض كتابا في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك ومنهم من رواه بغير هذا اللفظ أصح من الموطأ فإنما قال ذلك قبل وجود كتابي البخاري ومسلم ثم أن كتاب البخاري أصح الكتابين وأكثرهما فوائد . انتهى . وقال أيضا : قد استشكل بعض الأئمة إطلاق تفضيل البخاري على كتاب مالك مع اشتراكهما في اشتراط الصحة والتثبت والمبالغة في التحري وكون البخاري أكثر حديثا لا يلزم منه أفضلية الصحة والجواب عن ذلك أن ذلك محمول على شرائط الصحة فمالك لا يرى الانقطاع في الإسناد قادحا فلذلك يخرج المراسيل والمنقطعات والبلاغات في أصل موضوع كتابه البخاري يرى أن الانقطاع علة فلا يخرج ما هذا سبيله إلا في غير أصل موضوع كتابه كالتعليقات والتراجم ولا شك أن المنقطع وإن كان عند قوم مما يحتج به فالمتصل أقوى منه إذا اشترك رواتهما في العدالة والحفظ فبان بذلك فضيلة صحيح البخاري واعلم أن الشافعي إنما أطلق على الموطأ فضيلة الصحة بالنسبة إلى الجوامع الموجودة في زمانه كجامع سفيان الثوري ومصنف حماد بن سلمة وغير ذلك وهو تفضيل مسلم لا نزاع فيه . انتهى

    الفائدة الخامسة : من فضائل الموطأ اشتماله كثيرا على الأسانيد التى حكم المحدثون عليها بالأصحية
    - وقد اختلف فيه فقيل : أصح الأسانيد ما رواه محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب وهذا مذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه صرح به ابن الصلاح وقيل : أصحها محمد بن سيرين عن عبيدة بن عمرو السلماني عن علي بن أبي طالب قاله علي بن المديني وعمرو ابن علي الفلاس . وقيل إبراهيم النخعي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قاله يحيى بن معين والنسائي . وقيل : الزهري عن زين العابدين علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب حكاه ابن الصلاح عن أبي بكر بن أبي شيبة والعراقي عن عبد الرازق وقيل مالك عن نافع عن ابن عمر وهذا قول البخاري وبه صدق العراقي كلامه وهو أمر تميل إليه النفوس وتنجذب إليه القلوب وبناء على هذا قال أبو منصور عبد القاهر التميمي البغدادي : إن أجل الأسانيد : الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر لأنه لم يكن في الرواه عن مالك أجل من الشافعي ( انظر مقدمة ابن الصلاح ص 86 ، طبع بتحقيق الدكتور عائشة عبد الرحمن على هامشها محاسن الاصطلاح ) . وبنى عليه بعضهم أن أجلها أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك عن نافع عن إبن عمر لكون أحمد أجل من أخذ عن الشافعي وتسمى هذه الترجمة سلسلة الذهب . وتعقب الحافظ مغلطاي أبا منصور التميمي في ذكره الشافعي برواية أبي حنيفة عن مالك إن نظرنا إلى الجلالة وابن وهب والقعنبي إن نظرنا إلى الإتقان وقال البلقيني في " محاسن الإصطلاح " ( ص 86 ) : أما أبو حنيفة فهو وإن روى عن مالك كما ذكره الدارقطني لكن لم تشتهر روايته عنه كاشتهار رواية الشافعي وقال العراقي : رواية أبي حنيفة عن مالك فيما ذكره الدارقطني في ( غرائبه ) ليست من روايته عن نافع ابن عمر والمسألة مفروضة في ذلك نعم ذكر الخطيب حديثا كذلك في روايته عن مالك وقال الحافظ ابن حجر : أما اعتراضه بأبي حنيفة فلا يحسن لأن أبا حنيفة لم يثبت روايته عن مالكك وإنما أوردها الدارقطني ثم الخطيب لروايتين وقعتا لهما عنه بإسنادين فيهما مقال وأيضا فإن رواية أبي حنيفة عن مالك إنما هي فيما ذكره في المذاكرة ولم يقصد الرواية عنه كالشافعي الذي لازمه مدة طويلة وقرأ عليه الموطأ بنفسه . وأما اعتراضه بابن وهب والقعنبي ( ينسب إلى جده قعنب - بفتح القاف وسكون العين وفتح النون - وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة أحد رواة الموطأ عن مالك توفي بالبصرة سنة 221 هـ ) فلا شك أن الشافعي أعلم منهما وقال غير واحد : إن ابن وهب غير جيد التحمل فيحتاج إلى صحة النقل عن أهل الحديث أنه كان أتقن الرواية عن مالك نعم كان كثير اللزوم به . انتهى ملخصا . وقيل : أصح الأسانيد شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب يعني عن شيوخه وقيل : عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ذكره الخطيب عن ابن معين وقيل يحيى بن أبي كثير بن أبي سلمة عن أبي هريرة قاله سليمان بن داود الشاذكوني وقيل : أيوب عن نافع عن ابن عمر رواه خلف بن هشام البزار عن أحمد وقيل : شعبة عن عمرو بن مرة عن مرة عن أبي موسى الأشعري نقله الخطيب عن وكيع وقيل : سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قاله ابن مبارك والعجلي . هذا ما في " تدريب السيوطي " ( انظر تدريب الراوي ص 74 - 77 ) و " شرح شرح نخبة الفكر " لملا أكرم السندي ( ص 50 - 51 ) . وفي المقام تفصيل ليس هذا موضع ذكره

    الفائدة السادسة : قال السيوطي : في " تنوير الحوالك " ( ص 1 / 10 - 12 ) : الرواة عن مالك فيهم كثرة جدا بحيث لا يعرف لأحد من الأئمة رواة كرواته وقد أفرد الحافظ أبو بكر الخطيب كتابا في الرواة عن مالك أورد فيه ألف رجل إلا سبعة وذكر القاضي عياض أنه ألف في رواته كتابا وذكر فيه نيفا على ألف اسم وثلاثمائة وأما الذين رووا عنه الموطأ فعقد لهم القاضي في المدارك بابا وسمى منهم غير الأربعة المشهورين - وسيأتي ذكرهم - الشافعي ومطرف بن عبد الله وعبد الله بن عبد الحكم وبكار بن عبد الله الزبيري ويحيى بن يحيى النيسابوري وزياد بن عبد الله الأندلسي وسبطون ( هكذا في الأصل والصحيح شبطون بشين معجمة موحدة وطاء مهملة : شرح الزرقاني 1 / 6 ) بن عبد الله الأندلسي ومحمد بن شروس الصنعاني وأبا قرة السكسكي وأبا ( في الأصل : " أبو فلان " وهو تحريف ) فلان السهمي البغدادي وأحمد بن منصور النامزاني وقتيبة بن سعيد وعتيق بن يعقوب الزبيري وأسد بن الفرات القروي وإسحق بن عيسى الطباع وبديرة المغني البغدادي وحفص بن عبد السلام الأندلسي وأخاه حسان وحبيب بن أبي حبيب وخلف بن جرير بن فضالة وخالد بن نزارة الإيلي والغازي بن قيس الأندلسي وقرعوس بن العباس الأندلسي ومحرز المدني وسعيد ابن عبد الحكم الأندلسي وسعيد بن أبي هند الأندلسي وسعيد بن عبدوس الأندلسي وعبد الأعلى بن مسهر الدمشقي وعبد الرحيم بن خالد المصري وإسماعيل بن أبي أويس وأخاه أبا بكر وعلي بن زياد التونسي وعباس بن ناصح الأندلسي وعيسى بن شجرة التونسي وأيوب بن صالح المدني وعبد الرحمن بن هند الطليطلي ( في الأصل : " الطيطلي " وهو تحريف ) وعبد الرحمن بن عبد الله الأندلسي وعبيد بن حبان الدمشقي وسعيد بن داود المدني قال القاضي : فهؤلاء الذين حققنا أنهم رووا عنه الموطأ ونص على ذلك أصحاب الأثر والمتكلمون في الرجال وقد ذكروا أيضا أن محمد بن عبد الله الأنصاري البصري أخذ الموطأ عنه كتابة وإسماعيل بن إسحق أخذه مناولة وأما القاضي أبو يوسف صاحب أبي حنيفة فرواه عن رجل عنه وذكروا أن هارون الرشيد وبنيه الأمين والمأمون والمؤتمن أخذوا عنه الموطأ وقد ذكر عن المهدي والهادي أنهما سمعا منه ورويا عنه ولا مرية في أن رواة الموطأ أكثر من هؤلاء ولكن إنما ذكرنا منهم من بلغنا نصا سماعه منه وأخذه له عنه أو من اتصل إسنادنا له فيه منه والذي اشتهر من نسخ الموطأ عنه مما رويته أو وقفت عليه أو كان في رواية شيوخنا أو نقل منه أصحاب اختلافات الموطآت نحو عشرين نسخة وذكر بعضهم أنها ثلاثون وقد رأيت الموطأ برواية محمد بن حميد بن عبد الرحيم بن سروس الصنعاني عن مالك وهو غريب ولم يقع لأصحاب اختلاف الموطآت . هذا كله كلام القاضي ( تنوير الحوالك : ص 9 ) . وذكر الخطيب ممن روى عن مالك الموطأ : إسحاق بن موسى الموصلي مولى بني مخزوم . وقال الخليلي في الإرشاد وقال أحمد بن حنبل كنت سمعت الموطأ من بضعة عشر رجلا من حفاظ أصحاب مالك فأعدته على الشافعي لأني وجدته ( في الأصل وجدت والظاهر وجدته ) أقومهم وقال أبو بكر بن خزيمة : سمعت نصر بن مرزوق يقول : سمعت يحيى بن معين يقول : وسألته عن رواة الموطأ فقال أثبت الناس في الموطأ عبد الله بن مسلمة القعنبي وعبد الله بن يوسف التنيسي بعده قال الحافظ : وهكذا أطلق المديني والنسائي وقال أبو حاتم أثبت أصحاب مالك وأوثقهم معن بن عيسى . وقال بعض الفضلاء : اختار أحمد في " مسنده " رواية عبد الرحمن بن مهدي والبخاري رواية عبد الله بن يوسف التنيسي ومسلم رواية يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري وأبو داوود رواية القعنبي والنسائي رواية قتيبة بن سعيد . قلت : يحيى المذكور ليس هو صاحب الرواية المشهورة وهو يحيى بن يحيى بن بكير بن عبد الرحمن النيسابوري أبو زكريا مات سنة ستة وعشرين ومائتين في صفر وأما يحيى صاحب الرواية المشهورة فهو يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس أبو محمد الليثي الأندلسي مات في رجب سنة أربع وثلاثين ومئتين . انتهى ملخصا

    الفائدة السابعة : [ نسخ الموطأ ]
    - قد أورد بعض أعيان دهلي ( هو الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي المتوفي 1239 هجري . في الاصل : " الدهلي " وهو تحريف ) في كتابه " بستان المحدثين " المؤلف باللسان الفارسي في ذكر حال الموطأ وترجمة مؤلفه واختلاف نسخه تفصيلا حسنا . وخلاصة ما ذكره فيه معربا أن نسخ الموطأ التي توجد في ديار العرب في هذه الأيام متعددة
    النسخة الأولى : المروجة في بلادنا المفهومة من الموطأ عند الإطلاق في عصرنا هي نسخة يحيى بن يحيى المصمودي ( انظر ترجمته في الإنتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء ص 58 60 ، وشذرات الذهب 2 / 83 ) هو أبو محمد يحيى بن يحيى بن كثير بن وسلاس بفتح الواو وسكون السين المهملة ابن شملل بفتح الشين المعجمة والللام الأولى بينهما ميم ابن منقايا بفتح الميم وسكون النون المصمودي بالفتح نسبة إلى مصمودة قبيلة من بربر وأول من أسلم من أجداده منقايا على يد يزيد بن عامر الليثي وأول من سكن الأندلس منهم جده كثير وأخذ يحيى الموطأ أولا من زياد بن عبد الرحمن بن زياد اللخمي المعروف بالشبطون وكان زياد أول من أدخل مذهب مالك في الأندلس ورحل إلى مالك للإستفادة مرتين ورجع إلى وطنه واشتغل بإفادة علوم الحديث وطلب منه أمير قرطبة قبول قضاء قرطبة فامتنع وكان متورعا زاهدا مشارا إليه في عصره وفاته في السنة التي مات فيها الإمام الشافعي وهي سنة أربع ومائتين وارتحل يحيى إلى المدينة فسمع الموطأ من مالك بلا واسطة إلا ثلاثة أبواب من كتاب الإعتكاف : باب خروج المعتكف إلى العيد وباب قضاء الاعتكاف وباب النكاح في الاعتكاف وكانت ملاقاته وسماعه في السنة التي مات فيها مالك يعني سنة تسع وسبعين بعد المائة وكان حاضرا في تجهيزه وتكفينه وأخذ الموطأ أيضا من أجل تلامذة مالك عبد الله بن وهب وأدرك كثيرا من أصحابه وأخذ العلم عنهم ووقعت له رحلتان من وطنه ففي الأولى أخذ عن مالك وعبد الله بن وهب وليث بن سعد المصري وسفيان بن عيينة ونافع بن نعيم القاري وغيرهم وفي الثانية أخذ العلم والفقه عن ابن القاسم صاحب المدونة من أعيان تلامذة مالك وبعدما صار جامعا بين الرواية والدراية عاد إلى أوطانه وأقام بالأندلس يدرس ويفتي على مذهب مالك وبه وبعيسى بن دينار تلميذ مالك انتشر مذهبه في بلاد المغرب وكانت وفاة يحيى في سنة أربعة وثلاثين بعد المائتين وأول نسخته بعد البسملة " وقوت الصلاة " مالك ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يوما فدخل عليه عروة بن الزبير فأخبره أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوما وهو بالكوفة فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري فقال : ما هذا يا مغيرة ؟ أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى معه رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم صلى ... الحديث
    النسخة الثانية : نسخة ابن وهب ( أنظر ترجمته في : ترتيب المدارك 2 / 421 ، تهذيب التهذيب 6 / 73 ، الديباج المذهب 133 ، طبقات الحفاظ ص 126 ) : أولها : أخبرنا مالك عن أبي الزناد وعن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ... الحديث وهذا الحديث من متفردات ابن وهب ولا يوجد في الموطآت الأخر إلا موطأ ابن القاسم . وهو أبو محمد عبد الله بن سلمة الفهري المصري ولد في ذي القعدة سنة خمس وعشرين بعد مائة وأخذ عن أربع مائة شيخ منهم مالك وليث بن سعد ومحمد بن عبد الرحمن والسفيانان وابن جريج وغيرهم وكان مجتهدا لا يقلد أحدا وكان تعلم طريق الاجتهاد والتفقه من مالك وليث وكان في عصره كثير الرواية للحديث وذكر الذهبي وغيره أنه وجد في تصانيفه مائة ألف حديث وعشرون ألف من رواياته ومع هذا لا يوجد في أحاديثه منكر فضلا عن ساقط وموضوع ومن تصانيفه كتاب مشهور بجامع ابن وهب وكتاب المناسك وكتاب المغازي وكتاب تفسير الموطأ وكتاب القدر وغير ذلك وكان صنف كتاب أهوال القيامة فقرئ عليه يوما فغلب عليه الخوف حتى عرض له الغشي وتوفي في تلك الحالة يوم خامس شعبان سنة سبع وتسعين بعد مائة
    النسخة الثالثة : نسخة ابن القاسم ومن متفرداتها : مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " قال الله : من عمل عملا أشرك فيه معي غيري فهو له كله أنا أغنى الشركاء " . قال أبو عمر بن عبد البر : هذا الحديث لا يوجد إلا في موطأ ابن القاسم وابن عفير
    وهو أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد المصري ( انظر ترجمته في : وفيات الاعيان 1 / 276 ، الديباج المذهب 146 ، حسن المحاضرة 1 / 303 ، تذكرة الحفاظ 1 / 356 ، طبقات السيوطي 148 . ) ولد سنة اثنتين وثلاثين بعد مائة أخذ العلم عن كثير من الشيوخ منهم مالك وكان زاهدا فقيها متورعا كان يختم القرآن كل يوم ختمتين وهو أول من دون مذهب مالك في " المدونة " وعليها اعتمد فقهاء مذهبه وكانت وفاته في مصر سنة إحدى وتسعين بعد مائة
    النسخة الرابعة : معن بن عيسى ومن متفرداتها : مالك عن سالم أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي من الليل فإذا فرغ من صلاته فإن كنت يقظانة تحدث معي وإلا اضطجع حتى يأتيه المؤذن
    وهو أبو يحيى معن ( له ترجمة في : الانتقاء لابن عبد البر ص 61 ، تهذيب التهذيب 10 / 252 ، والديباج 347 ) بالفتح ابن عيسى بن دينار المدني القزاز يعني بائع القز الأشجعي مولاهم من كبار أصحاب مالك ومحققيهم ملازما له ويقال له : عصا مالك لأن مالك كان يتكئ عليه حين خروجه من المسجد بعدما كبر وأسن وتوفي بالمدينة سنة ثمانية وتسعين ومائة في شوال
    النسخة الخامسة : نسخة القعنبي ومن متفرداتها : أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبده ورسوله
    وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن قعنب الحارثي القعنبي ( له ترجمة في : تذكرة الحفاظ 1 / 383 ، والديباج المذهب 131 ، والعبر 1 / 382 ) بفتح القاف وسكون العين نسبة إلى جده . كان أصله من المدينة وسكن البصرة ومات بمكة في شوال سنة إحدى وعشرون بعد المائتين وكانت ولادته بعد ثلاثين ومائة وأخذ عن مالك والليث وحماد وشعبة وغيرهم قال ابن معين : ما رأينا من يحدث لله إلا وكيعا والقعنبي له فضائل جمة وكان مجاب الدعوات وعد من الأبدال
    النسحة السادسة : نسخة عبد الله بن يوسف ( له ترجمة في : تهذيب التهذيب 6 / 88 ، تقريب التهذيب 1 / 463 ) الدمشقي الأصل التنيسي المسكن إلى تنيس بكسر التاء المثناة الفوقية وكسر النون الممشددة بعدها ياء مثناة تحتية آخره سين مهملة بلدة من بلاد المغرب وذكر السمعاني أنها من ( في الأصل : " من بلاد " وهو خطأ ) بلاد مصر . وثقه البخاري وأبو حاتم وأكثر عنه البخاري في كتبه ومن متفرداتها إلا بالنسبة إلى موطأ ابن وهب : مالك عن ابن شهاب عن حبيب مولى عروة عن عروة : أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم : أي الأعمال أفضل ؟ قال : إيمان بالله ... الحديث
    النسخة السابعة : نسخة يحيى بن يحيى بن بكير أبو زكريا المعروف بابن بكير المصري ( له ترجمة في : تذكرة الحفاظ 2 / 420 ، حسن المحاضرة 1 / 437 ، شذرات الذهب 2 / 71 ) أخذ عن مالك والليث وغيرهما وروى عنه البخاري ومسلم بواسطة في صحيحيهما ووثقه جماعة ومن لم يوثقه لم يقف على مناقبه مات في صفر سنة إحدى وثلاثين بعد المائتين . ومن متفرداتها : مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه ليورثنه " . قلت : هذا الحديث موجود في موطأ محمد أيضا برواية مالك عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن حزم عن عمرة عن عائشة كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى ( رقم الحديث 935 )
    النسخة الثامنة : نسخة سعيد بن عفير ( له ترجمة في : تذكرة الحفاظ 2 / 427 ، وتهذيب النهذيب 4 / 74 ، وميزان الاعتدال 2 / 155 ) وهو سعيد بن كثير بن عفير بن مسلم الأنصاري أخذ عن مالك والليث وغيرهما وروى عنه البخاري وغيره ولد سنة ست وأربعين بعد مائة توفي في رمضان سنة ست وعشرين بعد المائتين . ومن متفرداتها : مالك عن ابن شهاب عن إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس عن جده أنه قال : يا رسول الله لقد خشيت أن أكون قد هلكت قال : لم ؟ قال : نهانا الله أن نحمد بما لم نفعل وأجدني أحب أن نحمد ... الحديث . قلت : هذا موجود في موطأ محمد أيضا
    النسخة التاسعة : نسخة أبو مصعب الزهري ( له ترجمة في : شذرات الذهب 2 / 100 ، والانتقاء ص 62 ، وترتيب المدارك 3 / 347 ) أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري من شيوخ أهل المدينة وقضاتها ولد سنة خمسين مائة ولازم مالكا وتفقه وأخرج عنه أصحاب الكتب الستة إلا أن النسائي روى عنه بواسطة توفي في رمضان سنة اثنتين وأربعين بعد المائتين وقالوا موطأه آخر الموطآت التي عرضت على مالك ويوجد في موطئه وموطأ أبو حذافة السهمي نحو مائة حديث زائدا على الموطأت الأخر ومن متفرداتها : مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن الرقاب أيها أفضل ؟ قال : أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها . وقال ابن عبد البر : هذا الحديث موجود في موطأ يحيى أيضا
    النسخة العاشرة : نسخة مصعب بن عبد الله الزبيري ( له ترجمة في : ترتيب المدارك 3 / 170 - 172 ، توفي سنة 236 هـ وطبقات ابن سعد 5 / 439 ) قال بعضهم من متفرداتها : مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لأصحاب الحجر : " لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين الإ أن تكونوا باكين ... " الحديث وقال ابن عبد البر : هذا موجود في موطأ يحيى بن بكير وسليمان أيضا قلت : وفي موطأ محمد أيضا
    النسخة الحادية عشر : نسخة محمد بن مبارك الصوري ( له ترجمة في : تهذيب التهذيب 9 / 424 ، تقريب التهذيب 1 / 204 )
    النسخة الثانية عشرة : نسخة سليمان بن برد ( له ترجمة في : ترتيب المدارك 2 / 460 )
    النسخة الثالثة عشرة : نسخة أبي حذافة السهمي أحمد بن إسماعيل ( تهذيب التهذيب 1 / 16 ، وميزان الاعتدال 1 / 83 ) آخر أصحاب مالك موتا كانت وفاته ببغداد سنة تسع وخمسين بعد المائتين يوم عيد الفطر لكنه لم يكن معتبرا في الرواية ضعفه الدارقطني وغيره
    النسخة الرابعة عشرة : نسخة سويد بن سعيد أبي محمد الهروي ( تهذيب التهذيب 4 / 272 ) روى عنه مسلم وابن ماجه وغيرهما وكان من الحفاظ المعتبرين مات سنة أربعين بعد المائتين ومن مفرداتها : مالك عن هشام عن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " إن الله لا يقبض العلم إنتزاعا . . " الحديث
    النسخة الخامسة عشر : نسخة محمد بن حسن الشيباني تلميذ الإمام أبي حنيفة ومن مفرداته على ما سيأتي ذكره حديث " إنما الأعمال بالنية " . هذا خلاصة ما في " البستان " مع زيادات عليه . وقد ذكر في " البستان " أيضا
    النسخة السادسة عشر : وهي نسخة يحيى بن يحيى التميمي وقال إن آخر أبوابه باب ما جاء في أسماء النبي صلى الله عليه و سلم وقال فيه مالك عن ابن الشهاب عن محمد بن جببير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : لي خمسة أسماء : أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب
    وهو يحيى بن يحيى بن بكير بن عبد الرحمن التميمي الحنظلي النيسابوري المتوفي سنة اثنتين وعشرين بعد المائتين ( قال الحافظ في تهذيب التهذيب 11 / 296 : مات في آخر صفر سنة ست وعشرين بعد المائتين . وله ترجمة في المدارك 2 / 408 ، والديباج 349 ، والانتقاء ص 13 ، وتذكرة الحفاظ 2 / 415 . قال السيوطي في " االتنوير " : ويحيى بن يحيى هذا ليس هو صاحب الرواية المشهورة الآن . مقدمة " أوجز المسالك " 1 / 39 ) روى عنه البخاري ومسلم وغيرهما . قلت : هذا هو آخر ( أي آخر أبواب نسخة المصمودي أيضا ) نسخة المصمودي الأندلسي المتعارفة في ديارنا وشرح عليها الزرقاني وغيره كما لا يخفى على من طالعه . وقد ذكر السيوطي في " تنوير الحوالك " ( 1 / 10 ) أربعة عشر نسخة حيث قال في مقدمة " تنوير الحوالك " : قال الحافظ صلاح الدين العلائي : روى الموطأ عن مالك جماعات كثيرة وبين رواياتهم اختلاف في تقديم وتأخير وزيادة ونقص وأكثرها زيادة رواية القعنبي ومن أكبرها وأكثرها زيادة رواية أبي مصعب فقد قال ابن حزم : في موطأ أبي مصعب زيادة عن سائر الموطآت نحو مائة حديث وقال الغافقي في " مسند الموطأ " أي أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد الفقيه المالكي المتوفي سنة إحدى وثمانين بعد ثلاث مائة ( تزين الممالك ص 48 ، الديباج المذهب ص 148 ) : اشتمل كتابنا هذا على ستة مائة حديث وستة وستين حديثا وهو الذي انتهى إلينا من مسند موطأ مالك وذلك أني نظرت الموطأ من ثنتي عشرة رواية رويت عن مالك وهي رواية عبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم وعبد الله بن مسلمة القعبني وعبد الله بن يوسف التنيسي ومعن بن عيسى وسعيد بن عفير ويحيى بن عبد الله بن بكير وأبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري ومصعب عبد الله الزبيري ومحمد بن المبارك الصوري وسليمان بن برد ويحيى بن يحيى الأندلسي فأخذت الأكثر من رواياتهم فذكرت اختلافهم في الحديث والألفاظ وما أرسله بعضهم أو أوقفه وأسنده غيرهم وما كان من المرسل اللاحق بالمسند وعدة رجال مالك الذين روى عنهم في هذا المسند خمسة وتسعون وعدة من روي له فيه من رجال الصحابة خمسة وثمانون رجلا ومن نسائهم ثلاث وعشرون إمرأ ة ومن التابعين ثماني وأربعون رجلا كلهم من أهل المدينة إلا ستة رجال : أبو الزبير من أهل مكة وحميد الطويل وأيوب السختياني من أهل البصرة وعطاء بن عبد الله من أهل خراسان وعبد الكريم من أهل الجزيرة وإبراهيم بن أبي عبلة من أهل الشام . هذا كله كلام الغافقي
    قلت : وقد وقفت على الموطأ من روايتين أخريين سوى ما ذكره الغافقي أحدهما : رواية سويد بن سعيد والأخرى برواية محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وفيها أحاديث يسيرة زائدة على سائر الموطآت منها حديث " إنما الأعمال بالنية " وبذلك تبين صحة قول ما عزا روايتة إلى الموطأ ووهم من خطأه في ذلك وقد بنيت في " الشرح الكبير " على هذه الروايات الأربعة عشر . انتهى كلام السيوطي
    قال الزرقاني في مقدمة شرحه ( 1 / 6 ) بعد نقل قوله : وفيها أحاديث يسيرة ... إلخ : مراده الرد على قول " فتح الباري " : هذا الحديث متفق على صحته أخرجه الأئمة المشهورون إلا صاحب الموطأ ( في الأصل : " إلا الموطأ " وهو خطأ ) ووهم من زعم أنه في الموطأ مغترا بتخريج الشيخين له والنسائي بطريق مالك . انتهى . وقال في " منتهى الأعمال " : لم يهم فإنه وإن لم يكن في الروايات الشهيرة فإنه في رواية محمد بن الحسن أورده في آخر " كتاب النوارد " قبل آخر الكتاب بثلاث ورقات وتاريخ النسخة التي وقفت عليها مكتوبة في صفر سنة أربع وخمسين وخمسمائة وفيها أحاديث يسيرة زائدة عن الروايات المشهورة وهي خالية من عدة أحاديث ثابتة في سائر الروايات . وانتهى كلام الزرقاني
    وفي " كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون " ( لمصطفى بن القسطنطيني عبد الله الشهير بملا كاتب الجلبي المتوفي سنة 1067 هجري . ( ش ) ) : قال أبو القاسم محمد بن حسين الشافعي ( كشف الظنون 2 / 1908 ) : الموطآت المعروفة عن مالك إحدى عشر معناها متقارب والمستعمل منها أربعة : موطأ يحيى بن يحيى وابن بكير وأبي مصعب الزهري وابن وهب ثم ضعف الإستعمال إلا في موطأ يحيى ثم في موطأ ابن بكير . وفي تقديم الأبواب وتأخيرها اختلاف في النسخ وأكثر ما يوجد فيها ترتيب الباجي وهو أن يعقب الصلاة بالجنائز ثم الزكاة ثم الصيام ثم اتفقت النسخ إلى الحج ثم اختلفت بعد ذلك وقد روى أبو نعيم في " حلية الأولياء " عن مالك أنه قال : شاورني هارون الرشيد في أن يعلق الموطأ على الكعبة ويحمل الناس على ما فيه فقلت : لا تفعل فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان وكل مصيب فقال : وفقك الله يا أبا عبد الله . وروى ابن سعد في " الطبقات " عن مالك أنه لما حج المنصور قال لي : عزمت على أن آمر بكتبك هذة التي وضعتها فتنسخ ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدوا إلى غيرها فقلت لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم الأقاويل وسمعوا أحاديث ورووا روايات وأخذ كل قوم بما سبق إليهم ودانوا به فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم . كذا في عقود الجمان . انتهى

    الفائدة الثامنة : [ عدد أحاديثه ]
    - قال الأبهري أبو بكر : جملة ما في الموطأ من الآثار عن النبي صلى الله عليه و سلم وعن الصحابة والتابعين ألف وسبعمائة وعشرون حديثا المسند منها ستمائة حديث والمرسل مائتان واثنان وعشرون والموقوف ستمائة وثلاثة عشر ومن قول التابعين مائتان وخمسة وثمانون . وقال ابن حزم في كتاب " مراتب الديانة " أحصيت ما في موطأ مالك فوجدت من المسند خمسمائة ونيفا وفيه ثلاث مائة ونيف مرسلا وفيه نيف وسبعون حديثا قد ترك مالك نفسه العمل بها وفيه أحاديث ضعيفة وهاها جمهور العلماء . كذا أورده السيوطي ( تنوير الحوالك 1 / 8 )
    قلت : مراده بالضعف الضعف اليسير كما يعلم مما قد مر وليس فيه حديث ساقط ولا موضوع كما لا يخفى على الماهر

    الفائدة التاسعة : في ذكر من علق على موطأ الإمام مالك
    - لا يخفى أنه لم يزل هذا الكتاب مطرحا لأنظار النبلاء ومعركة لآراء الفضلاء فكم من شارح له ومحش وكم من ملخص له ومنتخب
    - فمنهم أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد بكسر السين البطليوسي المالكي نزيل بلنسية ذكره أبو نصر الفتح بن محمد بن عبد الله بن خاقان - المتوفى سنه خمس وثلاثين وخمسمائة على ما في " روضة المناظر في أخبار الأوائل والأواخر " لمحمد بن الشحنة الحلبي - في كتابه " قلائد العقيان " ( ص 221 ) . وبالغ في وصفه بعبارات رائقة كما هو دأبه في ذلك الكتاب وذكر له كثيرا من النظم والنثر يدل على جودة طبعه وقوة بلاغته وقال السيوطي أحد شراح الموطأ - وسيأتي ذكره - في " بغية الوعاة في طبقات النحاة " في ترجمته : كان عالما باللغات والآداب متبحرا فيهما انتصب لإقراء علم النحو وله يد طولى في العلوم القديمة وكان لابن الحجاج صاحب قرطبة ثلاثة من الأولاد من أجمل الناس صورة رحمون وعزون وحسون فأولع بهم وقال فيهم :
    أخفيت سقمي حتى كاد يخفيني ... وهمت في حب عزون فعـــزوني
    ثم ارحموني برحمون فإن ظمئت ... نفسي إلى ريق حسون فحسوني
    ثم خاف على نفسه فخرج من قرطبة صنف : 1 - شرح أدب الكاتب 2 - شرح الموطأ 3 - شرح سقط الزند 4 - شرح ديوان المتنبي 5 - إصلاح الخلل الواقع في الجمل 6 - الخلل في شرح أبيات الجمل 7 - المثلث 8 - المسائل المنثورة في النحو 9 - كتاب سبب اختلاف الفقهاء ولد سنة أربع وأربعين وأربعمائة ومات في رجب سنة إحدى عشرة وخمسمائة . ومن شعره :
    أخو العلم حي خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم
    وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى ... يظن من الأحياء وهو عديم
    انتهى ملخصا
    ونسبته إلى بطليوس : بفتح الباء الموحدة والطاء المهملة وسكون اللام وضم الياء المثناة التحتية بعدها واو بعدها سين مهملة : مدينة بالأندلس وهو بفتح الألف وسكون النون وفتح الدال المهملة وضم اللام آخره سين مهملة إقليم بلاد المغرب مشتمل على بلاد كثيرة كذلك ذكره أبو سعد السمعاني ( هو أبو سعد عبد الكريم بن محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار المتوفي سنة 563 هجري ( ش ) ) في كتاب " الأنساب " ( 2 / 241 ، 242 ) والسيوطي في " لب اللباب في تحرير الأنساب " ( 1 / 160 ) . وذكر السيوطي في مقدمة شرحه " تنوير الحوالك " نقلا عن القاضي عياض أن اسم شرح البطليوسي " المقتبس " . وقال : هو في حواشيه على تفسير البيضاوي المسماة بنواهد الأبكار وشواهد الأفكار في تفسير سورة البقرة : قد رأيت في " تذكرة الإمام تاج الدين " مكتوبا بخطه : قال الإمام أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي في كتاب " المقتبس شرح موطأ مالك بن أنس " : قد اختلف الناس في معنى قوله عليه الصلاة و السلام : " اشتكت النار إلى ربها " فجعله قوم حقيقة وقالوا : إن الله قادر على أن ينطق كل شيء إذا شاء وحملوا جميع ما ورد من نحوه في القرآن والحديث على ظاهره وهو الحق والصواب وذهب قوم إلى أن هذا كله مجاز وما تقدم هو الحق من حمل الشيء على ظاهره حتى يقوم دليل على خلافه هذا لفظه بحروفه مع أن البطليوسي المذكور كان من الأئمة المتبحرين في المعقولات والعلوم الفلسفية والتدقيقات وهؤلاء هم الذين يقولون بالتأويل وإخراج الأحاديث عن ظواهرها ويرون أن ذلك من التحقيق والتدقيق انتهى كلامه

    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    رد: كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 12:31 pm

    - ومنهم : ابن رشيق القيرواني المالكي المتوفي سنة 456 هجري ذكره صاحب " كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون " وهو العلامة البليغ الشاعر أبو علي حسن بن رشيق على وزن كريم صاحب " العمدة في صناعة الشعر " و " الأنموذج في شعراء القيروان " و " والشذوذ في اللغة " قال ياقوت : كان شاعرا نحويا لغويا أديبا حاذقا كثير التصنيف حسن التأليف تأدب على محمد بن جعفر القيرواني النحوي ولد سنة تسعين وثلاث مائة ومات بالقيروان سنة ست وخمسين وأربع مائة . كذا في بغية الوعاة ( 2 / 109 ) . وذكره أبو عبد الله الذهبي في " سير النبلاء " ( 18 / 325 ) وقال علمه أبوه صناعة الشعر فرحل إلى قيروان ومدح ملكها فلما أخذته العرب واستباحوه دخل إلى صقلية وسكن مازرا ( من مدن صقلية " معجم البلدان " 5 / 40 ) إلى أن مات سنة ثلاث وستين وأربعمائة ويقال : في ذي القعدة سنة ست وخمسين ( وقد صحح ابن خلكان القول الأول أما الثاني فقد قاله ياقوت في " معجمه " 8 / 111 ، وذكر أنه مات بالقيروان وتابعه على ذلك السيوطي في " بغية الوعاة " 2 / 109 ، وقال القفطي في " أنباه الرواة " 1 / 303 ، مات بمأزر في حدود سنة خمسين وأربعمائة ) . انتهى
    ونسبته إلى القيروان قال السمعاني ( 5 / 130 ) : بفتح القاف وسكون الياء المنقوطة باثنتين من تحت وفتح الراء المهملة والواو في آخرها النون بلدة في المغرب عند إفريقية
    - ومنهم : أبو مروان عبد الملك بن حبيب بن سليمان القرطبي نسبة إلى قرطبة : بضم القاف والطاء المهملة بينهما راء مهملة ساكنة مدينة بالأندلس المالكي ( له ترجمة في : الديباج المذهب 154 ، ومرآة الجنان 2 / 122 ، وطبقات السيوطي 237 )
    قال السيوطي في " البغية " ( 2 / 109 ) ذكره الزبيدي في الطبقة الثانية من نحاة اندلس وقال في " البلغة " : إمام في النحو واللغة والفقه والحديث وقال ابن الفرضي : كان نحويا شاعرا حافظا للأخبار والأنساب متصرفا في فنون العلم حافظا للفقه ولم يكن له في الحديث ملكة ولا يعرف صحيحه من سقيمه صنف " الواضحة " و " إعراب القرآن " و " غريب الحديث " و " تفسير الموطأ " و " طبقات الفقهاء " وغير ذلك مات سنة ثمان وقيل سنة تسع وثلاثين ومائتين عن أربع وستين سنة . انتهى
    - ومنهم : الحافظ ابن عبد البر قد طالعت شرحه " الاستذكار " وهو نفيس جدا يستحسنه الأخيار مبسوط كاف مع اختصاره وبسيط واف مغن عن غيره وقد بسط في ترجمته شيخ الإسلام الذهبي في " سير النبلاء " و " تذكرة الحفاظ " وغيرهما وغيره في غيره ولم يزل من جاء بعده من المحدثين يقرون بفضله ويستمدون من تصانيفه . قال في " سير النبلاء " ( سير أعلام النبلاء 18 / 153 ) : الإمام العلامة حافظ المغرب شيخ الإسلام أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري الأندلسي القرطبي المالكي صاحب التصانيف الفائقة مولده سنة ثمان وستين وثلاث مائة في الربيع الآخر وقيل : في جمادى الأولى وطلب العلم بعد سنة 390 هـ وأدرك الكبار وطال عمره وعلا سنده وتكاثر عليه الطلبة وجمع وصنف ووثق وضعف وسارت بتصانيفه الركبان وخضع لعلمه علماء الزمان وكان فقيها عابدا متهجدا إماما دينا ثقة متقنا علامة متبحرا صاحب سنة واتباع وكان أولا أثريا ظاهرا فيما قيل ثم تحول مالكيا مع ميل بين إلى فقه الشافعي في مسائل ولا ينكر له ذلك فإنه ممن بلغ رتبة الأئمة المجتهدين ومن نظر في مصنفاته بان له منزلته من سعة العلم وقوة الفهم وسيلان الذهن . وقال الحميدي : فقيه حافظ مكثر عالم بالقراآت والخلاف وبعلوم الحديث والرجال . وقال أبو علي الغساني : لم يكن أحد ببلدنا في الحديث مثل قاسم بن محمد وأحمد بن خالد ولم يكن ابن عبد البر بدونهما وكان من النمر بن قاسط طلب وتقدم ولزم أبا عمر أحمد بن عبد الملك الفقيه وأبا الوليد بن الفرضي ودأب في الحديث وبرع براعة فاق بها من تقدم من رجال الأندلس وكان مع تقدمه في علم الأثر وبصره بالفقه والمعاني له بسطة كثيرة في علم النسب والأخبار جلا عن وطنه فكان في المغرب مدة ثم تحول إلى شرق الأندلس فسكن دانية وبلنسية وشاطبية ( كذا في الأصل : وفي " سير أعلام النبلاء " : " شاطبية " قال ياقوت : هي مدينة في شرقي الأندلس وشرقي قرطبة وهي مدينة كبيرة قديمة يجوز أن يقال إن اشتقاقها من الشطبة وهي السعفة الخضراء الرطبة " ) وبها توفي ( انظر " الصلة " 2 / 678 ، و " وفيات الأعيان " 7 / 66 - 66 ) . وقال أبو داود المقرئ : مات ليلة الجمعة سلخ الربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمائة . قال أبو علي الغساني ألف أبو عمر في " الموطأ " كتبا مفيدة منها : كتاب " التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد " فرتبه على أسماء شيوخ مالك على حروف المعجم وهو كتاب لم يتقدمه أحد إلى مثله وهو سبعون جزء . قلت : هي أجزاء ضخمة جدا قال ابن حزم : لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله فكيف أحسن منه . ثم صنع كتاب " الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والأثار " هو مختصر التمهيد شرح فيه الموطأ على وجهه وجمع كتابا جليلا مفيدا وهو " الاستيعاب في أسماء الصحابة " وله " كتاب جامع في بيان فضائل العلم وما ينبغي في حمله وروايته " إلى غير ذلك وكان موفقا في التأليف معانا عليه ونفع الله بتواليفه . وله كتاب " الكافي " في مذهب مالك خمسة عشر مجلدا ( قد طبع في جزأين باسم " كتاب الكافي في فقه أهل المدينة المالكي " في مكتبة الرياض ) وكتاب " الاكتفاء في قراءة نافع وأبي عمرو " وكتاب " التقصي في اختصار الموطأ " وكتاب " الإنباه عن قبائل الرواة " وكتاب " الانتقاء لمذاهب علماء مالك وأبي حنيفة والشافعي " وكتاب " البيان في تلاوة القرآن " وكتاب " الكنى " وكتاب " المغازي " وكتاب " القصد والأمم في نسب العرب والعجم " وكتاب " الشواهد في إثبات خبر الواحد " وكتاب " الإنصاف في أسماء الله " وكتاب " الفرائض " وكتاب " أشعار أبو العتاهية " . انتهى ملتقطا
    وذكره السمعاني في " الأنساب " ( 10 / 98 ) في نسبة القرطبي وقال : هو بضم القاف وسكون الراء وضم الطاء المهملة في آخره الباء هذة النسبة إلى قرطبة وهي بلدة كبيرة من بلاد المغرب بالأندلس وهي دار ملك السلطان . انتهى
    - ومنهم : أبو الوليد الباجي سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب التجيبي ( نسبة إلى تجيب بالضم وكسر الجيم قبيلة من كندة قاله في " لب اللباب " ( ش ) ) الأندلسي القرطبي الباجي الذهبي المالكي أصله من مدينة بطليوس فتحول جده إلى باجة ( وهي من أقدم مدن الأندلس وتقع اليوم في البرتغال على بعد 140 كم إلى الجنوب الشرقي من لشبونة ) بليدة بقرب إشبيلية فنسب إليها وما هو من باجة المدينة التي بإفريقية التي ينسب إليها الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي الباجي وابنه أحمد . ولد أبو الوليد سنة ثلاث وأربعمائة وأخذ عن جماعة وارتحل سنة ست وعشرين فحج ولو مد الرحلة إلى أصفهان والعراق لأدرك إسنادا عاليا ولكنه جاور بمكة ثلاثة أعوام ملازما للحافظ أبي ذر الهروي فأكثر عنه ثم ارتحل إلى دمشق وأخذ عن جماعة وتفقه بالقاضي أبي الطيب والقاضي أبي عبد الله الصيمري وذهب إلى الموصل فأقام بها على القاضي جعفر السمناني المتكلم فبرز في الحديث والفقه والكلام والأصول والأدب فرجع إلى الأندلس بعد ثلاث عشرة بعلم غزير حصله مع الفقر والتقنع اليسير حدث عنه أبو عمر بن عبد البر وأبو بكر الخطيب وغيرهما وتفقه به أئمة واشتهر اسمه وصنف كتاب " المنتقى " في الفقه وشرح الموطأ فجاء في عشرين مجلدا عديم النظير وكتابا كبيرا سماه " الاستيفاء " وله كتاب " الإيماء " في الفقه خمس مجلدات وكتاب " السراج " في الفقه ولم يتم وكتاب " اختلاف الموطآت " وكتاب " الجرح والتعديل " وكتاب " التسديد إلى معرفة التوحيد " وكتاب " الإشارة " في أصول الفقه وكتاب " أحكام الفصول في إحكام الأصول " وكتاب " الحدود " وكتاب " سنن الصالحين وسنن العابدين " وكتاب " سبل المهتدين " وكتاب " فرق الفقهاء " وكتاب " سنن المنهاج وترتيب الحجاج " وغير ذلك . وقد ولي قضاء الأندلس وهنئت الدنيا به وعظم جاهه وكان يستعمله الأعيان في ترسيلهم ويقبل جوائزهم وحصل له مال وافر إلى أن توفي في المرية تاسع عشر رجب سنة أربع وسبعين وأربعمائة وقال الإمام أبو نصر : أما الباجي ذو الوزارتين فقيه متكلم أديب شاعر درس الكلام وصنف وكان جليل القدر رفيع الخطر . هذا خلاصة ما في " سير النبلاء " ومن شاء الاطلاع على أزيد منه فليرجع إليه ( سير أعلام النبلاء 18 / 535 )
    - ومنهم : القاضي أبو بكر بن العربي المالكي ( له ترجمة في سير أعلام النبلاء 20 / 197 ) سمى شرحه " القبس في شرح موطأ مالك بن أنس " . قال إبن خلكان ( المتوفي سنة 681 هجري على مافي كشف الظنون وترجمته مع وجه شهرته بابن خلكان مبسوطة في تعليقاتي على " الفوائد البهية في تراجم الحنفية " المسماة بالتعليقات السنية . ( ش ) ) أبو العباس أحمد في تاريخه المسمى بـ " وفيات الأعيان في أنباء أبناء الزمان " مترجما له : أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد المعروف بابن العربي المعافري الأندلسي الإشبيلي الحافظ المشهور ذكره ابن بشكوال في كتاب الصلة ( 2 / 591 ) فقال : هو الحافظ المتبحر ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحفاظها لقيته بمدينة إشبيلية ضحوة يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة ست عشرة وخمسمائة فأخبرني أنه رحل مع أبيه إلى المشرق يوم الأحد مستهل الربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة وأنه دخل الشام ولقي بها أبا بكر محمد بن الوليد الطرطوشي وتفقه عنده ودخل بغداد وسمع بها جماعة من أعيان مشايخها ثم دخل الحجاز فحج في موسم سنة 489 هـ ثم عاد إلى بغداد وصحب بها أبا بكر الشاشي وأبا حامد الغزالي ولقي بمصر والإسكندرية جماعة من المحدثين فكتب عنهم ثم عاد إلى الأندلس سنة 493 هـ وقدم إلى إشبيليا بعلم كثير لم يدخل أحد قبله بمثله ممن كانت له رحلة بالمشرق وكان من أهل التفنن في العلوم والجمع لها مقدما في المعارف متكلما في أنواعها ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها ويجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق مع حسن المعاشرة ولين الكنف واستقضي ببلده فنفع الله به أهله ثم صرف عن القضاء وأقبل على نشر العلم وبثه وسألته عن مولده فقال : ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربعمائة وتوفي بالعدوة ودفن بمدينة فاس في الربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة . انتهى كلام ابن بشكوال قلت أنا : وهذا الحافظ له مصنفات منها " عارضة الأحوذي في شرح جامع الترمذي " ( طبع بمصر في ( 13 ) مجلدا سنة 1931 م وطبع في الهند سنة 1299 هـ ضمن مجموعة فيها أربعة شروح على جامع " الترمذي " . انظر " معجم المطبوعات " ( 1977 ) وغيره والعارضة : القدرة على الكلام والأحوذي : الخفيف في الشيء لحذقه . انتهى كلام ابن خلكان بتلخيصه ( وفيات الأعيان 4 / 296 ، 297 ) . ونسبته إلى إشبيلية بكسر الهمزة وسكون الشين المعجمة وكسر الباء الموحدة بلدة من أمهات بلاد الأندلس . والمعافري : نسبة إلى معافر بفتح الأول وكسر الرابع بطن من قحطان . كذا في " الأنساب " . ( 2 / 19 ، 20 )
    فائدة : رأيت في بعض شروح " مناسك النووي " أن ابن عربي اشتهر به اثنان : أحدهما : القاضي أبو بكر هذا وثانيهما : صاحب الولاية العظمى والرواية الكبرى محيي الدين بن عربي مؤلف " الفتوحات المكية " و " فصوص الحكم " وغيرهما من التصانيف الجليلة ويفرق بينهما بأنه يقال للقاضي ابن العربي بالألف واللام وللشيخ الأكبر ابن عربي بغيره ( مقدمة أوجز المسالك 1 / 48 )
    - ومنهم : الخطابي مؤلف " معالم السنن " شرح سنن أبي داود وغيره ذكره صاحب كشف الظنون ممن انتخب الموطأ ولخصه وهو بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة نسبة إلى الجد فإنه حمد بن محمد بن إبراهيم البستي بالضم نسبة إلى بست بلدة من بلاد كابل بين هراة وغزنة أبو سليمان الخطابي الشافعي وهو إمام فاضل كبير الشأن جليل القدر له " شرح صحيح البخاري " و " شرح سنن أبي داود " وكتاب " غريب الحديث " وغيرها سمع أبا سعيد بن الأعرابي بمكة وأبا بكر بن داسة بالبصرة وإسمعيل بن محمد الصفار ببغداد وغيرهم وروى عنه الحاكم أبو عبد الله الحافظ وأبو الحسين عبد الغافر الفارسي وجماعة كثيرة وذكره الحاكم أبو في " تاريخ نيسابور " وتوفي سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة . كذا في " أنساب " السمعاني ( 5 / 175 ، 159 . وله ترجمة في وفيات الأعيان 2 / 214 ، ومعجم المؤلفين 1 / 450 )
    وفي " تاريخ ابن خلكان " ( 2 / 214 ) : كان فقيها محدثا أديبا له التصانيف المفيدة منها : " غريب الحديث " ( طبع الكتاب في جامعة أم القرى - مكة - سنة 1402 هـ بتحقيق عبد الكريم إبراهيم العزباوي ) و " معالم السنن في شرح سنن أبي داود " ( طبع الكتاب في حلب 1920 - 1934 ، وطبع في القاهرة بتحقيق أحمد محمد شاكر وحامد الفقي ) و " أعلام السنن في شرح صحيح البخاري " وكتاب " الشجاج " ( وقع في وفيات الأعيان 2 / 214 ، ( الشحاح ) بالحاء المهملة في الحرفين ) وكتاب " شأن الدعاء " ( طبع الكتاب في دار المأمون للتراث دمشق سنة 1404 هـ 1984 م ) وكتاب " إصلاح غلط المحدثين " ( طبع الكتاب في دمشق بتحقيق الدكتور محمد علي عبد الكريم الرديني سنة 1987 م ) وغير ذلك وكانت وفاته في الربيع الأول سنة 388 هـ بمدينة بست والخطابي نسبة إلى جده وقيل : إنه من ذرية عمر بن الخطاب وقد سمع في اسمه أحمد أيضا بالهمزة والصحيح الأول قال الحاكم : سألت أبا القاسم المظفر بن طاهر بن محمد البستي الفقيه عن اسم أبي سليمان أحمد أو حمد فقال : قال : اسمي الذي سمـت به حمد ولكن الناس كتبوا أحمد فتركته عليه . انتهى ملخصا
    وقد ذكر السيوطي في " تنوير الحوالك " نقلا عن القاضي عياض جمعا كثيرا ممن اعتنى بالموطأ شرحا أو تلخيصا أو غير ذلك ممن ذكرناه ومن لم نذكره حيث قال : قال القاضي عياض في " المدارك " : لم يعتن بكتاب من كتب الحديث والعلم اعتناء الناس بالموطأ فممن شرحه ابن عبد البر في " التمهيد " و " الاستذكار " وأبو الوليد بن الصفار وسماه " الموعب " والقاضي محمد بن سليمان بن خليفة وأبو بكر بن سابق الصقلي وسماه " المسالك " وابن أبي صفرة والقاضي أبو عبد الله بن الحاج وأبو الوليد بن الفؤاد وأبو محمد السيد البطليوسي النحوي وسماه " المقتبس " وأبو القاسم بن أمجد الكاتب وأبو الحسن الإشبيلي وابن شراحيل وابن عمر الطلمنكي والقاضي أبو بكر بن العربي وسماه " القبس " وعاصم النحوي ويحيى بن مزين وسماه " المستقصية " ومحمد بن أبي زمنين وسماه " المقرب " وأبو الوليد الباجي وله ثلاثة شروح : " المنتقى " و " الإيماء " و الاستيفاء " وممن ألف في شرح غريبه : البرقي وأحمد بن عمران الأخفش وأبو القاسم العثماني المصري وممن ألف في رجاله : القاضي أبو عبد الله بن الحذاء وأبو عبد الله بن مفرح والبرقي وأبو عمر الطلمنكي وألف " مسند الموطأ " قاسم بن أصبغ وأبو القاسم الجوهري وأبو الحسن القابسي في كتابه " الملخص " وأبو ذر الهروي وأبو الحسن علي بن حبيب السجلماسي والمطرز وأحمد بن بهزاد الفارسي والقاضي ابن مفرج وابن الأعرابي وأبو بكر أحمد بن سعيد بن فرضخ الأخميمي وألف القاضي إسماعيل " شواهد الموطأ " وألف أبو الحسن الدارقطني كتاب " اختلاف الموطآت " وكذا القاضي أبو الوليد الباجي وألف " مسند الموطأ " رواية القعنبي : أبو عمرو الطليطلي وإبراهيم بن نصر السرقسطي ولابن جوصا " جمع الموطأ " من رواية ابن وهب وابن القاسم ولأبي الحسن بن أبي طالب كتاب " موطأ الموطأ " ولأبي بكر بن ثابت الخطيب كتاب " أطراف الموطأ " ولابن عبد البر " التقصي في مسند حديث الموطأ ومرسله " ولأبي عبد الله بن عيشون الطليطلي " توجيه الموطأ " ولحازم بن محمد بن حازم " السافر عن آثار الموطأ " ولأبي محمد بن يربوع كتاب في الكلام على أسانيده سماه " تاج الحلية وسراج البغبة " . انتهى كلام القاضي ( 2 / 80 ) والسيوطي ( ص 12 )
    وذكر صاحب " كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون " من شراح الموطأ زين الدين عمر بن الشماع الحلي . ولإبراهيم بن محمد الأسلمي المتوفى سنة 784 هـ موطأ أضعاف موطأ مالك ولخص موطأ مالك أبو الحسن علي بن محمد بن خلف القابسي وهو المشهور بملخص الموطأ مشتمل على خمسمائة وعشرين حديثا متصل الإسناد واقتصر على رواية عبد الرحمن بن القاسم المصري من رواية أبي سعيد سحنون بن سعيد عنه . انتهى ملخصا
    ومن المعتنين بالموطأ الجلال السيوطي الشافعي فإنه أفرد لرجاله كتابا سماه " إسعاف المبطأ برجال الموطأ " وقد طالعته واستفدت منه وصنف شرحا كبيرا سماه " كشف المغطا " وشرحا آخر مختصرا منه سماه " تنوير الحوالك " وقد طالعته قال فيه : هذا تعليق لطيف على موطأ الإمام مالك على نمط ما علقته على صحيح البخاري المسمى " بالتوشيح " وما علقته على صحيح مسلم المسمى بالديباج وأوسع منهما قليلا لخصته من شرحي الأكبر الذي جمع فأوعى وعمد إلى الجفلى حين دعا وقد سميت هذا التعليق " تنوير الحوالك على موطأ مالك " . انتهى
    وهو خاتمة الحفاظ عبد الرحمن جلال الدين السيوطي ( انظر : حسن المحاضرة 1 / 335 - 344 . وله ترجمة في : شذرات الذهب 8 / 51 - 55 ، البدر الطالع 1 / 328 - 335 ، معجم المؤلفين 5 / 128 ) بضم الأولين وقد يقال : الأسيوطي بضم الهمزة وسكون السين المهملة نسبة إلى بلدة أسيوط من البلاد المصرية ابن كمال الدين أبي بكر بن محمد بن سابق الدين بن الفخر عثمان بن ناظر الدين محمج بن يوسف الدين خضر بن نجم الدين أبي الصلاح أيوب بن ناصر الدين محمد ابن الشيخ همام الدين الهمام الخضيري كذا ساق نسبة هو في كتابه " حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة " وترجم لنفسه ترجمة طويلة وذكر فيها ( قد ذكر بعض الفضلاء المعاصرين في رسالته " الجنة بالأسوة الحسنة بالسنة " وغيره أنه من تلامذة ابن حجر العسقلاني وتعقبته في منهيات " النافع الكبير " أن وفاة ابن حجر سنة 852 هـ وولادة السيوطي سنة 849 هـ فأنى يصح له التلمذة ؟ ثم أصر على ما كتبه في رسالة أظنها " هدية السائل إلى أجوبة المسائل " وكتب في منهيته : هكذا ذكره الشوكاني فقط . وهو أمر ليس بدافع للتعقب فإن التواريخ تكذب الشوكاني ثم ذكر في رسالة أخرى نحوه وكتب في منهيته عبارة لعلي القاري في " المرقاة شرح المشكاة " دالة على أن السيوطي روى عن الحافظ وهو أيضا لم يشف العليل فإن مثل هذا الإيراد وارد عليه أيضا ولو اكتفى على النقل عن الشوكاني أو القاري أولا لسلم من الإيراد فإن الناقل من حيث إنه ناقل لا يرد عليه شيء والقول الفيصل أن السيوطي ليس له تلامذة ولا إجازة خاصة من الحافظ بل لم يكن له قابلية لذلك عند وفاة الحافظ لكنه أحضره والده مرة مجلس الحافظ وهو ابن ثلاث سنين كما ذكره في " النور السافر " ولعل الحافظ في ذلك المجلس أجاز إجازة عامة لمن فيه فدخل السيوطي فيها ويشهد لما ذكرنا أن السيوطي ترجم نفسه في " حسن المحاضرة " وذكر أساتذته ومراتبه ولم يذكر تلمذة من الحافظ مع أنه فخر عظيم أي فخر ( ش ) ) أن ولادته كانت ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمان مائة وحفظ القرآن وله دون ثمان سنين وشرع في الاشتغال بالعلم من سنة 864 هـ فأخذ الفقه والنحو عن جماعة من الشيوخ والفرائض عن فرضي زمانه شهاب الدين الشارمساحي ولازم في الفقه شيخ الإسلام علم الدين البلقيني إلى أن مات ثم لازم ولده وبعد وفاته سنة 878 هـ لازم شرف الدين المناوي ولزم في الحديث والعربية التقي الشمني الحنفي شارح " مختصر الوقاية " وأخذ عن محيي الدين الكافيجي الحنفي جميعا من الفنون ولازمه أربع عشرة سنة وذكر أن له إلى الآن ثلاث مائة تأليف سوى ما غسلت عنه ورجعت عنه ثم ذكر تصانيفه في التفسير كالإتقان والدر المنثور وحاشية تفسير البيضاوي وغيرها . وفي الحديث تعليقات الصحاح الستة وغيرها وفي الفقه كثيرا من الرسائل المشتتة في المسائل المتفرقة وفي فن العربية والتاريخ والأدب وجملة ما ذكرها فيه : في التفسير خمسة وعشرون تأليفا وفي الحديث ومتعلقاته تسع وثمانون وفي الفقه ومتعلقاته أربع وستون وفي فن العربية ومتعلقاته اثنان وثلاثون وفي الأصول والبيان والتصوف اثنان أو ثلاث وعشرون وفي الأدب والتاريخ سبع وأربعون تصنيفا . وقد طالعت كثيرا من هذه التصانيف وغيرها وكلها مشتملة على فوائد لطيفة وفرائد شريفة وله تصانيف كثيرة لم يذكرها ههنا حتى إنه ذكر بنفسه في بعض رسائله أن مصنفاته بلغت خمسمائة . وتآليفه كلها تشهد بتبحره وسعة نظره ودقة فكره وأنه حقيق بأن يعد من مجددي الملة المحمدية في بدء المائة العاشرة وآخر التاسعة كما ادعاه بنفسه في " شرح سنن أبي داود " وغيره وشهد بكونه حقيقا به من جاء بعده كعلي القاري المكي في " المرقاة شرح المشكاة " وغيره
    وقال عبد القادر العيدروس ( هو ابن عبد الله بن عبد الله أبو بكر اليمني الحضرموتي الهندي المتوفى بأحمد آباد سنة 1130 هـ ) في " النور السافر في أخبار القرن العاشر " ( ص 51 - 54 . انظر ترجمته في : الضوء اللامع 4 / 65 - 70 ، شذرات الذهب 8 / 51 - 55 ، البدر الطالع 1 / 328 - 335 ، حسن المحاضرة 1 / 188 - 195 ) : في يوم الجمعة سنة إحدى عشرة أي بعد تسعمائة وقت العصر تاسع الجمادى الأولى توفي الشيخ العلامة الحافظ أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن بن كمال الدين أبي بكر بن عثمان السيوطي الشافعي ودفن بشرقي باب القرافة مرض ثلاثة أيام وجد بخطه أنه سمع ممن يوثق به أن والده كان يذكر أن جده الأعلى كان عجميا أو من المشرق وأمه أم ولد تركية وكان يلقب بابن الكتب لأن أباه كان من أهل العلم واحتاج إلى مطالعة كتاب فأمر امرأته أن تأتي به من بين كتبه فذهبت لتأتي به فأجاءها المخاض وهي بين الكتب فوضعته ثم سماه والده بعبد الرحمن ولقبه جلال الدين وكناه شيخه قاضي القضاة عز الدين أحمد بن إبراهيم الكناني لما عرض عليه وقال له : ما كنيتك ؟ فقال : لا كنية لي فقال : أبو الفضل وتوفي والده ليلة الاثنين خامس صفر من سنة 865 هـ وجعل الشيخ كمال الدين بن الهمام وصيا عليه فلحظه بنظره . وأحضره والده وعمره ثلاث سنين مجلس شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر وحضر هو وهو صغير مجلس المحدث زين الدين رضوان العقبي ثم اشتغل بالعلم على عدة مشايخ وحج سنة 869 هـ ووصلت مصنفاته نحو ستمائة سوى ما رجع عنه وغسله وولي المشيخة في مواضع متعددة من القاهرة ثم إنه زهد في جميع ذلك وانقطع إلى الله بالروضة وكانت له كرامات وكان بينه وبين السخاوي منافرة كما يكون بين الأكابر . انتهى كلامه
    وقد ترجمه شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي المصري تلميذ الحافظ ابن حجر في كتاب " الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع " ( 4 / 65 - 70 ) بترجمة طويلة مشتملة على حط مرتبته ونقص رتبته ولن يقبل كلامه وكذا كلام تلميذه أحمد القسطلاني صاحب " المواهب اللدنية " و " إرشاد الساري شرح صحيح البخاري " وغيرهما فيه كما لا يقبل كلامه على السخاوي في مقامته المسماة بـ " الكاوي على السخاوي " لما علم من المنافرة بينهم ولا يسمع كلام الأقران بعضهم في بعضهم
    ومن المعتنين به الزرقاني ( انظر ترجمته في : هدية العارفين 2 / 311 ، سلك الدرر 4 / 32 - 33 ، فهرس الفهارس 1 / 342 - 343 ) المالكي محمد بن عبد الباقي بن يوسف تلميذ أبي الضياء علي الشبراملسي بشين معجمة فموحدة فراء مهملة على وزن سكرى مضافا إلى ملس بفتح الميم وكسر اللام المشددة والسين المهملة نسبة إلى شبراملس قرية بمصر المتوفي سنة سبع وثمانين بعد الألف . وشرحه للموطأ شرح نفيس مشتمل على ما لا بد منه ذكر في أوائله أنه ابتدأه سنة تسع بعد مائة وألف
    وقال في آخره ( شرح الزرقاني على الموطأ : 4 / 436 ) : وقد أنعم الله الجواد الكريم الرؤوف الرحيم بتمام هذا الشرح المبارك على الموطأ لجامعه العبد الفقير الحقير محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد شهاب الدين بن محمد الزرقاني المالكي ووافق الفراغ من تسويده وقت أذان العصر يوم الاثنين حادي عشر ذي الحجة سنة ثنتي عشرة بعد مائة وألف ... إلخ . وله شرح نفيس على " المواهب اللدنية "
    وكانت وفاته على ما في كشف الظنون في السنة الثانية والعشرين بعد ألف ومائة
    - ومنهم : الشيخ سلام الله الحنفي من أولاد الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي له شرح على الموطأ برواية يحيى سماه " المحلى بأسرار الموطا " ( فرغ من تأليفه في سنة 1215 هـ لم يطبع بعد ونصفه الأخير موجود في مكتبة المدرسة العلية مظاهر علوم في سهارنفور - الهند . توفي - رحمه الله - سنة 1229 هـ على الراجح وقيل سنة 1223 هـ . مقدمة أوجز المسالك 1 / 51 ) وله شرح شمائل الترمذي وغير ذلك
    - ومنهم : الشيخ ولي الله المحدث الحنفي الدهلوي ( انظر ترجمته في الجزء اللطيف وأنفاس العارفين والإمام الدهلوي تأليف سماحة الشيخ الندوي . طبع دار القلم - الكويت - سنة 1985 م ) قطب الدين أحمد بن عبد الرحيم بن وجيه الدين الشهيد بن معظم بن منصور بن أحمد وتنتهي سلسلة نسبه إلى عمر الفاروق رضي الله عنه . ولد رحمه الله كما ذكر في بعض رسائله يوم الأربعاء رابع شوال من سنة أربع عشرة بعد ألف ومائة وختم حفظ القرآن وسنه سبع سنين واشتغل بتحصيل العلوم على حضرة والده وكان من تلامذة السيد الزاهد الهروي ولأجله صنف السيد الزاهد حواشيه المشهورة على " شرح المواقف " وفرغ من جميع الفنون الرسمية حين كان عمره خمس عشرة سنة وتوفي والده حين كان عمره سبع عشرة سنة فجلس مجلسه في التدريس والإفادة وراح إلى الحرمين الشريفين سنة ثلاث وأربعين وأخذ عن جمع من المشائخ منهم : الشيخ أبو طاهر المدني وعاد إلى الوطن سنة خمس وأربعين وكانت وفاته سنة ست وسبعين بعد مائة وألف وقيل أربع وسبعين وله تصانيف كثيرة كلها تدل على أنه كان من أجلة النبلاء وكبار العلماء موفقا من الحق سبحانه بالرشد والإنصاف متجنبا التعصب والاعتساف ماهرا في العلوم الدينية متبحرا في المباحث الحديثية منها : 1 - " إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء " كتاب عديم النظير في بابه 2 - و " حجة الله البالغة " 3 - و " قرة العينين في تفضيل الشيخين " 4 - و " الفوز الكبير في أصول التفسير " 5 - و " عقد الجيد في أحكام التقليد " 6 - و " الإنصاف في بيان سبب الاختلاف " 7 - و " البدور البازغة " في الكلام 8 - و " سرور المحزون " 9 - و " فتح الرحمن ترجمة القرآن " 10 - و " فتح الخبير " 11 - و " فيوض الحرمين " 12 - و " إنسان العين في مشائخ الحرمين " 13 - و " الانتباه في سلاسل أولياء الله " 14 - و " الدر الثمين في مبشرات النبي الأمين " 15 - و " النوادر من أحاديث سيد الأوائل والأواخر " 16 - و " القول الجميل " 17 - و " الهمعات " 18 - و " التفهيمات الإلهية " 19 - و " ألطاف القدس " 20 - و " المقالة الوضيئة في النصيحة " 21 - و " تأويل الأحاديث " 22 - و " اللمعات " 23 - و " السطعات " 24 - و " المقدمة السنية في انتصار الفرقة السنية " 25 - و " أنفاس العارفين " 26 - و " شفاء القلوب " 27 - و " الخير الكثير " 28 - و " الزهراوين " . . وغير ذلك . وقد شرح الموطأ برواية يحيى شرحين : 29 - أحدهما باللسان الفارسية سماه " المصفى " جرد فيه الأحاديث والآثار وحذف أقوال مالك وبعض بلاغاته وتكلم فيه ككلام المجتهدين 30 - وثانيهما بالعربية وسماه بـ " المسوى " اكتفى فيه على ذكر اختلاف المذاهب وعلى قدر من شرح الغريب وغيره مما لابد منه كذا قاله ابنه الشيخ عبد العزيز الدهلوي صاحب التصانيف الشهيرة والفتاوى المشهورة كتفسير فتح العزيز والتحفة الاثنا عشرية في الرد على الشيعة وغير ذلك المتوفى على ما قيل سنة تسع وثلاثين بعد الألف والمائتين
    وكانت ولادته في سنة تسع وخمسين بعد مائة وألف في كتابه " بستان المحدثين "
    - ومنهم العلامة إبراهيم الشهير ببيرى زاده الحنفي شرح الموطأ برواية محمد شرحا حسنا قال الفاضل محمد بن فضل الله المحبي الدمشقي في كتابه " خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر " ( خاصة الأثر 2 / 219 - 220 ، هدية العارفين 1 / 34 ، معجم المؤلفين 221 ) : الشيخ إبراهيم بن حسين بن أحمد بن محمد بن أحمد بن بيرى مفتي مكة أحد أكابر الفقهاء الحنفية وعلمائهم المشهورين ومن تبحر في العلم وتحرى في نقل الأحكام وحرر المسائل وانفرد في الحرمين بعلم الفتوى وجدد من مآثر العلم مادثر له الهمة العلية في الانهماك على مطالعة الكتب سارت بذكره الركبان بحيث إن علماء كل إقليم يشيرون إلى جلالته أخذ عن عمه العلامة محمد بن بيرى وعبد الرحمن المرشدي وغيرهما وأخذ الحديث عن ابن علان وأجازه كثير من المشائخ وله مؤلفات ورسائل تنيف على السبعين منها حاشية على الأشباه والنظائر سماه " عمدة ذوي البصائر " وشرح الموطأ رواية محمد بن الحسن ( في مقدمة أوجز المسالك ( 1 / 53 ) قلت : وقد رأيت هذا الشرح الوجيز في البلدة الطاهرة الطيبة سمي بالفتح الرحماني أكثر فيه الأخذ عن العلامة العيني وقد أخذت منه في بعض المواضع وهو موجود في المكتبة المحمودية بالبلدة الطاهرة بخط المؤلف ) في مجلدين وشرح تصحيح القدوري للشيخ قاسم وشرح " المنسك الصغير " لملا علي القاري رحمه الله ورسالة في جواز العمرة في أشهر الحج وشرح منظومة ابن الشحنة في العقائد والسيف المسلول في دفع الصدقة لآل الرسول ورسالة في المنسك والزيارة وأخرى في جمرة العقبة وأخرى في الإشارة في التشهد ورسالة في بيض الصيد إذا أدخل الحرم ورسالة جليلة في عدم جواز التلفيق رد فيها على عصرية مكي بن فروخ وغير ذلك وكانت ولادته في المدينة المنورة في نيف وعشرين وألف وتوفي يوم الأحد سادس عشر شوال سنة تسع وتسعين وألف ودفن بمعلاة قرب السيدة خديجة وكان قلقا من الموت فرأى النبي صلى الله عليه و سلم في المنام يقول له : يا إبراهيم مت فإن لك بي أسوة حسنة فقال : يارسول الله على شرط أن يكتب لي ثواب الحج في كل سنة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لك ذلك . انتهى ملخصا
    - ومنهم : صاحب العلم الباهر والفضل الظاهر الشيخ علي القاري الهروي ثم المكي ( خلاصة الأثر 3 / 186 ، سمط النجوم 4 / 394 ، البضاعة المزجاة لمن يريد مطالعة المرقاة شرح المشكاة وأفراده الأستاذ خليل إبراهيم قوتلاي بتأليف كتاب " الإمام علي القاري وأثره في علم الحديث " طبع في دار البشائر - بيروت - سنة 1987 م ) له شرح على موطأ محمد في مجلدين مشتمل على نفائس لطيفة وغرائب شريفة إلا أن فيه في تنقيد الرجال مسامحات كثيرة كما ستطلع عليها إن شاء الله تعالى في مواضعها وله تصانيف كثيرة فمنها ما طالعته : 1 - " شرح المشكاة المسمى بالمرقاة " 2 - و " شرح الشمائل المسمى بجمع الوسائل " 3 - و " شرح الشفاء " 4 - و " شرح شرح نخبة الفكر " 5 - و " شرح الحصن الحصين " المسمى بالحرز الثمين 6 - و " شرح الشاطبية " في القراءة 7 - و " سند الأنام شرح مسند الإمام الأعظم الهمام " 8 - و " شرح مختصر الوقاية " في الفقه 9 - و " الأثمار الجنية في طبقات الحنفية " 10 - و " رسالة في الاقتداء بالمخالف " مسماة بالاهتداء 11 - و " رسالة في الرد على إمام الحرمين وصلاة القفال المسماة بتشييع الفقهاء الحنفية بتشنيع السفهاء الشافعية " 12 - و " رسالة في نصب أول في حديث البخاري أن النبي صلى الله عليه و سلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده " 13 - ورسالة مسماة بـ " إعراب القاري على أول باب البخاري " 14 - و " المشرب الوردي في مذهب المهدي " 15 - و " المقالة العذبة في العمامة والعذبة " 16 - و " الإنباء بأن العصا من سنن الأنبياء " 17 - و " رفع الجناح في أربعين حديثا في النكاح " 18 - ورسالة في البسملة أول براءة 19 - ورسالة في حب الهرة من الإيمان 20 - ورسالة في الإشارة في التشهد مسماة بـ " تزيين العبارة لتحسين الإشارة " 21 - وأخرى فيه مسماة بـ " التدهين للتزيين " 22 - و " الحظ الأوفر في الحج الأكبر " 23 - و " التجريد في إعراب كلمة التوحيد " 24 - و " أربعون حديثا في القرآن " 25 - و " أربعون في جوامع الكلم " 26 - و " فرائد القلائد البهية تخريج أحاديث شرح العقائد النسفية " 27 - و " تذكرة الموضوعات " 28 - ورسالة مختصرة في الموضوع مسسماة بالمصنوع 29 - و " تبعيد العلماء عن تقريب الأمراء " 30 - وشم العوارض في ذم الروافض 31 - و " المورد الروي في المولد النبوي " 32 - و " الدرر المضيئة في الزيارة المصطفية " 33 - و " المقدمة السالمة في خوف الخاتمة " 34 - و " فعل الخير إذا دخل مكة من حج عن الغير " 35 - و " تحقيق الاحتساب في الانتساب " 36 - و " النافعة للنساك في الاستياك " 37 - والمعدن العدني في فضل أويس القرني " 38 - و " الاعتناء بالفناء " 39 - و " كشف الخدر ( في الأصل : " الحذر " وهو تحريف ) عن أمر الخضر " 40 - و " فر العون من مدعي إيمان فرعون " 41 - ورسالة في النية 42 - ورسالة في وحدة الوجود 43 - وأخرى في تكفير الحج الذنوب 44 - وأخرى في ليلة البراءة وليلة القدر 45 - و " شرح المنسك المتوسط لملا رحمة الله السندي المسمى بالمسلك المتقسط " 46 - وشرح الفقه الأكبر 47 - وله شرح ثلاثيات البخاري 48 - وشرح المقدمة الجزرية 49 - و " الناموس ملخص القاموس " 50 - و " نزهة الخاطر في ترجمة الشيخ عبد القادر " 51 - ورسالة في إبطال إرسال اليدين في الصلاة وغير ذلك . وتصانيفه كلها جامعة مفيدة حاوية على فوائد لطيفة ولولا ما في بعضها من رائحة التعصب المذهبي لكان أجود وأجود

    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    رد: كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 12:32 pm

    قال في " خلاصة الأثر " ( 3 / 186 ) مترجما له : علي بن محمد سلطان الهروي المعروف بالقاري الحنفي نزيل مكة وأحد صدور العلم فرد عصره الباهر السمت في التحقيق و تنقيح العبارات وشهرته كافية عن الإطراء في وصفه ولد بهراة ورحل إلى مكة وأخذ بها عن الأستاذ أبي الحسن البكري والسيد زكريا الحسيني والشهاب أحمد بن حجر المكي الهيثمي والشيخ أحمد المصري تلميذ القاضي زكريا والشيخ عبد الله السندي والعلامة قطب الدين المكي وغيرهم واشتهر ذكره وطار صيته وألف التآليف الكثيرة اللطيفة وكانت وفاته بمكة في شوال سنة أربع عشرة وألف ودفن بالمعلاة ولما بلغ خبر وفاته علماء مصر صلوا عليه بجامع الأزهر صلاة الغيبة في مجمع حافل يجمع أربعة آلاف نسمة فأكثر . انتهى ملخصا
    ترجمة الشارح
    ترجمة العبد الضعيف جامع هذه الأوراق أوردها ليكون مذكرا ومعرفا عن أحوالي لمن غاب عني أو يأتي بعدي فيذكرني بدعاء حسن الخاتمة وخير الدنيا والآخرة وقد ذكرت نبذا منها في مقدمة " الجامع الصغير " للإمام محمد في الفقه الحنفي المسماة " النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير " بعد ما ذكرت تراجم شراحه ليحشرني ربي معهم ويجعلني معهم ولست منهم والبسط فيها مفوض إلى كتاب تراجم علماء الهند الذي أنا مشتغل بجمعه وتأليفه وفقني الله لختمه ونذكر قدرا منها ههنا من غير اختصار مخل ولا تطويل ممل رجاء أن يحشرني ربي في زمرة الشراح السابقين ويجعلني في الدنيا والآخرة في عداد المحدثين ويناديني معهم يوم يدعو كل أناس بإمامهم فأقول : أنا الراجي عفو ربه القوي كنيتي أبو الحسنات كناني به والدي بعد بلوغي واسمي عبد الحي سماني به والدي في اليوم السابع من ولادتي وحين سماني به قال له بعض الظرفاء : حذفتم من اسمكم حرف النفي ( يعني : حرف لم ) فصار هذا فألا حسنا لأن يطول عمري ويحسن عملي أرجو من الله تعالى أن يصدق هذا الفأل ويرزقني ببركة اسمه المضاف إليه حياة طويلة مع حسن الأعمال وعيشا مرضيا يوم الزلزال . ووالدي مولانا محمد عبد الحليم صاحب التصانيف الشهيرة والفيوض الكثيرة الذي كان بفتخر بوجوده أفاضل الهند والعرب والعجم ويستند به أماثل العالم الفائق على أقرانه وسابقيه في حسن التدريس والتأليف البارع السابق على أهل عصره ومن سبقه في قبول التصنيف المتوفى في السنة الخامسة والثمانين بعد الألف والمائتين من هجرة رسول الثقلين ابن مولانا محمد أمين الله ابن مولانا محمد أكبر ابن المفتي أحمد أبي الرحم ابن المفتي يعقوب ابن مولانا عبد العزيز ابن مولانا محمد سعيد ابن ملا قطب الدين الشهيد السهالوي وينتهي نسبه إلى سيدنا أبي أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم . وقد ذكرته في رسالتي التي ألفتها في ترجمة الوالد المرحوم المسماة بحسرة العالم في وفاة مرجع العالم وتراجم كثير من أجدادي وأعزتي مبسوطة في رسالتي " إنباء الخلان أنباء علماء هندوستان " فلتطلب منها
    وكانت ولادتي في بلدة باندا حين كان والدي مدرسا بمدرسة النواب ذي الفقار الدولة المرحوم في السادس والعشرين من ذي القعدة يوم الثلاثاء من السنة الرابعة والستين بعد الألف والمائتين
    واشتغلت بحفظ القرآن المجيد من حين كان عمري خمس سنين وقرأت في أثنائه بعض كتب الإنشاء والخط وغير ذلك وفرغت من الحفظ حين كان عمري عشر سنين وصليت إماما في التراويح حسب العادة عند ذلك وكان ذلك في جونفور حين كان والدي المرحوم مدرسا بها في مدرسة الحاج إمام بخش المرحوم
    ثم شرعت على حضرة الوالد في تحصيل العلوم ففرغت من تحصيلها منقولا ومعقولا حين كان عمري سبع عشرة سنة ولم أقرأ شيئا من كتب العلوم على غيره إلا كتبا عديدة من العلوم الرياضية قرأتها على خال والدي وأستاذه مولانا محمد نعمت الله ابن مولانا نور الله المرحوم المتوفى في بنارس في المحرم سنة تسعين
    وقد ألقى الله في قلبي محبة التدريس والتأليف من بدء التحصيل فصنفت الدفاتر الكثيرة في الفنون العديدة ففي علم الصرف : 1 - " امتحان الطلبة في الصيغ المشكلة " 2 - ورسالة أخرى مسماة بجاركل 3 - و " التبيان في شرح الميزان " وفي علم النحو : 4 - " خير الكلام في تصحيح كلام الملوك ملوك الكلام " 5 - و " إزالة الجمد عن إعراب أكمل الحمد " وفي المنطق والحكمة : 6 - تعليقا قديما على حواشي غلام يحيى المتعلقة بالحواشي الزاهدية المتعلقة بالرسالة القطبية مسمى بهداية الورى إلى لواء الهدى 7 - وتعليقا جديدا عليها مسمى بمصباح الدجى في لواء الهدى 8 - وتعليقا أجد مسمى بنور الهدى لحملة لواء الهدى 9 - و " التعليق العجيب لحل حاشية الجلال الدواني على التهذيب " 10 - و " حل المغلق في بحث المجهول المطلق " 11 - و " الكلام المتين في تحرير البراهين " أي براهين إبطال اللاتناهي 12 - و " ميسر العسير في بحث المثناة بالتكرير " 13 - و " الإفادة الخطيرة في بحث سبع عرض شعيرة " 14 - وتكملة حاشية الوالد المرحوم على النفيسي شرح الموجز في الطب وفي علم المناظرة : 15 - " الهدية المختارية شرح الرسالة العضدية " وفي علم التاريخ : 16 - " حسرة العالم بوفاة مرجع العالم " 17 - و " الفوائد البهية في تراجم الحنفية " 18 - و " التعليقات السنية على الفوائد البهية " 19 - ومقدمة الهداية 20 - وذيله المسمى بمذيلة الدراية 21 - ومقدمة الجامع الصغير المسماة بالنافع الكبير وفي علم الفقه والحديث : 22 - هذه الحاشية المسماة بالتعليق الممجد 23 - و " القول الأشرف في الفتح عن المصحف " 24 - و " القول المنشور في هلال خير الشهور " 25 - وتعليقه المسمى بالقول المنثور 26 - و " زجر أرباب الريان عن شرب الدخان " 27 - وجعلته جزءا لرسالة أخرى مسماة بترويح الجنان بتشريح حكم شرب الدخان 28 - و " الإنصاف في حكم الاعتكاف " 29 - و " الإفصاح عن حكم شهادة المرأة في الرضاع " 30 - و " تحفة الطلبة في مسح الرقبة " 31 - وتعليقه المسمى بتحفة الكملة 32 - وسباحة الفكر في الجهر بالذكر 33 - و " أحكام القنطرة في أحكام البسملة " 34 - و " غاية المقال في ما يتعلق بالنعال " 35 - وتعليقه ظفر الأنفال 36 - و " السهسهة بنقض الوضوء بالقهقهة " 37 - و " خير الخبر بأذان خير البشر " 38 - و " رفع الشر عن كيفية إدخال الميت وتوجيهه إلى القبلة في القبر " 39 - و " قوت المغتذين بفتح المقتدين " 40 - و " إفادة الخير في الاستياك بسواك الغير " 41 - و " التحقيق العجيب في التثويب " 42 - و " الكلام الجليل فيما يتعلق بالمنديل " 43 - و " تحفة الأخيار في إحياء سنة سيد الأبرار " 44 - وتعليقه المسمى بنخبة الأنظار 45 - و " إقامة الحجة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة " 46 - و " تحفة النبلاء فيما يتعلق بجماعة النساء " 47 - و " الفلك الدوار فيما يتعلق برؤية الهلال بالنهار " 48 - و " زجر الناس على إنكار أثر ابن عباس " 49 - و " الفلك المشحون في انتفاع المرتهن بالمرهون " 50 - و " الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة " 51 - و " إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام " 52 - و " تدوير الفلك في حصول الجماعة بالجن والملك " 53 - و " نزهة الفكر في سبحة الذكر الملقبة بهدية الأبرار في سبحة الأذكار " 54 - وتعليقه المسمى بالنفحة بتحشية النزهة 55 - و " آكام النفائس في أداء الأذكار بلسان فارس " 56 - و " الكلام المبرم في نقض القول المحقق المحكم " 57 - والكلام المبرور في رد القول المنصور " 58 - و " السعي المشكور في رد المذهب المأثور " هذه الرسائل الثلاثة ألفتها ردا على رسائل من حج ولم يزر قبر النبي صلى الله عليه و سلم وافترى على علماء العالم 59 - و " هداية المعتدين في فتح المقتدين " 60 - و " دافع الوسواس في أثر ابن عباس رضي الله عنهما " 61 - و " الآيات البينات على وجود الأنبياء في الطبقات " وهذه الرسائل الستة باللسان الهندية
    هذه تصانيفي المدونة إلى هذا الآن وأما تصانيفي التي لم تتم إلى الآن وفقني الله لاختتامها كما وفقني لبدئها : 1 - " المعارف بما في حواشي شرح المواقف " 2 - و " دافع الكلال عن طلاب تعليقات الكمال على الحواشي الزاهدية المتعلقة بشرح التهذيب للجلال " 3 - و " تعليق الحمائل على حواشي الزاهد على شرح الهياكل " 4 - وحاشية بديع الميزان 5 - ورسالة في تفصيل اللغات 6 - ورسالة مسماة بتبصرة البصائر في الأواخر 7 - ورسالة في الأحاديث المشتهرة 8 - ورسالة في تراجم فضلاء الهند 9 - ورسالة في الزجر عن الغيبة 10 - وشرح شرح الوقاية المسمى بالسعاية
    وأما تعليقات المتفرقة على الكتب الدرسية فهي كثيرة أسأل الله أن يجعل جميع تصنيفاتي وتحريراتي خالصة لوجهه الكريم ينفع بها عباده ويجعلها ذريعة لفوزي بالنعيم
    وقد أجازني بجميع كتب الحديث ومنها هذا الكتاب وجميع كتب المعقول والمنقول والفروع والأصول كثير من المشائخ العظام والفضلاء الأعلام فمنهم والدي المرحوم أجازني بجميع ما أجازه شيخ الإسلام ببلد الله الحرام مولانا الشيخ جمال الحنفي المتوفى في سنة أربع وثمانين بعد الألف والمائتين ومفتي الشافعية بمكة المعظمة مولانا السيد أحمد بن زيني دحلان والمدرس بالمسجد النبوي مولانا الشيخ محمد بن محمد الغرب الشافعي ونزيل المدينة الطيبة مولانا الشيخ عبد الغني ابن الشيخ أبي سعيد المجددي المتوفى في سادس المحرم من السنة السادسة والتسعين ومولانا الشيخ علي ملك باشلي الحريري المدني ومولانا حسين أحمد المحدث المليح آبادي المتوفي السنة السادسة والسبعين في ومضان من تلامذة الشيخ عبد العزيز الدهلوي وغيرهم عن شيوخهم وأساتذتهم على ما هو مبسوط في قراطيس إجازاتهم ودفاتر أسانيدهم وأجازني أيضا بلا واسطة مولانا السيد أحمد دحلان عن شيوخه في السنة التاسعة والسبعين حين تشرفت بزيارة الحرمين ( في الأصل : " بالحرمين " ) الشريفين مع الوالد المرحوم ومولانا الشيخ علي الحريري المدني شيخ الدلائل أجازني بدلائل الخيرات في أوائل المحرم من سنة ثمانين حين دخلت المدينة الطيبة وأيضا مولانا الشيخ عبد الغني المرحوم تشرفت بملاقاته مرة ثانية في أوائل المحرم من السنة الثالثة والتسعين ولم يتيسر لي طلب الإجازة منه فلما وصلت إلى الوطن كتبت إليه رقعة بطلب الإجازة فكتب إلي إجازة بما أجازه به الشيخ مولانا محمد إسحق والشيخ مخصوص الله ابن مولانا رفيع الدين ومحدث المدينة مولانا الشيخ عابد السندي مؤلف " حصر ( في الأصل : " الحصر الشارد " وهو خطأ ) الشارد " والشيخ إسماعيل أفندي ووالده مولانا الشيخ أبو سعيد المجددي وأيضا أجازني مفتي الحنابلة بمكة المعظمة مولانا محمد بن عبد الله بن حميد المتوفى السنة الخامسة والتسعين تشرفت بملاقاتة بمكة في ذي القعدة من السنة الثانية والتسعين وبعث إلي ورقة إجازة في السنة الثالثة والتسعين بما أجازه السيد الشريف محمد بن علي السنوسي الحسني عن شيوخه على ما هو مثبت في كتابه " البدور الشارقة في أثبات ساداتنا المغاربة والمشارقة " والسيد محمد الأهدل والسيد محمود أفندي الآلوسي مفتي بغداد مؤلف التفسير المشهور بروح البيان وغيرهم وتفصيل أسانيد مشائخي وشيوخ مشائخي موكول إلى رسالتي " إنباء الخلان بأنباء علماء هندوستان " وفقني الله لإتمامه

    الفائدة العاشرة : في نشر مآثر الإمام محمد وشيخيه أبي يوسف وأبي حنيفة :
    - وهم المراد بأئمتنا الثلاثة في كتب أصحابنا الحنفية ويعرف الأولان بالصاحبين والثانيان بالشيخين والأول والثالث بالطرفين وقد ذكرت تراجمهم في كثير من الرسائل كمقدمة الهداية ومقدمة الجامع الصغير وطبقات الحنفية وغيرها والآن نذكر قدرا ضروريا منها
    - أما محمد فهو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني ( انظر ترجمته في : وفيات الأعيان 1 / 574 ، تهذيب الأسماء واللغات 1 / 80 ، البداية والنهاية 1 / 202 ، الكامل في التاريخ 6 / 14 ، طبقات الفقهاء للشيرازي 114 ، تاريخ بغداد 2 / 172 - 182 ، الفوائد البهية 163 ) نسبة ولاء إلى شيبان بفتح الشين المعجمة قبيلة معروفة الكوفي صاحب الإمام أبي حنيفة أصله من دمشق من أهل قرية يقال لها حرستا بفتح الحاء المهملة وسكون الراء المهملة وفتح السين المهملة قدم أبوه العراق فولد له محمد بواسط ونشأ بالكوفة وتلمذ لأبي حنيفة وسمع الحديث عن مسعر بن كدام وسفيان الثوري وعمرو بن دينار ومالك بن مغول والإمام مالك بن أنس والأوزاعي وربيعة بن صالح وبكير والقاضي أبي يوسف وسكن بغداد وحدث بها وروى عنه الإمام الشافعي محمد بن إدريس وأبو سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني وهشام بن عبيد الله الرازي وأبو عبيد القاسم بن سلام وعلي بن مسلم الطوسي وأبو حفص الكبير وخلف بن أيوب . وكان الرشيد ولاه القضاء بالرقة فصنف كتابا مسمى بالرقيات ثم عزله وقدم بغداد فلما خرج هارون الرشيد إلى الري الخرجة الأولى أمره فخرج معه فمات بالري سنة تسع وثمانين ومائة . وحكي عنه أنه قال : مات أبي وترك ثلاثين ألف درهم فأنفقت خمسة عشرة ألفا على النحو والشعر وخمسة عشر ألفا على الحديث والفقه وقال الشافعي : ما رأيت سمينا أخف روحا من محمد بن الحسن وما رأيت أفصح منه كنت أظن إذا رأيته يقرأ القرآن كأن القرآن نزل بلغته وقال أيضا : ما رأيت أعقل من محمد بن الحسن وروي عنه أن رجلا سأله عن مسألة فأجابه فقال الرجل : خالفك الفقهاء : فقال له الشافعي : وهل رأيت فقيها قط ؟ اللهم إلا أن يكون رأيت محمد بن الحسن . ووقف رجل على المزني فسأله عن أهل العراق فقال : ما تقول في أبي حنيفة ؟ فقال : سيدهم قال " أبو يوسف ؟ قال : أتبعهم للحديث قال : فمحمد بن الحسن ؟ قال : أكثرهم تفريعا ؟ قال : فزفر أحدهم قياسا وروي عن الشافعي أنه قال : ما ناظرت أحدا إلا تغير وجهه ما خلا محمد بن الحسن ولو لم يعرف لسانهم لحكمنا أنهم من الملائكة محمد في فقهه والكسائي في نحوه والأصمعي في شعره وروي عن أحمد بن حنبل أنه قال : إذا كان في المسألة قول ثلاثة لم يسمع مخالفتهم فقيل له : من هم ؟ قال : أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن فأبو حنيفة أبصرهم بالقياس وأبو يوسف أبصر الناس بالآثار ومحمد أبصر الناس بالعربية . هذا كله أورده السمعاني في " كتاب الأنساب " ( 7 / 431 ط بيروت )
    وقال أبو عبد الله الذهبي في " ميزان الاعتدال " ( 3 / 513 ) : محمد بن الحسن الشيباني أبو عبد الله أحد الفقهاء لينه النسائي وغيره من قبل حفظه يروي عن مالك بن أنس وغيره وكان من بحور العلم والفقه قويا في مالك . انتهى
    وقال الحافظ ابن حجر في " لسان الميزان " ( 5 / 121 - 122 ) : هو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني مولاهم ولد بواسط ونشأ بالكوفة وتفقه على أبي حنيفة وسمع الحديث من الثوري ومسعر وعمر بن ذر ومالك بن مغول والأوزاعي ومالك بن أنس وربيعة بن صالح وجماعة وعنه الشافعي وأبو سليمان الجوزجاني وهشام الرازي وعلي بن مسلم الطوسي وغيرهم ولي القضاء في أيام الرشيد وقال ابن عبد الحكم : سمعت الشافعي يقول : قال محمد : أقمت على باب مالك ثلاث سنين وسمعت منه أكثر من سبعمائة حديث وقال الربيع : سمعت الشافعي يقول : حملت عن محمد وقر بعير كتبا وقال عبد الله بن علي المديني عن أبيه في حق محمد بن الحسن : صدوق . انتهى
    وفي " تهذيب الأسماء واللغات " للنووي ( هو يحيى بن شرف بن حسن النووي الدمشقي شارح " صحيح مسلم " المتوفى سنة 677 هـ ) : قال الخطيب : ولد محمد بواسط ونشأ بالكوفة وسمع الحديث بها من أبي حنيفة ومسعر بن كدام وسفيان الثوري وعمر بن ذر ومالك بن مغول وكتب أيضا عن مالك بن أنس وربيعة بن صالح وبكير بن عامر وأبي يوسف وسكن بغداد وحدث بها وروى عنه الشافعي وأبو سليمان الجوزجاني وأبو عبيد وغيرهم وقال محمد بن سعد كاتب الواقدي : كان أصل محمد من الجزيرة وكان أبوه من جند الشام فقدم واسطا فولد له ( في الأصل : " فولد بها " وهو تحريف ) محمد سنة ثنتين وثلاثين ومائة ونشأ بالكوفة وطلب الحديث وسمع سماعا كثيرا وجالس أبا حنيفة وسمع منه ونظر في الرأي فغلب ( في الأصل : " فغلبت " وهو تحريف ) عليه وعرف به وتقدم فيه وقدم بغداد فنزل بها واختلف إليه الناس وسمعوا منه الحديث والرأي وخرج إلى الرقة وهارون الرشيد فيها فولاه قضاءها ثم عزله فقدم بغداد فلما خرج هارون إلى الري أمره فخرج معه فمات فيها سنة تسع وثمانين . ثم روى الخطيب بإسناده إلى الشافعي قال : قال محمد بن الحسن : أقمت على باب مالك ثلاث سنين وكسرا قال : وكان يقول إنه سمع لفظا أكثر من سبعمائة حديث وكان إذا حدثهم عن مالك امتلأ منزله وكثر الناس حتى يضيق عليهم الموضع وبإسناده عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال : كان محمد يجلس في مسجد الكوفة وهو ابن عشرين سنة وبإسناده عن الشافعي قال : ما رأيت مبدنا قط أذكى من محمد بن الحسن وعنه : كان إذا أخذ في المسألة كأنه قرآن ينزل لا يقدم حرفا ولا يؤخره وعنه كان محمد يملأ العين والقلب وعنه قال : حملت عنه وقري بختي كتبا وعن يحيى بن معين قال : كتبت " الجامع الصغير " عن محمد بن الحسن وعن أبي عبيد : ما رأيت أعلم في كتاب الله منه وعن إبراهيم الحربي قال : قلت لأحمد : من أين لك هذه المسائل الدقيقة ؟ قال : من كتب محمد بن الحسن وبإسناده عن أبي رجاء عن محموية قال : وكنا نعده من الأبدال قال : رأيت محمد بن الحسن في المنام فقلت : يا أبا عبد الله إلام صرت ؟ قال : قال لي ربي : إني لم أجعلك وعاء للعلم وأنا أريد أن أعذبك قلت : ما فعل أبو يوسف ؟ قال : فوقي ( أي فوق محمد بن الحسن ) قلت : فأبو حنيفة ؟ قال : فوقه بطبقات كثيرة . انتهى ( الأسماء واللغات 1 / 80 - 82 ) ملخصا
    قلت : بهذه العبارات الواقعة من الأثبات وغيرها من كلمات الثقات التي تركنا ذكرها خوفا من التطويل يظهر جلالة قدره وفضله الجميل فمن طعن عليه كأنه لم تقرع سمعه هذه الكلمات ولم يصل بصره إلى كتب النقاد الأثبات وكفاك مدح الشافعي له بعبارات رشيقة وكلمات لطيفة وروايته عنه . وقد أنكر ابن تيمية ( يعني أحمد بن عبد الحليم الحراني الدمشقي المتوفى سنة 728 هـ . ( ش ) ) في " منهاج السنة " الذي ألفه في رد " منهاج الكرامة " للحلي ( يعني الحسن بن يوسف بن مطهر الحلي تلميذ الطوسي المتوفى سنة 726 هـ . ( ش ) ) الشيعي تلمذ الشافعي منه وقد كذبه من قبله كالنووي والخطيب والسمعاني وغيرهم وهم أعلم منه بحال إمامهم
    - أما أبو يوسف : فهو القاضي يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الكوفي ذكره الذهبي في حفاظ الحديث في كتابه " تذكرة الحفاظ " ( 1 / 292 - 294 . وله ترجمة في : وفيات الأعيان 6 / 378 ، الجواهر المضية 2 / 220 ، ومرآة الجنان 1 / 382 ، البداية والنهاية 10 / 180 ، وبروكلمان 3 / 245 ، وعبر الذهبي 1 / 284 ، النجوم الزاهرة 2 / 107 ) وقال في ترجمته : سمع هشام بن عروة وأبا إسحق الشيباني وعطاء بن السائب وطبقتهم وعنه محمد بن الحسن الفقيه وأحمد بن حنبل وبشر بن الوليد ويحيى بن معين وعلي بن الجعد وعلي بن مسلم الطوسي وخلق سواهم نشأ في طلب العلم وكان أبوه فقيرا فكان أبو حنيفة يتعاهده قال المزني : أبو يوسف أتبع القوم للحديث وروى إبراهيم بن أبي داود عن يحيى بن معين قال : ليس في أهل الرأي أحد أكثر حديثا ولا أثبت منه وروى عباس عنه قال : أبو يوسف صاحب حديث وصاحب سنة وقال ابن سماعة : كان أبو يوسف يصلي بعدما ولي القضاء في كل يوم مائتي ركعة وقال أحمد : كان منصفا في الحديث مات سنة اثنتين وثمانين ومائة وله أخبار في العلم والسيادة وقد أفردته وأفردت صاحبه محمد بن الحسن في جزء . انتهى ملخصا
    قال السمعاني ( ص 439 ط قديم ) : سمع أبا إسحق الشيباني وسليمان التيمي ويحيى بن سعيد ( في الأصل : " سعد " وهو تحريف ) وسليمان الأعمش وهشام بن عروة وعبيد الله بن عمر العمري وعطاء بن السائب ومحمد بن إسحق وليث بن سعد وغيرهم وتلمذ لأبي حنيفة وروى عنه محمد بن الحسن وبشر بن الوليد الكندي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم وكان قد سكن بغداد وولي قضاء القضاة وهو أول من دعي بقاضي القضاة في الإسلام ولم يختلف يحيى بن معين وأحمد وابن المديني في كونه ثقة في الحديث وهو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة ونشر علمه في أقطار الأرض . انتهى
    - وأما أبو حنيفة : فله مناقب جميلة ومآثر جليلة عقل الإنسان قاصر عن إدراكها ولسانه عاجز عن تبيانها وقد صنف في مناقبه جمع من علماء المذاهب المتفرقة ولم يطعن عليه إلا ذو تعصب وافر أو جهالة مبينة والطاعن عليه إن كان محدثا أو شافعيا نعرض عليه كتب مناقبه التي صنفه علماء مذهبه ونبرز عنده ما خفي عليه من مناقبه التي ذكرها فضلاء مسلكه كالسيوطي مؤلف " تبييض الصحيفة في مناقب الإمام أبي حنيفة " وابن حجر المكي مؤلف " الخيرات الحسان في مناقب النعمان " وكالذهبي ذكره في " تذكرة الحفاظ " و " الكاشف " وأثنى عليه وأفرد في مناقبه رسالة ( قد طبعت هذه الرسالة بعنوان مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه بتحقيق الشيخ محمد زاهد الكوثري والشيخ أبي الوفاء الأفغاني في بيروت سنة 1408 هـ ) وابن خلكان ذكر مناقبه في تاريخه واليافعي مؤلف " مرآة الجنان " ذكر مناقبه فيه والحافظ ابن حجر العسقلاني ذكره في " التقريب " وغيره وأثنى عليه والنووي شارح صحيح مسلم أثنى عليه في " تهذيب الأسماء واللغات " والإمام الغزالي أثنى عليه في " إحياء العلوم " وغيرهم وإن كان مالكيا نوقفه على مناقبه التي ذكرها علماء مشربه كالحافظ ابن عبد البر وغيره وإن كان حنبليا نطلعه على تصريحات أصحاب مذهبه كيوسف بن عبد الهادي الحنبلي مؤلف " تنوير الصحيفة في مناقب أبي حنيفة " وإن كان من المجتهدين المرتفع عن درجة المقلدين نسمعه ما جرى على لسان المجتهدين والمحدثين من ذكر مفاخره وسرد مآثره وإن كان عاميا لا مذهب له فهو من الأنعام بل هو أضل نقوم عليه بالنكير ونجعله مستحقا للتعزيز . وكفاك من مفاخره التي امتاز بها بين الأئمة المشهورين كونه من التابعين وهو وإن كان مختلفا فيه كما قال ابن نجيم المصري في " البحر الرائق شرح كنز الدقائق " في بحث عدم قبول شهادة من يظهر سب السلف : السب الشتم والسلف كما في " النهاية " : الصحابة والتابعون وأبو حنيفة . انتهى . وزاد في " فتح القدير " وكذا العلماء والفرق بين السلف والخلف أن السلف الصالح الصدر الأول من الصحابة والتابعين والخلف : بفتح اللام من بعدهم في الخير وبالسكون في الشر . كذا في " مختصر النهاية " وعطف أبي حنيفة على التابعين إما عطف خاص على عام بناء على أنه منهم كما في " مناقب الكردري " وصرح به في " العناية " أو ليس منهم بناء على ما صرح به شيخ الإسلام ابن حجر فإنه جعله من الطبقة السادسة ممن عاصر صغار التابعين ولكن لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة ذكره في " تقريب التهذيب " . انتهى كلام البحر لكن الصحيح المرجح هو كونه من التابعين فإنه رأى أنسا رضي الله عنه بناء على أن مجرد رؤية الصحابة كاف للتابعية كما حققه الحافظ ابن حجر في غير " التقريب " والذهبي والسيوطي وابن حجر المكي وابن الجوزي والدارقطني وابن سعد والخطيب والولي العراقي وعلي القاري وأكرم السندي وأبو معشر وحمزة السهمي واليافعي والجزري والتوربشتي والسراج وغيرهم من المحدثين والمؤرخين المعتبرين ومن أنكره فهو محجوج عليه بأقوالهم وقد ذكرت تصريحاتهم وعباراتهم في رسالتي " إقامة الحجة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة " ( طبعت هذه الرسالة في حلب 1386 هـ )
    قال الذهبي في " تذكرة الحفاظ " ( 1 / 168 ) : أبو حنيفة الإمام الأعظم فقيه العراق النعمان بن ثابت هو زوطا التيمي الكوفي مولده سنة ثمانين رأى أنس بن مالك غير مرة لما قدم عليهم الكوفة رواه ابن سعد عن سيف بن جابر عن أبي حنيفة أنه كان يقوله وحدث عن عطاء ونافع وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج وسلمة بن كهيل وأبي جعفر محمد بن علي وقتادة وعمرو بن دينار وأبي إسحق وخلق كثير تفقه به زفر بن هذيل وداود الطائي والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن وأسد بن عمرو والحسن بن زياد ونوح الجامع وأبو مطيع البلخي وعدة وكان تفقه بحماد بن أبي سليمان وغيره وحدث عنه وكيع ويزيد بن هارون وسعد بن الصلت وأبو عاصم وعبد الرزاق وعبيد الله بن موسى وبشر كثير وكان إماما ورعا عالما عاملا متعبدا كبير الشأن لا يقبل جوائز السلطان بل يتجر ويتكسب قال ابن المبارك : أبو حنيفة أفقه الناس وقال الشافعي : الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة وروى أحمد بن محمد بن القاسم عن يحيى بن معين قال : لا بأس به ولم يكن متهما ولقد ضربه يزيد بن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضيا وقال أبو داود : إن أبا حنيفة كان إماما وقال بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال : كنت أمشي مع أبي حنيفة فقال رجل لآخر : هذا أبو حنيفة لا ينام الليل فقال : والله لا يتحدث الناس عني بما لم أفعل فكان يحيي الليل صلاة ودعاء وتضرعا . قلت : مناقب هذا الإمام قد أفردتها في جزء . انتهى كلامه
    وقد ذكر النووي في " تهذيب الأسماء " ( 1 / 216 - 223 ) كثيرا من مناقبه في أربع ورقات نقلا عن الخطيب وغيره وذكر أنه ولد سنه ثمانين وتوفي ببغداد سنة خمسين ومائة على الصحيح المشهور بين الجمهور وفي رواية غريبة أنه توفي سنة إحدى وخمسين وعن مكي بن إبراهيم أنه توفي سنة ثلاث وخمسين
    وقال ابن حجر المكي في " الخيرات الحسان " ( ص 74 ) بعدما ذكر محاسنه ومحامده في ستة وثلاثين فصلا في الفصل السابع والثلاثين قال الحافظ ابن عبد البر ما حاصله : إنه أفرط بعض أصحاب الحديث في ذم أبي حنيفة وتجاوزوا الحد في ذلك لتقديمه القياس على الأثر وأكثر أهل العلم يقولون : إذا صح الحديث بطل الرأي والقياس لكنه لم يرو إلا بعض أخبار الآحاد بتأويل محتمل وكثير منه قد تقدمه إليه غيره وتابعه عليه مثله كإبراهيم النخعي وأصحاب ابن مسعود رضي الله عنه إلا أنه أكثر من ذلك هو وأصحابه وغيره إنما يوجد له ذلك قليلا ومن ثم لما قيل لأحمد : ما الذي نقم عليه ؟ قال : الرأي قيل : أليس مالك تكلم بالرأي قال : بلى ولكن أبو حنيفة أكثر رأيا منه قيل : فهل أتكلم في هذا بحصته وهذا بحصته ؟ فسكت أحمد وقال الليث بن سعد : أحصيت على مالك سبعين مسألة قال فيها برأيه وكلها مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ولم نجد أحدا من علماء الأمة أثبت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم رده إلا بحجة كادعاء نسخ أو بإجماع أو طعن في سنده ولو رده أحد من غير حجة لسقطت عدالته فضلا عن إمامته ولزمه اسم الفسق وعافاهم الله عن ذلك وقد جاء عن الصحابة اجتهادهم بالرأي القول بالقياس على الأصول ما سيطول ذكره وكذلك التابعون . انتهى كلام ابن عبد البر . والحاصل أن أبا حنيفة لم ينفرد بالقول بالقياس بل على ذلك عامة عمل فقهاء الأمصار . انتهى
    وفي الخيرات الحسان في الفصل الثامن والثلاثين ( ص 84 ) : قال أبو عمر يوسف ابن عبد البر ( في جامع بيان العلم وفضله 2 / 149 ) : الذين رووا عن أبي حنيفة ووثقوه وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلموا فيه والذين تكلموا فيه من أهل الحديث أكثر ما عابوا عليه الإغراق في الرأي والقياس أي وقد مر ( أي عند ابن عبد البر في جامع بيان العلم 2 / 148 ) أن ذلك ليس بعيب وقد قال الإمام علي بن المديني : أبو حنيفة روى عنه الثوري وابن المبارك وحماد بن زيد وهشام ووكيع وعباد بن العوام وجعفر بن عون وهو ثقة لا بأس به وكان شعبة حسن الرأي فيه وقال يحيى بن معين : أصحابنا ( يعني : أهل الحديث ) يفرطون في أبي حنيفة وأصحابه فقيل له : أكان يكذب ؟ قال : لا
    وفي " طبقات شيخ الإسلام التاج السبكي " ( 1 / 188 ) الحذر كل الحذر أن تفهم أن قاعدتهم أن الجرح مقدم على التعديل على إطلاقها بل الصواب أن من ثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه وندر جارحه وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره لم يلتفت إلى جرحه ثم قال أي التاج السبكي ( طبقات الشافعية 1 / 190 ) بعد كلام طويل : قد عرفناك أن الجارح لا يقبل فيه الجرح وإن فسره في حق من غلبت طاعاته على معصيته ومادحوه على ذاميه ومزكوه على جارحيه إذا كانت هناك قرينة تشهد بأن مثلها حامل على الوقيعة فيه من تعصب مذهبي أو مناقشة دنيوية وحينئذ فلا يلتفت لكلام الثوري ( قول الثوري وغيره في أبي حنيفة غير موجود في " الطبقات " المطبوعة وهو موجود في " الخيرات الحسان " : ( ص 74 ) نقلا عن " الطبقات " فلعلها في بعض النسخ ) في ( أبو حنيفة ) وابن أبي ذئب وغيره في ( مالك ) وابن معين في ( الشافعي ) والنسائي في ( أحمد بن صالح ) ونحوه قال : ولو أطلقنا تقديم الجرح لما سلم لنا أحد من الأئمة إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون . انتهى
    وفيه ( الخيرات الحسان في مناقب النعمان ص 76 ) أيضا في الفصل التاسع والثلاثين في رد ما نقله الخطيب في تاريخه من القادحين فيه ( أي في أبي حنيفة رحمه الله تعالى ( ش ) ) : علم أنه لم يقصد بذلك إلا جمع ما قيل في الرجل على عادة المؤرخين ولم يقصد بذلك انتقاصه ولا حط مرتبته بدليل أنه قدم كلام المادحين وأكثر منه ومن نقل مآثره ثم عقبه بذكر كلام القادحين ومما يدل على ذلك أيضا أن الأسانيد التي ذكرها للقدح لا يخلو غالبها من متكلم فيه أو مجهول ولا يجوز إجماعا ثلم عرض مسلم بمثل ذلك فكيف بإمام من أئمة المسلمين وبفرض صحة ما ذكره الخطيب من القدح عن قائله لا يعتد به فإنه إن كان من غير أقران الإمام فهو مقلد لما قاله أو كتبه أعداؤه وإن كان من أقرانه فكذلك لما مر أن قول الأقران بعضهم في بعض غير مقبول وقد صرح الحافظان : الذهبي وابن حجر بذلك قالا : لا سيما إذا لاح أنه لعداوة أو لمذهب إذ الحسد لا ينجو منه إلا من عصمه الله قال الذهبي : وما علمت أن عصرا سلم أهله من ذلك إلا عصر النبيين والصدقين وقال التاج السبكي : ينبغي لك أيها المسترشد أن تسلك سبيل الأدب مع الأئمة الماضين وأن لا تنظر إلى كلام بعضهم في بعض إلا إذا أتي ببرهان واضح ثم إن قدرت على التأويل وحسن الظن فدونك وإلا فاضرب صفحا عما جرى بينهم وإياك ثم إياك أن تصغي إلى ما اتفق بين أبي حنيفة وسفيان الثوري أو بين مالك وابن أبي ذئب أو بين النسائي وأحمد بن صالح أو بين أحمد والحارث بن أسد المحاسبي وهلم جرا إلى زمان العز بن عبد السلام والتقي بن الصلاح فإنك إذا اشتغلت بذلك وقعت على الهلاك فالقوم أئمة أعلام ولأقوالهم محامل وربما لم نفهم بعضها فليس لنا إلا التراضي والسكوت عما جرى بينهم كما نفعل فيما جرى بين الصحابة . انتهى
    وفيه أيضا في " الفصل السادس " : صح كما قاله الذهبي أنه رأى أنس بن مالك وهو صغير وفي رواية مرارا وكان يخضب بالحمرة وأكثر المحدثين على أن التابعي من لقي الصحابي وإن لم يصحبه وصححه النووي كابن الصلاح وجاء من طرق أنه روى عن أنس أحاديث ثلاثة ( انظر أسماء الصحابة الذين سمع منهم أبو حنيفة في " الجواهر المضية في طبقات الحنفية " للقرشي 1 / 28 ) لكن قال أئمة الحديث : مدارها على من اتهمه الأئمة بالأحاديث وفي " فتاوى شيخ الإسلام ابن حجر " أنه أدرك جماعة من الصحابة كانوا بالكوفة لأن مولده بها سنة ثمانين فهو من طبقة التابعين ولم يثبت ذلك لأحد من أئمة الأمصار المعاصرين له كالأوزاعي بالشام والحمادين بالبصرة والثوري بالكوفة ومالك بالمدينة والليث بن سعد بمصر . انتهى كلام الحافظ فهو من أعيان التابعين الذين شملهم قوله تعالى : ( والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضواعنه ) ( سورة التوبة : آية 100 ) . انتهى
    قلت : فهذه العبارات الواردة عن الثقات لعلها لم تقرع سمع جهلاء عصرنا حيث يطعنون على أبي حنيفة ويحطون درجته عن المراتب الشريفة ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكارهون : { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } ( سورة الشعراء : آية 227 ) . وخلاصة ما اشتهر بينهم والعجب أنه أدرج بعضها بعضهم في تصانيفهم أمور : منها : أنه كان يقدم القياس على السنن النبوية وهذا فرية بلا مرية ومن شك في ذلك فليطالع " الخيرات الحسان " و " الميزان " يظهر له أن زعمه موقع له في خسران
    ومنها : أنه كان كثير الرأي ولذا سمى المحدثون أصحابه بأصحاب الرأي . وهذا ليس بطعن بالحقيقة فإن كثرة الرأي والقياس دالة على نباهة الرجل ووفور عقله عند الأكياس ولا يفيد العقل بدون النقل ولا النقل بدون العقل واعتقادنا واعتقاد كل منصف في حقه أنه لو أدرك زمانا كثرت فيه رواية الأحاديث وكشف المحدثون عن جمالها القناع بالكشف الحثيث لقل القياس في مذهبه كما حققه عبد الوهاب الشعراني في ميزانه ( 1 / 53 ) وملا معين في كتابه " دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب "
    ومنها : أنه قليل الرواية للأخبار النبوية وهذا أيضا ليس بطعن في الحقيقة فإن مرتبته في هذا تشابه المرتبة الصديقية فإن كان هذا طعنا كان أبو بكر الصديق أفضل البشر بعد الأنبياء بالتحقيق مطعونا فإنه أيضا قليل الرواية بالنسبة إلى بقية الصحابة حاشاهم ثم حاشاهم عن هذه الوسمة
    ومنها : أنه كان كثير التعبد حتى إنه كان يحيي الليل كله وهو بدعة ضلالة وهذا قول صدر عن غفلة ولقد قف شعري من سماعه ووقعت في التعجب من قائله فإن كثرة العبادة حسب الطاقة كإحياء الليلة كلها وختم القرآن في ليلة وأداء ألف ركعة ونحو ذلك منقول بالنقول الصحيحة عن كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء والمحدثين كعثمان وعمر وابن عمر وتميم الداري وعلي وشداد بن أوس رضي الله عنهم ومسروق والأسود النخعي وعروة بن الزبير وثابت البناني وزين العابدين علي بن الحسين وقتادة ومحمد بن واسع ومنصور بن زاذان وعلي بن عبد الله بن عباس والإمام الشافعي وسعد بن إبراهيم الزهري وشعبة بن الحجاج والخطيب البغدادي وغيرهم ممن لا يحصى عددهم فيلزم أن يكون هؤلاء كلهم من المبتدعين ومن التزمه فهو أكبر المبتدعين الضالين وقد حققت المسألة مع ما لها وما عليها في " إقامة الحجة " ( طبع من حلب : كتاب " إقامة الحجة على أن الإكثار في التعبد ليس ببدعة " بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة )
    ومنها : أنه قد جرحه سفيان الثوري والدارقطني والخطيب والذهبي وغيرهم من المحدثين . وهذا قول صدر عن الغافلين فإن مطلق الجرح إن كان عيبا يترك به المجروح فليترك البخاري ومسلم والشافعي وأحمد ومالك ومحمد بن إسحق صاحب المغازي وغيرهم من أجلة أصحاب المعاني فإن كلا منهم مجروح ومقدوح بل لم يسلم من الجرح أصحاب الرسول صلى الله عليه و سلم فهل يقول قائل : بقبول الجرح فيهم ؟ كلا والله لا يقول به من هو من أرباب العقول وإن كان بعض أقسام الجرح موجبا لترك المجروح فالإمام بريء عنه عند أرباب الإنصاف والنصوح فإن بعض الجروح التي جرح بها ( في الأصل : " به " وهو تحريف ) مبهم كقول الذهبي في " ميزان الاعتدال " ( ميزان الاعتدال : 1 / 226 ) : إسماعيل بن حماد بن الإمام أبي حنيفة ثلاثتهم ضعفاء . انتهى
    وقد تقرر في الأصول أنه لا يقبل الجرح المبهم لا سيما في حق من ثبتت عدالته وفسرت تعديلاته واستقرت إمامته وقد بسطت الكلام في هذه المسألة في رسالتي " الكلام المبرور والسعي المشكور على رغم أنف من خالق الصحيح والجمهور " وبعض الجروح صدر من معاصريه وقد تقرر في مقره أن جرح المعاصر لا يقبل في حق المعاصر لا سيما إذا كانت لتعصب أو عداوة ( قد بسطه المؤلف في كتابه الجرح والتعديل ص 189 ) وإلا فليقبل جرح ابن معين في الشافعي وأحمد في الحارث المحاسبي والحارث في أحمد ومالك في محمد بن إسحق صاحب حديث القلتين ( قد استوفى المؤلف رحمه الله توثيق ( محمد بن إسحاق ) في كتابه ( إمام الكلام ) كل الاستيفاء حتى استوعب عشر صفحات : ( ص 192 - 201 ) ) والقراءة خلف الإمام وغيرهم . كلا والله لا نقبل كلامهم فيهم ونوفيهم حظهم وبعض الجروح صدر من المتأخرين المتعصبين كالدارقطني وابن عدي وغيرهما ممن تشهد القرائن الجلية بأنه في هذا الجرح من المتعسفين والتعصب أمر لا يخلو منه البشر إلا من حفظه خالق القوى والقدر وقد تقرر أن مثل ذلك غير مقبول من قائله بل هو موجب لجرح نفسه ولقد صدق شيخ الإسلام بدر الدين محمود العيني في قوله في بحث قراءة الفاتحة من " البناية شرح الهداية " في حق الدارقطني : من أين له تضعيف أبي حنيفة ؟ وهو مستحق للتضعيف فإنه روى في " مسنده " أحاديث سقيمة ومعلولة ومنكرة وغريبة وموضوعة . انتهى
    وفي قوله في بحث إجارة أرض مكة ودورها : وأما قول ابن القطان : وعلته ضعف أبي حنيفة فإساءة أدب وقلة حياء منه فإن مثل الإمام الثوري وابن المبارك وأضرابهما وثقوه وأثنوا عليه خيرا فما مقدار من يضعفه عند هؤلاء الأعلام . انتهى
    وهناك خلق لهم تشدد في جرح الرواة يجرحون الرواة من غير مبالاة ويدرجون الأحاديث الغير الموضوعة في الموضوعات منهم : ابن الجوزي والصغاني والجوزقاني والمجد الفيروزآبادي وابن تيمية الحراني الدمشقي وأبو الحسن بن القطان وغيرهم كما بسطته في " الكلام المبرم " و " الأجوبة الفاضلة " فلا يجترئ على قبول قولهم من دون التحقيق إلا من هو غافل عن أحوالهم ومنهم من عادته في تصانيفه كابن عدي في " كامله " والذهبي في " ميزانه " أنه يذكر كل ما قيل في الرجل من دون الفصل بين المقبول والمهمل فإياك ثم إياك أن تجرح أحدا بمجرد قولهم من دون تنقيده بأقوال غيرهم كما ذكرت كل ذلك في " السعي المشكور في رد المذهب المأثور " وبعض الجروح لا تثبت برواية معتبرة كروايات الخطيب في جرحه وأكثر من جاء بعده عيال على روايته فهي مردودة ومجروحة
    ومنها : أن كثيرا من تلامذته كانوا من الوضاعين والمجروحين : كنوح الجامع وأبي مطيع البلخي والحسن اللؤلؤي . وهذا جرح مخالف لقوله تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ولو كان هذا جرحا لكان كثير من سادات أهل البيت كجعفر الصادق ومحمد الباقر ومن فوقهما من المجروحين فإن كثيرا من تلامذتهم كانوا رفاضا كذابين
    ومنها : أنه روى كثيرا عن الضعفاء . وهذا أمر مشترك بين العلماء فإن كثيرا من رواة الشافعي ومالك وأحمد والبخاري ومسلم ومن يحذو حذوهم كانوا ضعفاء
    ومنها : أنه كان قليل العربية وهذا الطعن أدرجه بعضهم في تصانيفهم مع كونه غير قادح عند أهل الحديث وحملة الأخبار ومع تصريح الثقات بجوابه والاعتذار كما في " تاريخ " ابن خلكان بعد ذكر كثير من مناقبه وكثير من مدائحه : وقد ذكر الخطيب في " تاريخه " شيئا كثيرا منها ثم أعقب ذلك بذكر ما كان الأليق تركه والإضراب عنه فمثل هذا الإمام لا يشك في دينه ولا في ورعه ولا تحفظه ولم يكن يعاب بشيء سوى قلة العربية فمن ذلك ما روي أن أبا عمرو بن العلاء المقرئ النحوي سأله عن القتل بالمثقل : هل يوجب القود أم لا ؟ كما هو عادة مذهبه خلافا للشافعي فقال له أبو عمرو : ولو قتله بحجر المنجنيق ؟ فقال : ولو قتله بأبا قبيس يعني الجبل المطل بمكة وقد اعتذروا عن أبي حنيفة أنه قال ذلك على لغة من يقول : إن الكلمات الست المعربة بالحروف وهي أبوه وأخوه وحموه وهنوه وفوه وذو مال إعرابها يكون في الأحوال الثلاث بالألف وأنشدوا في ذلك :
    إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها
    انتهى
    وبالجملة فمناقب الإمام لا تحصى ولا تعد ومعائبه وجروحه غير مقبولة على المعتمد وما مثله في ذلك إلا كمثل خاتم أنبياء بني إسرائيل سيدنا عيسى وخاتم الخلفاء الأربعة علي المرتضى حيث هلك فيهما محب مفرط ومبغض مفرط وكمثل سعد حيث شكاه عند عمر أهل الكوفة في كل شيء حتى قالوا : إنه لا يحسن يصلي فبرأه الله مما قالوا وهلكوا بدعائه المستجاب وخسروا كما لا يخفى على ناظر كتب الصحاح والسنن المسانيد . ومن أراد الاطلاع على التفصيل في محاسنه فليرجع إلى كتب مناقبه وغيرها فتندفع بها المعائب التي توهمها وفيما ذكرناه كفاية لأرباب الإنصاف وأما أهل الاعتساف فهم مطروحون خامدون لا يليق أن يخاطب بهم أرباب الانتصاف ولا حاجة لنا إلى أن نمدحه بمدائح كاذبة ومحاسن غير ثابتة كما ذكر جماعة من المحبين المفرطين أنه تعلم منه الخضر على نبينا وE وأن عيسى حين ينزل في زمن الدجال والإمام مهدي يحكمان بمذهبه وأنه بشر به رسول الله صلى الله عليه و سلم بقوله : " يكون في أمتي رجل يكنى بأبي حنيفة ويسمى بالنعمان ... " الحديث فإن أمثال هذه الأخبار كلها موضوعة وأشباه تلك المناقب كلها مكذوبة كما حققه علي القاري في " المشرب الوردي بمذهب المهدي " والسيوطي في " الإعلام بحكم عيسى عليه السلام " وابن حجر في " الخيرات الحسان في مناقب النعمان "

    الفائدة الحادية عشرة : [ أهمية رواية محمد وترجيحها على رواية يحيى المشهورة ]
    - قد كثر الاعتماد على موطأ مالك برواية يحيى الأندلسي الليثي المصمودي الذي شرحه الزرقاني وغيره ومر أنه المتبادر بالموطأ عند الإطلاق واشتهر فيما بين الموطأ ( أي بين روايات الموطأ ) اشتهارا كثيرا في الآفاق وأكب عليه العلماء ممن هو في عصرنا وكثير ممن سبقنا بتدريسه ومدوا إليه الأعناق وظن كثير منهم أن الموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني ( اختلف العلماء في تسمية هذا الكتاب فمنهم من قال موطأ محمد ومنهم من قال موطأ مالك برواية محمد بن حسن الشيباني وهذا هو الأنسب عندي وقد حقق ذلك أخونا الدكتور الفاضل محمد بن علوي المالكي الحسني في كتابه " أنوار المسالك إلى روايات موطأ مالك ص 172 " طبع بدولة قطر ) ليست بذاك وأنها ليست معتبرة ولا داخلة في ما هنالك
    والذي أقول طالبا الإنصاف من نقاد الفحول : أن الوجوه التي تخطر بالأوهام باعثة على عدم الاعتماد عليه ( في الأصل : " إليه " والصواب : " عليه " ) كلها غير مقبولة عند الأعلام بل له ترجيح على الموطأ برواية يحيى وتفضيل علية لوجوه مقبولة عند أولي الإفهام
    الأول : أن يحيى الأندلسي إنما سمع الموطأ بتمامه من بعض تلامذة مالك وأما مالك فلم يسمعه عنه بتمامه بل بقي قدر منه وأما محمد فقد سمع منه بتمامه كما مر فيما مر ومن المعلوم أن سماع الكل من مثل هذا الشيخ بلا واسطة أرجح من سماعه بواسطة
    الثاني : أنه قد مر أن يحيى الأندلسي حضر عند مالك في سنة وفاته وكان حاضرا في تجهيزه وأن محمدا لازمه ثلاث سنين من حياته ومن المعلوم أن رواية طويل الصحبة أقوى من رواية قليل الملازمة
    الثالث : أن موطأ يحيى اشتمل كثيرا على ذكر المسائل الفقهية واجتهادات الإمام مالك المرضية وكثير من التراجم ليس فيه إلا ذكر اجتهاده واستنباطه من دون إيراد خبر ولا أثر بخلاف موطأ محمد فإنه ليست فيه ترجمة باب ( في الأصل : " الباب " والصواب : " باب " ) خالية عن رواية مطابقة لعنوان الباب موقوفة كانت أو مرفوعة ومن المعلوم أن الكتاب المشتمل على نفس الأحاديث من غير اختلاط الرأي أفضل من المخلوط بالرأي
    الرابع : أن موطأ يحيى اشتمل على الأحاديث المروية من طريق مالك لا غيره وموطأ محمد مع اشتماله عليه مشتمل على الأخبار المروية من شيوخ أخر غيره ومن المعلوم أن المشتمل على الزيادة أفضل من العاري عن هذه الفائدة
    الخامس : وهو بالنسبة إلى الحنفية خاصة أن موطأ يحيى مشتمل كثيرا على اجتهاد مالك المخالفة لآراء أبي حنيفة وأصحابه وعلى الأحاديث التي لم يعمل بها أبو حنيفة وأتباعهم بادعاء نسخ أو إجماع على خلافه أو إظهار خلل في السند أو أرجحية غيره وغير ذلك من الوجوه التي ظهرت لهم فيتحير الناظر فيها ويبعث ذلك العامي على ( في الأصل : " إلى " والصواب : " على " ) الطعن عليهم أو عليها بخلاف موطأ محمد فإنه مشتمل على ذكر الأحاديث التي عملوا بها بعد ذكر ما لم يعملوا به ( في الأصل : " بعد ما ذكر ما لم يعملوا بها " وهو خطأ ) كما لا يخفي على من طالع بحث رفع اليدين والقراءة خلف الإمام وغيرها . وهذا نافع للعامي وللخاص أما العامي فيصير محفوظا عن سوء الظنون وأما الخاص فيبرز بتنقيد أحاديث الطرفين الترجيح المكنون وستطلع في كتابي هذا إن شاء الله تعالى على ذكر الترجيح في مواضعه فيما بين المذاهب المختلفة من دون الحمية حمية الجاهلية
    فإن قلت : إن موطأ يحيى هو المتبادر ( في الأصل : " هي المتبادرة " وهو خطأ ) من الموطأ عند الإطلاق وهذا آية ترجيحه على سائر الموطآت بخلاف موطأ محمد فإنه لا يتبادر منه عند الإطلاق
    قلت : يلزم منه ترجيح موطأ يحيى على موطأ القعنبي والتنيسي أيضا وهما أثبت الناس في الموطأ عند ابن معين وابن المديني والنسائي وموطأ معن بن عيسى أيضا وهو أثبت الناس في الموطأ عند أبي حاتم كما مر ذكره في الفائدة السادسة وليس كذلك
    فإن قلت موطأ يحيى هو المشهور ( في الأصل : " هي المشهورة " وهو خطأ ) في الآفاق وموطأ محمد ليس كذلك
    قلت : هذا لا يستلزم الترجيح في الشيء فإن وجه شهرته على ما ذكره الزرقاني في شرحه أن يحيى لما رجع إلى الأندلس انتهت إليه رئاسة الفقه بها وانتشر به المذهب وتفقه به من لا يحصى وعرض عليه القضاء فامتنع فعلت رتبته على القضاة وقبل قوله عند السلطان فلا يولي أحدا قاضيا في أقطاره إلا بمشورته واختياره ولا يشير إلا بأصحابه فأكب الناس عليه لبلوغ أغراضهم وهذا سبب اشتهار الموطأ بالمغرب من روايته دون غيره . انتهى
    فإن قلت : موطأ مالك برواية يحيى مشتمل على الأحاديث التي من طريقه وموطأ محمد مشتمل

    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    رد: كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 12:33 pm

    قلت : هذا يقتضي ترجيح موطأ محمد كما مر معنا ذكره وإنما يصلح هذا سببا لتبادر موطأ يحيى عند الإطلاق بالموطأ بالنسبة إلى موطأ محمد لا لترجيحه عليه
    فإن قلت : يحيى الأندلسي ثقة فاضل ومحمد ليس كذلك
    قلت : إن أريد به أنه لم يطعن على يحيى بشيء فهو غير صحيح لما قال الزرقاني في ترجمته : فقيه ثقة قليل الحديث وله أوهام مات سنة أربع وثلاثين ومائتين . انتهى . وإن أريد به أن الطعن عليه لا يقدح في وثاقته فكذلك محمد لا يوجب طعن من طعن عليه تركه والجواب عن الطعن عليه كالجواب عن الطعن على شيخه على أنه مر عن " الميزان " أنه كان من بحور العلم والفقه قويا في مالك : فإن ثبت ضعفه عن غير مالك فلا يضر فيما هنالك
    فإن قلت : كثير من شيوخ الأسانيد التي أوردها محمد ضعفاء ( في الأصل : " ضعيفة " وهو تحريف )
    قلت : أما الأسانيد التي أوردها من طريق مالك فشيوخها هم المذكورون في موطأ يحيى وغيره فلا يضر الكلام فيهم وأما التي أوردها من طريق غيره فليس أن جميع رجالها ضعفاء بل أكثرهم ثقات أقوياء وكون بعضهم من الضعفاء لا يقدح في المرام فإن هذا ليس أول قارورة كسرت في الإسلام ومن ادعى أن كلهم ضعفاء فليأت بالشهداء
    فإن قلت : جماعة من المتحدثين لا يعدون موطأ محمد في عداد الموطآت ولا يعتمدون عليه كاعتمادهم على سائر الموطآت
    قلت : إن كان ذلك لوجه وجيه فعلى الرأس والعين وإلا فإيراد هذا الكلام خارج عن البين وهناك جماعة من المحدثين قد عدوه في عداد الموطآت ونقدوا روايته كسائر الروايات
    فإن قلت : كان يحيى وغيره من رواة الموطأ من المحدثين ومحمد كان من أصحاب الرأي لا من المحدثين
    قلت : ليس كذلك فإن لمحمد تصانيف عديدة في الفقه والحديث منها : هذا الكتاب وكتاب الآثار وغيرهما ويحيى لم يشتهر له تأليف سوى هذا الموطأ وكلامنا فيه لا في غيرهما ( في الأصل : " كلامنا فيهما لا في غيرهما " وهو خطأ ) وأما الطعن عليه بأنه كان من أصحاب الرأي فغير مقبول عند أرباب العقل وسلامة الرأي كما مر ذكره عند ذكر شيخه

    الفائدة الثانية عشرة : في تعداد الأحاديث والآثار التي في موطأ الإمام محمد [ بالتفصيل ] :
    - وقد اجتهدت في جمعها وسهرت في عدها فأن كان وقع فيه الخطأ فأرجو من ربي العفو والعطاء
    من ابتداء الكتاب إلى باب الأذان والتثويب مائة ( 100 ) بعضها من طريق مالك وبعضها عن غير مالك
    أما من طريق مالك : فالمرفوعة اثنان وعشرون ( 22 ) وآثار أبي هريرة رضي الله عنه أربعة ( 4 ) وآثار أنس رضي الله عنه ثلاثة ( 3 ) وأثر عبد الله بن زيد رضي الله عنه واحد ( 1 ) وكذلك أثر عامر العدوي رضي الله عنه واحد ( 1 ) وأثر أبي بكر الصديق واحد ( 1 ) وأثر جابر رضي الله عنه واحد ( 1 ) وأثر صفية زوجة ابن عمر واحد ( 1 ) وأثر زيد بن ثابت رضي الله عنه واحد ( 1 ) وأثر أبي بن كعب رضي الله عنه واحد ( 1 ) وأثر زيد بن أسلم مولى عمر واحد ( 1 ) وأثر إبنة زيد بن ثابت واحد ( 1 ) وأثر أبي قتادة رضي الله عنه واحد ( 1 ) وآثار عمر بن الخطاب رضي الله عنه سبعة ( 7 ) وآثار سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه اثنان ( 2 ) وآثار ابن عمر أحد عشر ( 11 ) وآثار عثمان اثنان ( 2 ) وآثار سعيد بن المسيب ثلاثة ( 3 ) وآثار سالم بن عبد الله بن عمر اثنان ( 2 ) وآثار سليمان بن يسار اثنان ( 2 ) وكذلك آثار عروة بن الزبير بن العوام اثنان ( 2 ) وآثار عائشة رضي الله عنها خمسة ( 5 ) وجملتها خمسة وسبعون ( 75 )
    وأما من غير طريق مالك فالمرفوعة أربعة ( 4 ) : من طريق أيوب بن عتبة اليمامي واحد ( 1 ) وطريق الإمام أبي حنيفة ( 1 ) ومن طريق الربيع بن صبيع ( 1 ) وبلاغا ( 1 ) من غير ذكر السند . وآثار عبد الله بن العباس رضي الله عنه أربعة ( 4 ) أيضا : من طريق طلحة المكي ( 1 ) وطريق إبراهيم المدني ( 1 ) وطريق أبي العوام البصري ( 1 ) وطريق محمد بن أبان ( 1 ) وآثار علي بن أبي طالب رضي الله عنه اثنان ( 2 ) : من طريق الإمام أبي حنيفة ( 1 ) وطريق مسعر بن كدام ( 1 ) . وآثار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ثلاثة ( 3 ) : من طريق أبي حنيفة ( 1 ) وطريق سلآم بن سليم ( 1 ) وطريق أبي كدنية ( 1 ) وآثار حذيفة رضي الله عنه إثنان ( 2 ) من طريق سلام ( 1 ) وطريق مسعر ( 1 ) وآثار إبراهيم النخعي اثنان : من طريق محل الضبي ( 1 ) وطريق محمد بن أبان ( 1 ) . وكذلك آثار عائشة رضي الله عنه : اثنان ( 2 ) من طريق عباد بن العوام ( 1 ) وبلا سند . وأثر ابن المسيب واحد ( 1 ) من طريق إبراهيم المديني . وكذلك أثر عمار بن ياسر رضي الله عنه ( 1 ) من طريق مسعر وأثر سعد رضي الله عنه ( 1 ) من طريق يحيى بن المهلب . وأثر أبي الدرداء رضي الله عنه من طريق إسماعيل بن عياش وأثر مجاهد ( 1 ) من طريق سفيان الثوري . وأثر علقمة بن قيس من طريق سلام ( 1 ) . وجملتها : خمسة وعشرون ( 25 )
    ومن باب الأذان إلى باب الجلوس في الصلاة تسعة وستون ( 69 )
    أما من طريق مالك فالمرفوعة أربعة عشر ( 14 ) وآثار عمر رضي الله عنه أربعة ( 4 ) وآثار ابن عمر رضي الله عنه ستة عشر ( 16 ) وآثار جابر رضي الله عنه اثنان ( 2 ) وآثار أبي هريرة ثلاثة ( 3 ) وأثر عثمان رضي الله عنه واحد ( 1 ) وكذلك أثر عبد الله بن عمرو بن العاص ( 1 ) وأثر عائشة رضي الله عنها ( 1 ) وأثر كعب الأحبار ( 1 ) وأثر أبي بكر بن عبد الرحمن ( 1 ) . وجملتها أربعة وأربعون ( 44 )
    وأما من غيره فالمرفوعة أربعة ( 4 ) : من طريق القاضي أبي يوسف ( 1 ) وطريق أبي حنيفة ( 1 ) وطريق أبي علي ( 1 ) وطريق إسرائيل ( 1 ) . وآثار علي رضي الله عنه اثنان ( 2 ) : من طريق محمد بن أبان ( 1 ) ومن طريق أبي بكر النهشلي ( 1 ) . وآثار ابن عمر رضي الله عنه أربعة ( 4 ) : من طريق ابن أبان ( 1 ) وطريق عبيدالله العمري ( 1 ) وطريق عبد الرحمن المسعودي ( 1 ) وطريق أسامة المدني ( 1 ) . وآثار ابن مسعود ستة ( 6 ) : من طريق الثوري اثنان ( 2 ) وطريق ابن عيينة ( 1 ) وطريق ابن أبان ( 1 ) وطريق محل الضبي ( 1 ) وبلا سند ( 1 ) . وأثر سعد رضي الله عنه واحد ( 1 ) من طريق داود بن قيس . وكذلك أثر عمر رضي الله عنه من طريقه ( 1 ) . وأثر زيد من طريقه ( 1 ) . وأثر أنس رضي الله عنه من طريق يحيى بن سعيد ( 1 ) . وأثر القاسم بن محمد بن أبي بكر ( 1 ) من طريق أسامة . وأثر علقمة ( 1 ) من طريق بكير بن عامر . وآثار إبراهيم النخعي ثلاثة ( 3 ) : من طريق أبان ( 1 ) وطريق أبي يوسف ( 1 ) وطريق إسرائيل ( 1 ) . وجملتها خمسة وعشرون ( 25 )
    ومن باب الجلوس إلى باب وقت الجمعة ستة وسبعون ( 76 )
    أما من طريق مالك فالمرفوعة ثمانية وعشرون ( 28 ) وآثار ابن عمر اثنان وعشرون ( 22 ) وآثار عمر ستة ( 6 ) وأثر أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها واحد ( 1 ) وكذلك أثر أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها ( 1 ) وأثر معاذ رضي الله عنه ( 1 ) وأثر أبي هريرة رضي الله عنه ( 1 ) وأثر عائشة رضي الله عنها ( 1 ) وأثر زيد بن ثابت رضي الله عنه ( 1 ) وأثر أنس رضي الله عنه ( 1 ) وأثر أبي أيوب رضي الله عنه ( 1 ) وأثر سالم ( 1 ) وأثر ابن المسيب ( 1 ) وجملتها ستة وستون ( 66 )
    وأما من غيره فالمرفوعة اثنان ( 2 ) : من طريق بشر أو بسر أو محمد بن بشر ( 1 ) على اختلاف النسخ وطريق ابن أبان ( 1 ) . وآثار ابن عمر ستة ( 6 ) : بلاغا ( 1 ) ومن طريق أبي حنيفة ( 1 ) وطريق عمر بن ذر ( 1 ) وطريق ابن أبان ( 1 ) وطريق خالد الضبي ( 1 ) وطريق الفضل بن غزوان ( 1 ) . وأثر عمر واحد ( 1 ) بلاغا . وكذلك أثر عروة ( 1 ) عن ابن عياش وجملتها عشرة ( 10 )
    ومن باب وقت الجمعة لإلى باب أمر القبلة سبعون ( 70 )
    أما من طريق مالك فالمرفوعة ثمانية عشرة ( 18 ) وآثار عمر ثمانية ( 8 ) وآثىر عثمان ثلاثة ( 3 ) وآثار ابن عمرثلاثة ( 3 ) وآثار أبي هريرة ثلاثة ( 3 ) وأثر علي واحد ( 1 ) وكذلك أثر أبي بكر ( 1 ) وأثر عبد الله بن عامر بن ربيعة ( 1 ) وأثر مسعود ( 1 ) وأثر ابن عباس ( 1 ) وأثر بن الصامت رضي الله عنه ( 1 ) وأثر كعب ( 1 ) وأثر الزهري ( 1 ) وآثار القاسم ثلاثة ( 3 ) وجملتها ستة وخمسة ( 56 )
    وأما من غير طريق مالك فالمرفوعة ثلاثة : بلا سند ( 1 ) ومن طريق أبي حنيفة ( 1 ) ومن طريق سعيد بن عروة ( 1 ) وآثار عمر اثنان ( 2 ) : بلا سند ( 1 ) ومن طريق أبي حنيفة ( 1 ) وآثار ابن مسعود خمسة ( 5 ) : بلا سند ( 1 ) ومن طريق عبد الرحمن المسعودي ( 1 ) ومن طريق أبي معاوية المكفوف ( 1 ) ومن طريق أبي يوسف ( 1 ) ومن طريق سلام ( 1 ) . وأثر ابن عمر ( 1 ) بلا سند . وكذلك أثر عمار ( 1 ) بلاغا . وأثار ابن عباس اثنان ( 2 ) : بلا سند ( 1 ) ومن طريق اسماعيل ( 1 ) . وجملتها أربعة عشر ( 14 )
    ومن باب القبلة إلى فضل الجهاد ثمانية عشر ( 18 )
    اثنتا عشرة ( 12 ) مرفوعة من طريق مالك واثنان ( 2 ) من أثار ابن عمر من طريقه وأثر عمر واحد ( 1 ) من طريقه وكذلك أثر زيد ( 1 )
    والمرفوعة لمحمد اثنان ( 2 ) من طريق المبارك بن فضالة ( 1 ) ومن طريق بكير ( 1 )
    ومن باب فضل الجهاد إلى كتاب الزكاة سبعة وعشرون ( 27 )
    فالمرفوعة تسعة ( 9 ) وآثار ابن عمر ثمانية ( 8 ) وأثر أبي هريرة ثلاثة ( 3 ) وأثر أسماء زوجة أبي بكر واحد ( 1 ) وكذلك أثر عبد الله بن عمر ( 1 ) وأثر الخلفاء ( 1 ) وأثر عمر ( 1 ) وأثر عائشة ( 1 ) فهذه خمسة وعشرون ( 25 ) كلها من طريق مالك
    وأثر أبي هريرة ( 1 ) وأثر علي ( 1 ) كلاهما بلاغا من محمد
    ومن كتاب الزكاة إلى أبواب الصيام ثلاثون ( 30 )
    فالمرفوعة ستة ( 6 ) وآثار عثمان ثلاثة ( 3 ) وآثار ابن عمر أربعة ( 4 ) وآثار عمر خمسة ( 5 ) وأثر أبي بكر رضي الله عنه واحد ( 1 ) وكذلك أثر عائشة ( 1 ) وأثر أبي هريرة ( 1 ) وأثر سليمان بن يسار ( 1 ) وأثر ابن المسيب ( 1 ) وأثر عمر بن عبد العزيز ( 1 ) وأثر ابن شهاب ( 1 ) فهذه خمسة وعشرون ( 25 ) كلها من طريق مالك
    ولمحمد من المرفوعة ثلاثة ( 3 ) : اثنان ( 2 ) بلاغا واحد ( 1 ) بلا سند . وأثر عمر اثنان ( 2 ) بلا سند
    ومن كتاب الصيام إلى كتاب الحج تسعة وثلاثون ( 39 )
    فالمرفوعة عشرون ( 20 ) وآثار أبي هريرة اثنان ( 2 ) وكذلك آثار عمر اثنان ( 2 ) وأثار ابن عمر ستة ( 6 ) وأثر سعد واحد ( 1 ) وكذلك أثر ابن عباس ( 1 ) وأثر عثمان ( 1 ) وأثر عمرو بن العاص ( 1 ) وأثر الزهري ( 1 ) وأثر عروة ( 1 ) وأثر عائشة ( 1 ) فهذه سبعة وثلاثون ( 37 ) من طريق مالك ولمحمد مرفوعان ( 2 ) بلاغا
    ومن كتاب الحج إلى كتاب النكاح مائة وستة وسبعون ( 176 )
    أما من طريق مالك فالمرفوعة تسعة وأربعون ( 49 ) وآثار ابن عمر ثلاثة وخمسون ( 53 ) وأثرعمر أو ابن عمر على الشك من المؤلف واحد ( 1 ) وآثار عائشة ستة ( 6 ) وآثار عمر ثلاثة وعشرون ( 23 ) وآثار ابن عباس أربعة ( 4 ) وآثار ابن المسيب ثلاثة ( 3 ) وأثر الضحاك بن قيس واحد ( 1 ) وكذا أثر سعد ( 1 ) وأثر عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ( 1 ) وأثر سالم ( 1 ) وأثر خارجة بن زيد بن ثابت ( 1 ) وأثر عروة ( 1 ) وأثر نافع ( 1 ) وأثر عثمان ( 1 ) وأثر المسور بن مخرمة ( 1 ) وأثر أبي أيوب ( 1 ) وأثر أبان بن عثمان ( 1 ) وأثر أبي الزبير المكي ( 1 ) وأثر أبي هريرة ( 1 ) وأثر كعب الأحبار ( 1 ) وأثر الزبير بن العوام ( 1 ) وأثر ابنه عبد الله ( 1 ) وأثر عمرة ( 1 ) وأثر علي ( 1 ) وأثر معاوية ( 1 ) وآثار القاسم ثلاثة ( 3 ) وجملتها مائة وواحد وستون ( 161 )
    وأما عن غير مالك فالمرفوعة عشرة ( 10 ) : ثلاثة ( 3 ) بلا سند وستة ( 6 ) بلاغا وواحد ( 1 ) من طريق أبي يوسف وآثار عمر اثنان ( 2 ) بلا سند وأثر علي واحد ( 1 ) بلا سند وكذلك أثر زيد ( 1 ) وأثر ابن مسعود ( 1 ) . جملتها خمسة عشر ( 15 )
    ومن كتاب النكاح إلى الطلاق ثمانية وثلاثون ( 38 )
    أما من طريق مالك فالمرفوعة تسعة ( 9 ) وآثار زيد ثلاثة ( 3 ) وآثار عمر ستة ( 6 ) وأثر عثمان ( 1 ) وكذا أثر سعد ( 1 ) وأثر أبي أيوب ( 1 ) وأثر علي ( 1 ) وأثر القاسم ( 1 ) وأثر عروة ( 1 ) وآثار ابن المسيب أربعة ( 4 ) وجملتها ثمانية وعشرون ( 28 )
    وأما عن غيره فالمرفوع واحد ( 1 ) من طريق أبي حنيفة . وآثار عمر ثلاثة ( 3 ) : من طريق الحسن بن عمارة ( 1 ) وطريق محمد بن أبان ( 1 ) وطريق يزيد بن عبد الهاد ( 1 ) . وأثر علي واحد ( 1 ) من طريق الحسن بن عمارة . وكذا أثر ابن مسعود ( 1 ) من طريق أبي حنيفة . وأثر زيد بلاغا ( 1 ) . وأثر عمار بن ياسر ( 1 ) بلا سند . وقول مسروق بلا سند ( 1 ) . وجملتها عشرة ( 10 )
    ومن كتاب الطلاق إلى الرضاع ثمانون ( 80 )
    فالمرفوعة ثمانية ( 8 ) وآثار ابن عمرسبعة عشر ( 17 ) وآثار عمر سبعة ( 7 ) وآثار عثمان أيضا سبعة ( 7 ) وآثار زيد أربعة ( 4 ) وكذا آثار عائشة ( 4 ) وآثار ابن المسيب ( 4 ) وآثار أم المؤمنين حفصة ( 1 ) وكذا أثر رافع بن خديج ( 1 ) وأثر أبي هريرة ( 1 ) وأثر ابن عباس ( 1 ) وأثر عمرو بن العاص ( 1 ) وأثر علي ( 1 ) وأثر صفية زوجة ابن عمر ( 1 ) وأثر مروان ( 1 ) وأثر القاسم ( 1 ) وأثر أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ( 1 ) وهذه كلها من طريق مالك . وجملتها واحد وستون ( 61 )
    ومن غير طريقه آثار عمر ثلاثة ( 3 ) : من طريق هشيم بن بشير ( 1 ) ومن طريق أبي حنيفة ( 1 ) وبلاغا ( 1 ) وآثار علي أربعة ( 4 ) : من طريق الحسن بن عمارة ( 1 ) وطريق إبراهيم المكي ( 1 ) وطريق ابن عيينة ( 1 ) وبلا سند ( 1 ) . وآثار ابن مسعود ثلاثة ( 3 ) : اثنان ( 2 ) من طريق أبي حنيفة وواحد ( 1 ) بلاغا . وآثار ابن عمر اثنان ( 2 ) : بلا سند ( 1 ) ومن طريق عيسى الخياط ( 1 ) . وآثار عثمان اثنان ( 2 ) : من غير سند ( 1 ) وبلاغا ( 1 ) . وكذا آثار ابن عباس بلا سند ( 1 ) وبلاغا ( 1 ) . وأثر زيد واحد ( 1 ) بلاغا . وكذا أثر ثلاثة عشر من الصحابة من طريق عيسى الخياط . وأثر ابن المسيب ( 1 ) من طريقه . وجعلتها تسعة عشرة ( 19 )
    ومن كتاب الرضاع إلى الأضحية أربعة عشر ( 14 )
    كلها من طريق مالك فالمرفوعة ثلاثة ( 3 ) وكذا آثار عائشة ( 3 ) وأثر ابن عباس اثنان ( 2 ) وكذا آثار ابن المسيب ( 2 ) وأثر ابن عمر واحد ( 1 ) وكذا أثر عروة ( 1 ) وحفصة ( 1 ) وعمر ( 1 )
    وفي كتاب الأضحية والذبائح أربعة عشرة ( 14 )
    أيضا كلها عن مالك فالمرفوعة ثمانية ( 8 ) وآثار ابن عمر أربعة ( 4 ) وأثر أبي أيوب واحد ( 1 ) وكذا قول ابن المسيب ( 1 )
    وفي كتاب الصيد والعقيقة اثنان وعشرون ( 22 )
    المرفوعة ستة ( 6 ) وكذا آثار ابن عمر ( 6 ) وآثار فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم اثنان ( 2 ) وأثر عمر واحد ( 1 ) وكذا أثر ابن المسيب ( 1 ) وأثر عبد الله بن عمرو ( 1 ) وأثر زيد ( 1 ) وأثر ابن عباس ( 1 ) وأثر أبي هريرة ( 1 ) هذه من طريق مالك عشرون ( 20 )
    وأثر علي واحد من طريق عبد الجبار ومرفوع من طريق أبي حنيفة
    وفي أبواب الديات والقسامة اثنان وعشرون ( 22 ) أيضا فالمرفوعة سبعة ( 7 ) وآثار عمر أربعة ( 4 )
    آثار ابن عباس اثنان ( 2 ) وآثار ابن المسيب ثلاثة ( 3 ) وآثار سليمان بن يسار اثنان ( 2 ) وأثر زيد واحد ( 1 ) وكذا قول ابن شهاب ( 1 ) هذه من طريق مالك عشرون ( 20 )
    وأثر ابن مسعود ( 1 ) وأثر عمر كلاهما لمحمد بلا سند
    وفي كتاب الحدود في السرقة ثلاثة عشر ( 13 )
    فالمرفوعة أربعة ( 4 ) وأثر عمر ( 1 ) وعائشة ( 1 ) وعثمان ( 1 ) وأبي بكر الصديق ( 1 ) وابن عمر ( 1 ) وزيد واحد ( 1 ) هذه من طريق مالك عشرة ( 10 )
    وآثار عمر وعلي وأبي بكر ( 3 ) وبلاغا لمحمد
    وفي أبواب الحدود في الزنا ثلاثة وعشرون ( 23 )
    فالمرفوعة ثمانية ( 8 ) وآثار عمر ستة ( 6 ) وآثار عثمان اثنان ( 2 ) وآثار أبي بكر ( 1 ) وابن عامر أو عمر ( 1 ) على اختلاف النسخ وأثر علي ( 1 ) وأثر عبد الملك بن مروان ( 1 ) وأثر عمر بن عبد العزيز ( 1 ) وقول ابن شهاب واحد ( 1 ) هذه اثنان وعشرون من طريق مالك
    وأثر علي لمحمد بلا سند ( 1 )
    وفي أبواب الأشربة ثلاثة عشر ( 13 )
    كلهاعن مالك فالمرفوعة سبعة ( 7 ) وآثار عمر ثلاثة ( 3 ) وأثر علي ( 1 ) وابن عمر ( 1 ) وأنس واحد ( 1 )
    وفي أبواب الفرائض والوصايا ثلاثة وعشرون ( 23 ) فالمرفوعة خمسة ( 5 ) وآثار عمر ستة ( 6 ) وأثر عثمان واحد ( 1 ) وكذا أثر أبان بن عثمان ( 1 ) وأثر علي بن حسين ( 1 ) وأبي بكر ( 1 ) وقول سعيد بن المسيب ( 1 ) هذه ستة عشر من طريق مالك
    وآثار عمر وعلي وابن مسعود لمحمد بلا سند ( 3 ) وكذا آثار أبي بكر وابن عباس وقول ابن شهاب ( 3 ) ومرفوع له بلا سند ( 1 )
    وفي أبواب الأيمان والنذور عشرون ( 20 )
    فالمرفوعة أربعة ( 4 ) وكذا آثار ابن عمر ( 4 ) وآثار عائشة اثنان ( 2 ) وكذا آثار ابن عباس ( 2 ) وآثار ابن المسيب وابن يسار وعطاء بن أبي رباح كل منها واحد ( 1 ) هذة عن مالك خمسة عشر ( 15 )
    وآثار عمر لمحمد ثلاثة ( 3 ) : من طريق سلام ( 1 ) ويونس ( 1 ) وسفيان ( 1 ) . أثر مجاهد واحد ( 1 ) من طريق سفيان . وكذا أثر علي من طريق شعبة ( 1 )
    ومن كتاب البيوع إلى باب القضاء ستون ( 60 )
    فمن طريق مالك المرفوعة ثلاثة وعشرون ( 23 ) وآثار عمر أربعة ( 4 ) وآثار ابن عمر ثلاثة ( 3 ) وكذا آثار عثمان ثلاثة ( 3 ) وآثار ابن المسيب خمسة ( 5 ) وآثار زيد اثنان ( 2 ) وأثر عبد الرحمن بن عبد يغوث واحد ( 1 ) وكذا أثر سعد ( 1 ) وأثر علي ( 1 ) وأثر عمرة ( 1 ) وأثر القاسم ( 1 ) واثر محمد بن عمرو بن حزم ( 1 ) وأثر أبان ( 1 ) وأثر هشام بن اسماعيل ( 1 ) وأثر سليمان بن يسار ( 1 ) وأثر عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - ( 1 ) هذه خمسون
    ومن طريقه المرفوع اثنان ( 2 ) بلا سند وأثر ابن عباس ( 1 ) بلا سند وكذا أثر الحسن البصري ( 1 ) وقول عمر ( 1 ) وقول ابن عمر ( 1 ) وقول سعيد بن جبير ( 1 ) وأثر زيد ( 1 ) وأثر عمر من طريق يونس ( 1 ) وأثر علي من طريق ابن أبي ذئب ( 1 )
    ومن باب القضاء إلى أبواب العتق ثمانية وثلاثون ( 38 )
    فالمرفوعة خمسة عشر ( 15 ) وآثار عمر - رضي الله عنه - تسعة ( 9 ) وآثار ابن عمر ثلاثة ( 3 ) وآثار ابن المسيب ستة ( 6 ) وأثر أبي بكر الصديق واحد ( 1 ) وكذا أثر عثمان ( 1 ) وأثر رافع بن خديج رضي الله عنه ( 1 ) هذه ستة وثلاثون ( 36 ) من طريق مالك
    وأثر شريح لمحمد بلاغا ( 1 ) أثر ابن جبير ( 1 ) بلا سند
    ومن أبواب العتق إلى أبواب السير اثنان وثلاثون ( 32 )
    فالمرفوعة سبعة ( 7 ) وآثار عائشة اثنان ( 2 ) وكذا آثار عمر ( 2 ) وآثار عثمان ( 2 ) وآثار ابن المسيب ( 2 ) وآثار ابن عمر ثلاثة ( 3 ) وأثر الصديق واحد ( 1 ) وكذا أثر أم سلمة ( 1 ) وأثر مروان ( 1 ) وأثر زيد ( 1 ) وأثر عروة ( 1 ) وأثر عبد الملك بن مروان ( 1 ) وأثر سليمان بن يسار ( 1 ) هذة خمسة وعشرون ( 25 ) من طريق مالك
    والمرفوعة لمحمد اثنان ( 2 ) بلاغا واحد ( 1 ) ومن طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى ( 1 ) وأثر ابن عباس واحد ( 1 ) بلاغا وكذا أثر زيد ( 1 ) بلا سند وأثر ابن عمر ( 1 ) بلا سند وأثر ابن شهاب ( 1 ) وأثر عطاء ( 1 )
    ومن أبواب السير إلى آخر الكتاب مائة وثلاثة وستون ( 163 )
    فالمرفوعة اثنان وتسعون ( 92 ) وآثار ابن عباس أربعة ( 4 ) وآثار عمر أربعة عشر ( 14 ) وآثارابنه أحد عشر ( 11 ) وآثار عثمان اثنان ( 2 ) وكذا آثار الصديق ( 2 ) وآثار عمر بن عبد العزيز ( 2 ) وآثار ابن المسيب ثمانية ( 8 ) وآثار عائشة خمسة ( 5 ) وأثر علي واحد ( 1 ) وكذا أثر سعد ( 1 ) وأثر أبي هريرة ( 1 ) وأثر زيد ( 1 ) وأثر أبي طلحة ( 1 ) وأثر سهل بن حنيف ( 1 ) وأثر أبي أيوب ( 1 ) وأثر عبد الرحمن بن يغوث ( 1 ) وأثر عامر ( 1 ) وأثر جمع من الصحابة لم يسموا ( 1 ) وأثر عمر بن عبد الله ( 1 ) وأثر سيدنا عيسى على نبينا وعليه السلام ( 1 ) وأثر أبي الدرداء ( 1 ) وأثر حفصة ( 1 ) وأثر القاسم ( 1 ) وأثر مالك الأصبحي ( 1 ) هذه كلها من طريق مالك مائة وستة وخمسون ( 156 )
    وأثر زيد من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد ( في الأصل : ( الرتاد ) وهو تحريف ) ( 1 ) . وأثر ابن مسعود ( 1 ) من طريق الثوري . وأثر عمر ( 1 ) بلاغا . وأثر سعيد بن جبير كذلك ومرفوع ( 1 ) كذلك وأثر ابن مسعود ( 1 ) بلا سند وكذلك أثر ابن عمر ( 1 )
    فجميع ما في هذا الكتاب من الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة على الصحابة ومن بعدهم مسندة كانت أو غير مسندة ألف ومائة وثمانون ( 1180 ) منها عن مالك ألف وخمسة ( 1005 ) وبغير طريقه مائة وخمسة وسبعون ( 175 ) منها عن أبي حنيفة ثلاثة عشر ( 13 ) ومن طريق أبي يوسف أربعة ( 4 ) والباقي عن غيرهما
    وليعلم أني أدخلت في هذا التعداد كل ما في هذا الكتاب من الأخبار والآثار سواء كانت مسندة أو غير مسندة بلاغية أو غير بلاغية وكثيرا ما تجد فيه آثارا متعددة عن رجل واحد أو عن رجال الصحابة وغيرهم بسند واحد وتجد أيضا كثيرا المرفوع والآثار بسند واحد فذكرت في هذا التعداد كل واحد على حدة فليحفظ ذلك
    الفائدة الثالثة عشر : في عادات الإمام محمد في هذا الكتاب وآدابه :
    منها : أنه يذكر ترجمة الباب ويذكر متصلا به رواية عن الإمام مالك موقوفة كانت أو مرفوعة
    ومنها : أنه لا يذكر في صدر العنوان إلا لفظ الكتاب أو الباب وقد يذكر لفظ الأبواب وليس فيه في موضع لفظ الفصل إلا في موضع اختلفت فيه النسخ ولعله من أرباب النسخ
    ومنها : أنه يذكر بعد ذكر الحديث أو الأحاديث مشيرا إلى ما أفادته : وبهذا نأخذ أو به نأخذ ويذكر بعده تفصيلا ما وقد يكتفي على أحدهما ومثل هذا دال على اختياره والإفتاء به ( في الأصل : " عليه " وهو تحريف )
    كما قال السيد أحمد الحموي في " حواشي الأشباه والنظائر " في جامع المضطرات والمشكلات : أما العلامات المعلمة على الفتوى فقوله : وعليه الفتوى وبه يفتى وبه يعتمد وبه نأخذ وعليه الاعتماد وعليه عمل الأمة وعليه العمل اليوم وهو الصحيح وهو الأصح وهو الظاهر وهو الأظهر وهو المختار في زماننا وفتوى مشائخنا وهو الأشبه وهو الأوجه . انتهى
    ومنها : أنه ينبه على ما يخالف مسلكه مما ( في الأصل : " ما " والظاهر : " مما " ) أفادته روايته عن مالك ويذكر سند مذهبه من غير طريق مالك
    ومنها : أنه لا يكتفي فيما يرويه عن غير مالك على شيخ معين كالإمام أبي حنيفة بل يسند عنه وعن غيره وعادته في " كتاب الآثار " أنه يسند كثيرا عن أبي حنيفة وعن غيره قليلا
    ومنها : أنه لا يقول في روايته عن شيوخه إلا أخبرنا لا سمعت ولا حدثنا ولا غير ذلك والشائع في اصطلاح المتأخرين الفرق بين حدثنا وأخبرنا بأن الأول خاص بما سمع من لفظ الشيخ كسمعت والثاني بما إذا قرأه بنفسه على الشيخ . قيل : هو مذهب الأوزاعي والشافعي ومسلم والنسائي وغيرهم وعند جمع هما على نهج واحد وهو مذهب الحجازيين والكوفيين ومالك وابن عيينة والبخاري وغيرهم كذا في شروح شرح النخبة وتفصيل هذا البحث ليطلب من رسالتي " ظفر الأماني "
    ومنها : أنه يذكر بعد ذكر مختاره موافقة مع شيخه بقوله : وهو قول أبي حنيفة إلا نادرا فيما خالفه فيه أبو حنيفة
    ومنها : أنه يذكر كثيرا بعد قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا ويريد بالفقهاء فقهاء العراق والكوفة والعامة يستعمل في استعمالهم بمعنى الأكثر قال ابن الهمام في " فتح القدير " في بحث إدراك الجماعة : ذهب جماعة من أهل العربية إلى أن العامة بمعنى الأكثر وفيه خلاف وذكر المشائخ أنه المراد في قولهم : قال به عامة المشائخ ونحوه . انتهى
    والظاهر أنه لا يريد في كل موضع من هذا اللفظ معنى الأكثر بل يريد به معنى الجماعة والطائفة فإن بعض المواضع التي وسمه به ليس بمسلك للأكثر
    ومنها : أنه قد يصرح بذكر مذهب إبراهيم النخعي أيضا لكونه مدار مسلك الحنفية
    قال المحدث الدهلوي مؤلف " حجة الله البالغة " وغيره في رسالته " الإنصاف في بيان سبب الاختلاف " ( ص 11 ) : ولعمري إنها حقيقة بما سميت به ومن طالعها بنظر صحيح خرج عن اعتسافه إذا اختلفت مذاهب الصحابة والتابعين في مسألة فالمختار عند كل عالم مذهب أهل بلده وشيوخه لأنه أعرف في الصحيح من أقاويلهم في السقيم . فمذهب عمر وعثمان وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وأصحابهم مثل سعيد بن المسيب - فإن هكان أحفظهم لقضايا عمر وحديث أبي هريرة وسالم وعكرمة وعظاء وأمثالهم - أحق بالأخذ من غيره عند أهل المدينة . ومذهب عبد الله بن مسعود وأصحابه وقضايا علي وشريح والشعبي وفتاوى إبراهيم النخعي أحق بالأخذ عند أهل الكوفة من غيره . فإن اتفق أهل البلد على شيء أخذوا عليه بنواجذهم وهو الذي يقول في مثله مالك : السنة التي لا اختلاف فيها عندنا كذا وإن اختلفوا أخذوا بأقواها وأرجحها . انتهى كلامه ملخصا
    وقال أيضا في تلك الرسالة ( الإنصاف في بيان سبب الاختلاف : ص 13 ) : كان مالك أعلمهم بقضايا عمر وعبد الله بن عمر وعائشة وأصحابهم من الفقهاء السبعة وكان أبو حنيفة ألزمهم بمذهب إبراهيم حتى لا يجاوزه إلا ما شاء الله . وكان عظيم الشأن في التخريج على مذهبه دقيق النظر في وجوه التخريجات مقبلا على الفروع أتم إقبال وإن شئت أن تعلم حقيقة ما قلنا فلخص أقوال النخعي من كتاب " كتاب الآثار " لمحمد و " جامع " عبد الرزاق و " مصنف " ابن أبي شيبة ثم قايسه بمذهبه تجده لا يفارق تلك المحجة إلا في مواضع يسيرة وهو في تلك اليسيرة أيضا لا يخرج عما ذهب إليه فقهاء الكوفة وكان أشهر أصحابه أبو يوسف . تولى قضاء القضاة أيام هارون الرشيد فكان سببا لظهور مذهبه والقضاء به في أقطار العراق وخرسان وما وراء النهر وكان أحسنهم تصنيفا وألزمهم درسا محمد بن الحسن وكان من خبره أنه تفقه بأبي حنيفة وأبي يوسف ثم خرج إلى المدينة فقرأ الموطأ على مالك ثم رجع إلى نفسه فطبق مذهب أصحابه على الموطأ مسألة مسألة فإن وافق فيها وإلا فإن رأى طائفة من الصحابة والتابعين ذاهبين إلى مذهب أصحابه فكذلك وإن وجد قياسا ضعيفا أو تخريجا لينا يخالفه حديث صحيح مما عمل به الفقهاء ويخالفه عمل أكثر العلماء تركه إلى مذهب من مذاهب السلف مما يراه أرجح مما هنالك وهما لا يزالان على محجة إبراهيم ما أمكن كما كان أبو حنيفة يفعل ذلك وإنما كان اختلافهم في أحد شيئين : إما أن يكون لشيخهما تخريج على مذهب إبراهيم يزاحمانه فيه أو يكون هناك لإبراهيم ونظرائه أقوال مختلفة يخالفان في ترجيح بعضها على بعض فصنف محمد وجمع رأي هؤلاء الثلاثة . ونفع كثيرا من الناس فتوجه أصحاب أبي حنيفة إلى تلك التصانيف تلخيصا وتقريبا وتخريجا وتأسيسا واستدلالا ثم تفرقوا إلى خرسان وما وراء النهر فسمي ذلك مذهب أبي حنيفة وإنما عد مذهب أبي يوسف ومحمد واحدا مع أنهما مجتهدان مطلقان لأن مخالفتهما غير قليلة في الأصول والفروع لتوافقهم في هذا الأصل . . ولتدوين مذهبهم حميعا في " المبسوط " و " الجامع الكبير " . انتهى كلامه ملتقطا
    ومنها : أنه لا يذكر في هذا الكتاب وكذا في " كتاب الآثار " مذهب صاحبه أبي يوسف لا موافقا ولا مخالفا فإياك أن تفهم باقتصاره على ذكر مذهبه ومذهب شيخه على سبيل مفهوم المخالفة مخالفته كما فهمه القاري في بعض رسائله على ما ستطلع عليه في موضعه أو بناء على أنه لو كان مخالفا لذكره موافقته وعادته في " الجامع الصغير " وغيره من تصانيفه بخلافه
    ومنها : أن كثيرا ما يقول : هذا حسن أو جميل أو مستحسن وأمثال ذلك ويريد به معنى أعم مقابل الواجب بقرينة أنه يقول في بعض مواضعه : هذا حسن وليس بواجب فيشمل السنة المؤكدة وغير المؤكدة فإياك أن تفهم في كل أمر وسمه به استحبابه وعدم سنيته
    ومنها : أنه قد يقول في بعض السنن : لفظة ( لا بأس ) كما في بحث التراويح وغيره ويريد به نفس الجواز لا غيره وهو عند المتأخرين مستعمل غالبا في المكروه تنزيها فإياك أن لا تفرق بين الاستعمالين وتقع في الشين
    ومنها : أنه كثيرا ما يقول : ينبغي كذا وكذا فلا تفهم منه نظرا إلى استعمالات المتأخرين أن كل أمر صدره به مستحب ليس بسنة ولا واجب فإن هذه ( في الأصل : " هذا " وهو خطأ ) اللفظة تستعمل في عرف القدماء في المعنى الأعم الشامل للسنة المؤكدة والواجب ومن ثم لما قال القدوري في مختصره : ينبغي للناس أن يلتمسوا الهلال في اليوم التاسع والعشرين أي من شعبان فسره ابن الهمام بقوله : أي يجب عليهم وهو واجب على الكفاية . انتهى
    وقال ابن عابدين الشامي في " رد المحتار " حاشية الدر المختار في كتاب الجهاد : المشهور عند المتأخرين استعمال ينبغي بمعنى يندب ولا ينبغي بمعنى يكره تنزيها وإن كان في عرف المتقدمين استعماله في أعم من ذلك وهو في القرآن كثير لقوله تعالى : { ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء } ( سورة الفرقان : آية 25 ) . وقال في " المصباح " : ينبغي أن يكون كذا وكذا معناه يجب أو يندب بحسب ما فيه من الطلب . انتهى كلامه
    ومنها : أنه قد يذكر مذهب شيخه مالك أيضا موافقا أو مخالفا ومذاهب الصحابة مسندة أو غير مسندة
    ومنها : أنه يطلق لفظ الأثر ويريد معنى أعم شاملا للحديث المرفوع والموقوف على الصحابة ومن بعدهم وهو كذلك في عرف القدماء وخصه بعض من خلفهم بالموقوف وهو مشهور عند متأخري الفقهاء كما حققه النووي في " المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج " وفصلته أنا في " ظفر الأماني بشرح المختصر المنسوب إلى الجرجاني " وفقني الله لختمته كما وفقني لبدئه
    ومنها : أنه يذكر بعض الآثار والأخبار غير مسندة ويصدر بعضها بقوله : بلغنا وقد ذكروا كما في " رد المحتار " وغيره أن بلاغاته مسندة

    خاتمة
    :
    - ليس في هذا الكتاب حديث موضوع نعم فيه ضعاف أكثرها يسيرة الضعف المنجبر بكثرة الطرق وبعضها شديدة الضعف لكنه غير مضر أيضا لورود مثل ذلك في صحاح الطرق وستطلع على جميع ذلك إن شاء الله تعالى في مواضعها . هذا آخر المقدمة ومن الله أرجو حسن الخاتمة وعيش الدنيا والآخرة والحمد لله رب العالمين والصلاة على رسوله محمد وآله وصحبه أجمعين

    أبواب الصلاة
    بسم الله الرحمن الرحيم ( 1 )
    _________
    ( 1 ) قوله : بسم الله الرحمن الرحيم مقتصرا عليها كأكثر المتقدمين دون الحمد والشهادة مع ورود قوله صلى الله عليه و سلم : " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله أقطع " وقوله : " كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء " أخرجهما أبو داود ( انظر سنن أبي داود . كتاب الأدب 4 / 261 ) وغيره من حديث أبي هريرة . قال الحافظ ( فتح الباري 1 / 8 ) : لأن الحديثين في كل منهما مقال سلمنا صلاحتهما للحجة . لكن ليس فيهما أن ذلك متعين بالنطق والكتابة معا فلعله حمد وتشهد نطقا عند وضع الكتاب ولم يكتب ذلك اقتصارا على البسملة لأن القدر الذي يجمع الأمور الثلاثة ذكر الله وقد حصل بها ويؤيده أن أول شيء نزل من القرآن : { اقرأ باسم ربك } ( سورة العلق : آية 1 ) . فطريق التأسي به الافتتاح بالبسملة والاقتصار عليها . ويؤيده أيضا وقوع كتب النبي صلى الله عليه و سلم إلى الملوك وكتبه في القضايا مفتتحة بالتسمية دون الحمدلة وغيرها . هذا من " شرح موطأ مالك " ( 1 / 10 . وفي بعض النسخ بعد التسمية : " أبواب الصلاة " فأثبتناه في العنوان ) للزرقاني محمد بن عبد الباقي المالكي

    1 - ( باب ( 1 ) وقوت الصلاة ) ( 2 )
    1 - قال محمد بن الحسن : أخبرنا مالك بن أنس عن يزيد ( 3 ) بن زياد مولى بني هاشم عن عبد الله ( 4 ) بن رافع مولى أم سلمة ( 5 ) رضي الله عنها زوج ( 6 ) النبي صلى الله عليه و سلم عن أبي هريرة ( 7 ) أنه ( 8 ) سأله عن وقت الصلاة ( 9 ) فقال أبو هريرة ( 10 ) أنا أخبرك : صل الظهر ( 11 ) إذا كان ظلك مثلك ( 12 ) والعصر ( 13 ) إذا كان ظلك مثليك والمغرب إذا غربت الشمس ( 14 ) والعشاء ما بينك ( 15 ) وبين ثلث الليل ( 16 ) فإن نمت إلى نصف الليل فلا نامت عيناك ( 17 ) وصل ( 18 ) الصبح بغلس ( 19 )
    قال محمد : هذا قول أبي حنيفة رحمه الله ( 20 ) في وقت العصر وكان يرى الإسفار في الفجر ( 21 ) وأما في قولنا فإنا نقول : إذا زاد الظل على المثل فصار مثل الشيء وزيادة ( 22 ) من حين زالت الشمس فقد دخل ( 23 ) وقت العصر . وأما أبو حنيفة فإنه قال ( 24 ) : لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل مثليه ( 25 )
    _________
    ( 1 ) قدمه لأنها أصل في وجوب الصلاة فإذا دخل الوقت وجب الوضوء وغيره قاله الزرقاني ( 1 / 11 )
    ( 2 ) قوله : وقوت الصلاة في رواية ابن بكير أوقات جمع قلة وهو أظهر لكونها خمسة : لكن وجه رواية الأكثرين وقوت جمع كثرة وإنها وإن كانت خمسة لكن لتكرارها كل يوم صارب كأنها كثيرة كقولهم شموس وأقمار ولأن الصلاة فرضت خمسين وثوابها كثواب الخمسين ولأن كل واحد من الجمعين قد يقوم مصام الآخر توسعا أو لأنهما يشتركان في المبدأ من ثلاثة ويفترقان في الغاية على ما ذهب إليه بعض المحققين أو لأن لكل صلاة ثلاثة أوقات : اختباري وضروري وقضاء . قاله الزرقاني ( 1 / 11 )
    ( 3 ) قوله : عن يزيد قال ابن حجر في " تقريب التهذيب " ( 2 / 364 ) : يزيد بن زياد أو ابن أبي زياد قد ينسب إلى جده مولى بني مخزوم مدني ثقة
    ( 4 ) قوله عن عبد الله قال ابن حجر ( تقريب التهذيب 1 / 413 ) : عبد الله بن رافع المخزومي أبو رافع المدني مولى أم سلمة ثقة
    ( 5 ) قوله : مولى أم سلمة هي هند بنت أبي أمية واسمه حذيفة القرشية المخزومية تزوجها رسول الله صلى الله عليه و سلم عقب وقعة بدر وماتت في شوال سنة 62 ، كذا في " إسعاف السيوطي " ( ص 50 )
    ( 6 ) قوله زوج النبي ... إلخ الزوج : البعل والمرأة أيضا ومنه قوله تعالى : { اسكن أنت وزوجك الجنة } ( سورة البقرة : آية 35 ) وقوله تعالى : { قل لأزواجك } ( سورة الأحزاب : آية 28 ) . كذا في جواهر القرآن لمحمد بن أبي بكر الرازي
    ( 7 ) قوله : عن أبي هريرة هو حافظ الصحابة اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال كثيرة أرجحها عند الأكثر عبد الرحمن بن صخر مات سنة 59 هـ وقيل : قبلها بسنة أو سنتين كذا في " التقريب " ( 2 / 484 )
    ( 8 ) أي أن أبا رافع سأل أبا هريرة
    ( 9 ) الواحدة أو الجنس
    ( 10 ) قوله : فقال أبو هريرة ... إلخ هذا الحديث موقوف ( الموقوف من الحديث مايروى عن الصحابة رضي الله عنهم من أقوالهم أو أفعالهم أو تقريرهم . وسمي موقوفا لأنه وقف عليهم ولم يتجاوزهم إلى النبي صلى الله عليه و سلم
    ( قال ابن عبد البر بعدما ذكر أثر أبي هريرة المذكور وفقه رواة الموطأ والمواقيت لا تؤخذ بالرأي ولا تدرك إلا بالتوقيف . يعني فهو موقوف لفظا مرفوع حكما . أماني الأحبار 2 / 275 ) . من رواية مالك عن أبي هريرة وقد ذكر عنه مرفوعا ( المرفوع من الحديث : ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه و سلم من أقواله أو أفعاله أو تقريره ) في " التمهيد " . واقتصر فيه على ذكر أواخر الأوقات المستحبة دون أوائلها فكأنه قال : الظهر من الزوال إلى أن يكون ظلك مثلك والعصر من ذلك الوقت إلى أن يكون ظلك مثليك وجعل للمغرب وقتا واحدا وذكر من العشاء أيضا آخر الوقت المستحب كذا في " الاستذكار " ( 1 / 69 ) لابن عبد البر المالكي
    ( 11 ) قوله صل الظهر ... . إلخ أجمع علماء المسلمين على أن أول وقت صلاة الظهر زوال الشمس عن كبد السماء ووسط الفلك إذا استوقن ذلك في الأرض بالتأمل واختلفوا في آخر وقت الظهر فقال مالك وأصحابه : أخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله بعد القدر الذي زالت عليه الشمس وهو أول وقت العصر بلا فصل . وبذلك قال ابن المبارك وجماعة . وفي الأحاديث الواردة بإمامة جبريل ما يوضح لك أن آخر وقت الظهر هو أول وقت العصر وقال الشافعي وأبو ثور وداود : آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله إلا أن بين آخر وقت الظهر وأول وقت العصر فاصلة وهو أن يزيد الظل أدنى زيادة على المثل وقال الحسن بن صالح بن حي والثوري وأبو يوسف ومحمد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير الطبري : آخر وقت الظهر إذا كان ظل كل شيء مثله ثم يدخل وقت العصر ولم يذكروا فاصلة
    وقال أبو حنيفة : آخر وقت الظهر حين يصير ظل كل شيء مثليه . وخالفه أصحابه في ذلك وذكر الطحاوي رواية أخرى عنه أنه قال : آخر وقت الظهر أن يصير ظل كل شيء مثله مثل قول الجماعة ولا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه وهذا لم يتابع عليه
    وأما أول وقت العصر فقد تبين من قول مالك ما ذكرناه فيه ومن قول الشافعي ومن تابعه ما وصفناه وقال أبو حنيفة : أول وقت العصر من حين يصير الظل مثلين وهذا خلاف الآثار ( حديث أبي هريرة المذكور في الباب صريح فيما ذهب إليه الإمام الأعظم أبي حنيفة - رضي الله عنه - في ظاهر الرواية عنه أنه يخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر بالمثلين وبهذا الأثر استدل الإمام محمد على مسلك الإمام لأنه أمر بصلاة الظهر إذا تحقق المثل والعصر إذا صار المثلان فما قال صاحب " الاستذكار " أنه اقتصر على أواخر الأوقات تأويل لتاييد مذهبه وتوهم من نقله من الحنفيه في شرح كلام محمد رحمه الله تعالى فإنه يخالف صريح قول الإمام محمد ويكون من تأويل الكلام بما لا يرضى به قائله . أوجز المسالك 1 / 159 ) وخلاف الجمهور وهو قول عند الفقهاء من أصحابه وغيرهم مهجور
    واختلفوا في آخر وقت العصر فقال مالك : آخره حين يصير ظل كل شيء مثليه وهو عندنا محمول على وقت الاختيار وما دامت الشمس بيضاء نقية فهو وقت مختار أيضا للعصر عنده وعند سائر العلماء
    وقال ابن وهب عن مالك : الظهر والعصر آخر وقتهما غروب الشمس وهذا كله لأهل الضرورة كالحائض تطهر . وقال أبو يوسف ومحمد : وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله إلى أن تتغير الشمس وقال أبو ثور : إلى أن تصفر الشمس وهو قول أحمد بن حنبل وقال إسحاق : آخر وقته أن يدرك المصلي منها ركعة قبل الغروب وهو قول داود لكل الناس معذور وغير معذور
    واختلفوا في آخر وقت المغرب بعدما اتفقوا على أن أول وقتها غروب الشمس فالظاهر من قول مالك أنه عند مغيب الشفق وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد وأبو يوسف والحسن بن صالح وأبو ثور والشفق عندهم الحمرة . وقال الشافعي في وقت المغرب قولين أحدهما : أنه ممدود إلى مغيب الشفق والثاني : أن وقتها وقت واحد في حالة الاختيار . وأجمعوا على أن أول وقت العشاء مغيب الشفق واختلفوا في آخر وقتها فالمشهور من مذهب مالك لغير أصحاب الضرورات ثلث الليل وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تفوت إلا بطلوع الفجر
    وأجمعوا على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر وانصداعه وهو البياض المعترض في الأفق الشرقي . وروى القاسم
    عن مالك أن آخر وقتها الإسفار وقال ابن وهب عن مالك : آخر وقتها طلوع الشمس وهو قول الثوري والجماعة إلا أن منهم من شرط إدراك ركعة منها قبل الطلوع . هذا ملخص من الاستذكار ( 1 / 26 ، 46 ) شرح الموطأ لابن عبد البر رحمه الله
    ( 12 ) قوله : إذا كان ظلك مثلك قال الزرقاني ( شرح الزرقاني : 1 / 23 ) : أي مثل ظلك يعني قريبا منه بغير فيء الزوال . انتهى . ووجه تفسيره أنه إذا كان الظل مثلا يخرج وقت الظهر فلذا فسره بالقرب وهذا الوقت هو الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه و سلم بجبريل في اليوم الثاني من يومي إمامته وصلى في ذلك اليوم العصر إذا صار الظل مثلين وأما في اليوم الأول فصلى الظهر حين زالت الشمس وصار الفيء مثل الشراك والعصر حين كان ظل كل شيء مثله وهكذا ورد في رواية أبي داود والحاكم وصححه من حديث ابن عباس وفي روايتهم من حديث جابر وفي رواية البيهقي والطبراني وإسحاق بن راهويه من حديث أبي مسعود الأنصاري وفي رواية البزار والنسائي من حديث أبي هريرة وفي رواية عبد الرزاق من حديث عمرو بن حزم وفي رواية أحمد من حديث أبي سعيد الخدري وغيرهم
    وقال الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ( شرح معاني الآثار 1 / 89 ) بعد ذكر الروايات : ذكر عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه صلى الظهر حين زالت الشمس وعلى ذلك اتفاق المسلمين أن ذلك أول وقتها . وأما آخر وقتها فإن ابن عباس وأبا سعيد وجابرا وأبا هريرة رووا أنه صلاها في اليوم الثاني حين كان ظل كل شيء مثله فاحتمل أن يكون ذلك بعدما صار ظل كل شيء مثله فيكون هو وفت الظهر ويحتمل أن يكون ذلك على قرب أن يصير ظل كل شيء مثله
    وهذا جائز في اللغة فما روي أنه صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله يحتمل أن يكون على قرب أن يصير ظل كل شيء مثله فيكون الظل إذا صار مثله فقد خرج وقت الظهر والدليل على ما ذكرنا من ذلك أن الذين ذكروا هذا عنه قد ذكروا عنه أيضا أنه صلى العصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله ثم قال : ما بين هذين وقت فاستحال أن يكون مابينهما وقت وقد جمعهما في وقت واحد وقد دل على ذلك أيضا ما في حديث أبي موسى وذلك أنه قال في ما أخبر عن صلاته صلى الله عليه و سلم في اليوم الثاني : " ثم أخر الظهر حتى كان قريبا من العصر " فأخبر أنه صلاها في ذلك اليوم في قرب دخول وقت العصر لا في وقت العصر فثبت بذلك إذا أجمعوا في هذه الروايات أن بعدما يصير ظل كل شيء مثله وقت العصر وأنه محال أن يكون وقت الظهر . وأما ما ذكر عنه في صلاة العصر فلم يختلف عنه أنه صلاها في اليوم الأول في الوقت الذي ذكرناه عنه فثبت بذلك أنه أول وقتها وذكر عنه أنه صلاها في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه فاحتمل أن يكون هو آخر وقتها الذي خرج واحتمل أن يكون هو الوقت الذي لا ينبغي أن يؤخر الصلاة عنه وأن من صلاها بعده إن كان قد صلاها في وقتها مفرط وقد دل عليه ما حدثنا ربيع المؤذن نا أسد نا محمد بن الفضل عن الأعمش عن أبي صالح علن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إن للصلاة أولا وآخرا وإن أول وقت العصر حين يدخل وقتها وإن آخر وقتها حين تصفر الشمس " . ففي هذا أن آخر وقتها حين تصفر الشمس غير أن قوما ذهبوا إلى أن آخر وقتها إلى غروب الشمس واحتجوا بما حدثنا ابن مرزوق نا وهب بن جرير نا شعبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا : من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر . انتهى كلام الطحاوي ملخصا
    ( 13 ) بالنصب أي وصله
    ( 14 ) قوله : إذا غربت الشمس قال الطحاوي ( شرح معاني الآثار 1 / 91 ، 92 ) وقد ذهب قوم ( قال العلامة العيني : وذهب طاوس وعطاء ووهب بن منبه إلى أن أول وقت المغرب حين طلوع النجم وقال أبو بكر الجصاص الرازي : وقد ذهب شواذ من الناس إلى أن أول وقت المغرب حين يطلع النجم . أماني الأحبار 2 / 921 ) . إلى خلاف ذلك فقالوا : أول وقت المغرب حين يطلع النجم واحتجوا بما حدثنا فهد نا عبد الله بن صالح أخبرني الليث بن سعد عن جبير بن نعيم عن ابن هبيرة الشيباني عن أبي تميم عن أبي نصر الغفاري قال : صلى لنا رسول الله صلى الله عليه و سلم العصر فقال : " إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها فمن حافظ عليها منكم أوتي أجره مرتين ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد ويحتمل أن يكون الشاهد هو الليل وقد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان يصلي المغرب إذا توارت الشمس بالحجاب
    ( 15 ) قوله : ما بينك وبين ثلث الليل تكلم الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ( 1 / 93 ، باب مواقيت الصلاة ) ها ههنا كلاما حسنا ملخصه أنه قال : يظهر من مجموع الأحاديث أن آخر وقت العشاء حين يطلع الفجر وذلك أن ابن عباس وأبا موسى وأبا سعيد رووا أن النبي صلى الله عليه و سلم أخرها إلى ثلث الليل وروى أبو هريرة وأنس أنه أخرها حتى انتصف الليل وروى ابن عمر أنه أخرها حتى ذهب ثلث الليل وروت عائشة أنه أعتم بها حتى ذهب عامة الليل وكل هذه الروايات في " الصحيح " قال : فثبت بهذا كله أن الليل كله وقت لها ولكنه على أوقات ثلاثة فأما من حين يدخل وقتها إلى أن يمضي ثلث الليل فأفضل وقت صليت فيه وأما بعد ذلك إلى نصف الليل ففي الفضل دون ذلك وأما بعد نصف الليل فدونه ثم ساق بسنده عن نافع بن جبير قال : كتب عمر إلى أبي موسى : وصل العشاء أي الليل شئت ولا تغفلها
    ولمسلم في قصة التعريس ( صحيح مسلم بشرح النووي 5 / 184 ، باب قضاء الفائتة ط دار الفكر ) عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " ليس في النوم تفريط وإنما التفريط أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى " فدل على أن بقاء وقت الأولى إلى أن يدخل وقت الأخرى كذا في " نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية " للزيلعي ( 1 / 234 ، 235 )
    ( 16 ) قوله : ثلث الليل بضمتين وقد يسكن الوسط وقد جاءت على الوجهين أخواته إلى العشر ذكره النووي في شرح صحيح مسلم
    ( 17 ) قوله : فلا نامت عيناك وهو دعاء بنفي الاستراحة على من يسهو عن صلاة العشاء وينام قبل أدائها كذا في " مجمع البحار " ( 4 / 804 ) لمحمد طاهر الفتني

    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    رد: كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 12:34 pm

    ( 18 ) أعاد العامل اهتماما أو لطول الكلام فصلا
    ( 19 ) قوله : بغلس هو بفتح الغين المعجمة والباء الموحدة وشين معجمة في رواية يحيى بن يحيى وزاد يعني الغلس وفي رواية يحيى بن بكير والقعنبي وسويد بن سعيد بغلس قال الرافعي : هي ظلمة آخر الليل وقيل اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل . وقال الخطابي : الغبش بالباء والشين المعجمة قيل الغبس بالسين المهملة وبعده الغلس باللام وهي كلها في آخر الليل كذا في " تنوير الحوالك على موطأ مالك " ( 1 / 18 ، 20 ) للسيوطي رحمه
    ( 20 ) قوله : هذا قول أبي حنيفة ... إلخ إشارة إلى ما يشهد به ظاهر حديث أبي هريرة فأنه يدل على بقاء وقت الظهر إلى المثل حيث جوز الظهر عند كون الظل بقدر المثل وعلى أن وقت التصر حين يدخل ظل كل شيء مثليه حيث أخبر عن وقت العصر بأنه إذا صار ظل كل شيء مثليه والذي يقتضيه النظر أنه ليس غرض أبي هريرة من هذا الكلام بيان أوائل أوقات الصلاة ولا بيان أواخرها فإنه لو حمل على الأول لم يصح كلامه في الظهر فإن أول وقته عند دلوك الشمس ولو حمل على الثاني لم يصح كلامه في العصر والصبح فإن صيرورة الظل مثلين ليس آخر وقت العصر ولا الغلس آخر وقت الصبح بل غرضه بيان الأوقات التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجبريل في اليوم الثاني من يومي إمامته ليعرف به منتهى الأوقات المستحبة فإنه قد ورد في روايات من أشرنا إليه سابقا وغيرهم أن جبريل أم النبي صلى الله عليه و سلم في يومين فصلى معه الظهر في اليوم الأول حين زوال الشمس والعصر حين صار ظل كل شيء مثله والمغرب عند الغروب والعشاء عند غيبوبة الشفق والصبح بغلس ثم صلى معه في اليوم الثاني الظهر حين صار ظل كل شيء مثله والعصر حين صار ظل كل شيء مثليه والمغرب في الوقت الأول والعشاء عند ثلث الليل والصبح بحيث أسفر جدا فبين أبو هريرة تلك الأوقات مشيرا إلى ذلك وزاد في العشاء ما يشير إلى أن وقته إلى نصف الليل آخذا ذلك مما سمع عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أن للصلاة أولا وآخرا وأن أول وقت العشاء حين يغيب الشفق وأن آخر وقتها حين ينتصف الليل أخرجه الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ( أخرجه الطحاوي في باب مواقيت الصلاة 1 / 93 ) من حديثه والترمذي أيضا في جامعه ( أخرجه الترمذي في أبواب الصلاة رقم 151 ) وأما الصبح فإن كان قد صلاها جبريل مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في اليوم الثاني حين أسفر لكن لما كان النبي صلى الله عليه و سلم داوم على الغلس بعد ذلك إلا أحيانا أشار إلى كونه مستحبا واكتفى بذكره
    وإذا تحقق هذا فليس في هذا الأثر ما يفيد مذهب أبي حنيفة أنه يجوز الظهر إلى الظل ولا يدخل وقت العصر إلا عند الظلين
    ( 21 ) في نسخة : بالفجر قوله : وكان يرى الإسفار بالفجر أي كان يعتقد أبو حنيفة استحباب الإسفار بالفجر وقد اختلفت فيه الأخبار القولية والفعلية والآثار أما اختلاف الأخبار فمنها ما ورد في الإسفار ومنها ما ورد في التغليس
    أما أحاديث الإسفار فأخرج أصحاب السنن الأربعة ( أخرجه أبو داود في المواقيت 1 / 162 ، والترمذي في باب ما جاء في الإسفار بالفجر 1 / 290 ، والنسائي 1 / 94 ، وابن ماجه في باب وقت الفجر 1 / 119 ، الطحاوي 1 / 105 ، والبيهقي في السنن الكبرى 1 / 277 ، والتلخيص الحبير : 1 / 182 ) وغيرهم من حديث محمود بن لبيد عن رافع بن خديج قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر " . قال الترمذي : حديث حسن صحيح
    وأخرجه ابن حبان بلفظ : " أسفروا بصلاة الصبح فإنه أعظم للأجر " . وفي لفظ له : " فكلما أصبحتم بالصبح فإنه أعظم لأجوركم " وفي لفظ للطبراني : " وكلما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم للأجر "
    وأخرجه أحمد في مسنده " من حديث محمود بن لبيد مرفوعا والبزار في مسنده من حديث بلال نحوه
    وأخرجه البزار من حديث أنس بلفظ : " أسفروا بصلاة الفجر فإنه أعظم للأجر "
    وأخرجه الطبراني والبزار من حديث قتادة بن النعمان والطبراني أيضا من حديث ابن مسعود وابن حبان في " كتاب الضعفاء " من حديث أبي هريرة والطبراني من حديث حوا الأنصارية بنحو ذلك
    وأخرج ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه والطبراني عن رافع بن خديج سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لبلال : " يا بلال نور بصلاة الصبح حتى يبصر القوم مواضع نبلهم من الإسفار "
    وأخرجه أيضا ابن أبي حاتم في " علله " وابن عدي في " كامله " وأخرج الإمام أبو محمد القاسم بن ثابت السرقسطي في " غريب الحديث " عن أنس : " كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي الصبح حين يفسح البصر "
    وأخرج الطحاوي في " شرح معاني الآثار " من حديث رافع مرفوعا : " نوروا بالفجر فإنه أعظم للأجر وعن بلال مثله وعن عاصم بن عمرو عن رجال من قومه من الأنصار من الصحابة أنهم قالوا : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " أصبحوا الصبح فكلما أصبحتم فهو أعظم للأجر "
    وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة : أنه صلى الله عليه و سلم كان ينصرف من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه "
    وأخرجا أيضا عن ابن مسعود قال : " مارأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى صلاة لغير وقتها إلا بجمع فإنه جمع بين المغرب والعشاء بجمع وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها يعني وقتها المعتاد فإنه صلى هناك في الغلس
    وأخرج أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبيد عن أبي الدرداء مرفوعا : " أسفروا بالفجر تغنموا "
    وأما أحاديث الغلس فأخرج ابن ماجة عن مغيث : صليت بعبد الله بن الزبير الصبح بغلس فلما سلمت أقبلت على ابن عمر فقلت : ما هذه الصلاة ؟ قال : هذه كانت صلاتنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر فلما طعن عمر أسفر بها عثمان
    وأخرج مالك والبخاري ومسلم وغيرهم عن عائشة : كن نساء المؤمنين يصلين مع رسول الله صلى الله عليه و سلم الصبح ثم ينصرفن متلففات بمروطهن ما يعرفن من الغلس
    وأخرج أبو داود وابن حبان في " صحيحه " والحازمي في " كتاب الناسخ والمنسوخ " عن أبي مسعود أنه صلى الله عليه و سلم صلى الصبح بغلس ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ثم كانت صلاته بعد ذلك بالغلس إلى أن مات ولم يعد إلى أن يسفر
    وأخرج الطبراني في " معجمه " من حديث جابر : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي الظهر بالهاجرة والعصر والشمس حية والمغرب إذا وجبت الشمس والعشاء إذا كثر الناس عجل وإذا قلوا أخر والصبح بغلس
    وفي الباب أحاديث كثيرة مروية في كتب شهيرة
    وأما اختلاف الآثار فأثر أبي هريرة المذكور في الكتاب يدل على اختيار الغلس
    وأخرج الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ( 1 / 106 ) عن قرة بن حبان : تسحرنا مع علي فلما فرغ من السحور أمر المؤذن فأقام الصلاة . وعن داود بن يزيد الأودي عن أبيه : كان علي يصلي بنا الفجر ونحن نتراءى بالشمس مخافة أن يكون قد طلعت . وعن عبد خير : كان علي ينور بالفجر أحيانا ويغلس بها أحيانا . وعن حرشة : كان عمر بن الخطاب ينور بالفجر ويغلس ويصلي في ما بين ذلك ويقرأ بسورة يوسف ويونس وقصار المثاني والمفصل . وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة : صلينا وراء عمر بن الخطاب صلاة الصبح فقرأ فيها بسورة يوسف والحج قراءة بطيئة فقلت : والله إذا لقد كان يقوم حين يطلع الفجر ؟ قال : أجل . وعن السائب : صليت خلف عمر الصبح فقرأ فيها بالبقرة فلما انصرفوا استشرفوا الشمس فقالوا : طلعت فقال : لو طلعت لم تجدنا غافلين . وعن زيد بن وهب : صلى بنا عمر صلاة الصبح فقرأ بني إسرائيل والكهف حتى جعلت أنظر إلى جدار المسجد هل طلعت الشمس . وعن محمد بن سيرين عن المهاجر أن عمر كتب إلى أبي موسى : أن صل الفجر بسواد أو قال فغلس وأطل القراءة
    وعن أنس بن مالك : صلى بنا أبو بكر صلاة الصبح فقرأ بسورة آل عمران فقالوا : كادت الشمس تطلع فقال : لو طلعت لم تجدنا غافلين
    وعن عبد الرحمن بن يزيد : كنا نصلي مع ابن مسعود فكان يسفر بصلاة الصبح
    وعن جبير بن نفير : صلى بنا معاوية الصبح فغلس فقال أبو الدرداء : أسفروا بهذه الصلاة
    وعن إبراهيم النخعي قال : ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم على شيء ما اجتمعوا على التنوير
    وفي الباب آثار كثيرة وقد وقع الاختلاف باختلاف الأخبار والآثار . فذهب الكوفيون : أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن حي وأكثر العراقيين إلى أن الإسفار أفضل من التغليس في الأزمنة كلها وذهب مالك والليث بن سعد والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبو ثور وداود بن علي وأبو جعفر الطبري إلى أن الغلس أفضل كذا ذكره ابن عبد البر ( الاستذكار 1 / 51 )
    وقد استدل كل فرقة بما يوافقها وأجابه عما يخالفها فمن المغلسين من قال : تأويل الإسفار حصول اليقين بطلوع الصبح وهو تأويل باطل يرده اللغة . ويرده أيضا بعض ألفاظ الخبر الدالة صريحا على التنوير كما مر ومنهم من قال : الإسفار منسوخ لأنه صلى الله عليه و سلم ـ أسفر ثم غلس إلى أن مات وهذا أيضا باطل لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال والاجتهاد ما لم يوجد نص صريح على ذلك ويتعذر الجمع ومنهم من قال : لو كان الإسفار أفضل لما داوم النبي صلى الله عليه و سلم على خلافه وهذا جواب غير شاف بعد ثبوت أحاديث الإسفار . ومنهم من ناقش في طرق أحاديث الإسفار وهي مناقشة لا طائل تحتها إذ لا شك في ثبوت بعض طرقها وضعف بعضها لا يضر على أن الجمع مقدم على الترجيح على المذهب الراجح
    ومن المسفرين من قال : التغليس كان في الابتداء ثم نسخ وفيه أنه نسخ اجتهادي مع ثبوت حديث الغلس إلى وفاته صلى الله عليه و سلم ومنهم من قال : لو كان الغلس مستحبا لما اجتمع الصحابة على خلافه وفيه أن الإجماع غير ثابت لمكان الاختلاف فيما بينهم . ومنهم من ادعى انتفاء الغلس عن النبي صلى الله عليه و سلم أخذا من حديث ابن مسعود وغيره . وهذا كقول بعض المغلسين أن الإسفار لم يثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم باطل فإن كلا منهما ثابت وإن كان الغلس أكثر . ومنهم من قال : لما اختلفت الأحاديث المرفوعة تركناها ورجعنا إلى الآثار في الإسفار وفيه أن الآثار أيضا مختلفة ومنهم من سلك مسلك المناقشة في طرق أحاديث الغلس وهي مناقشة أخرى ( في نسخة : أخزى ) من المناقشة الأولى
    ومنهم من سلك مسلك الجمع باختيار الابتداء في الغلس والاختتام في الإسفار بتطويل القراءة وبه يجتمع أكثر الأخبار والآثار . وهذا الذي اختاره الطحاوي ( شرح معاني الآثار 1 / 109 ) وحكم بأنه المستحب وأن أحاديث الإسفار محمولة على الاختتام في الإسفار وأحاديث الغلس على الابتداء فيه وقال : هذا هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وهو جمع حسن لولا ما دل عليه حديث عائشة من انصراف النساء بعد الصلاة بمروطهن لا يعرفن من الغلس إلا أن يقال إنه كان أحيانا والكلام في هذا المبحث طويل لا يتحمله هذا التعليق بل المتكفل له شرحي لشرح الوقاية
    ( 22 ) التنوين للتحقير والتقليل وهي كمية الفيء باختلاف الفصول والأمكنة
    ( 23 ) قوله : فقد دخل وقت العصر به قال أبو يوسف والحسن وزفر والشافعي وأحمد والطحاوي وغيرهم وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة على ما في عامة الكتب ورواية محمد عنه على ما في " المبسوط " كذا في " حلية المحلى شرح منية المصلى " ( هكذا في الأصل : هنا وفيما سيأتي مرارا وهو تحريف قطعا والصواب : " حلبة المجلي شرح منية المصلي " بفتح الحاء من " حلبة " وسكون اللام يليها باء موحدة والمجلي بضم الميم وفتح الجيم وكسر اللام المشددة انظر هامش الأجوبة الفاضلة : ص 197 ) . لمحمد بن أمير حاج الحلبي وفي " غرر الأذكار : : هو المأخوذ به وفي " البرهان شرح مواهب الرحمن " : هو الأظهر وفي " الفيض " للكركي : عليه عمل الناس اليوم وبه يفتى . كذا في " الدر المختار " والاستناد لهم بأحاديث : منها أحاديث التعجيل التي ستأتي في الكتاب
    ومنها أحاديث إمامة جبريل التي مرت الإشارة إليها وهي أصرح من أحاديث التعجيل
    ومنها حديث جابر المروي في سنن النسائي وغيره أنه صلى الله عليه و سلم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله
    وفي الباب آثار وأخبار كثيرة تدل على ذلك مبسوطة في موضعها
    ( 24 ) قد ذكر جمع من الفقهاء رجوعه عنه إلى المثل
    ( 25 ) قوله : حتى يصير الظل مثليه أي سوى فيء الزوال في بلدة يوجد هو فيها واستدلاله أحاديث :
    منها حديث علي بن شيبان : قدمنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية . رواه أبو داود وابن ماجة . وهذا يدل على أنه كان يصلي عند المثلين
    ومنها حديث جابر : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه و سلم حين صار ظل كل شيء مثليه . رواه ابن أبي شيبة بسند لا بأس به كذا ذكره العيني في " عمدة القاري شرح صحيح البخاري " ( 5 / 33 ) . وفيه أنهما إنما يدلان على جواز الصلاة عند المثلين لا على أنه لا يدخل وقت العصر إلا عند ذلك
    ومنها أثر أبي هريرة المذكور في الكتاب وقد مر ما له وما عليه
    والإنصاف في هذا المقام أن أحاديث المثل صريحة صحيحة . وأخبار المثلين ليست صريحة في أنه لا يدخل وقت العصر إلى المثلين وأكثر من اختار المثلين إنما ذكر في توجيهه أحاديث استنبط منها هذا الأمر والأمر المستنبط لا يعارض الصريح ولقد أطال الكلام في هذا المبحث صاحب " البحر الرائق " فيه وفي رسالة مستقلة فلم يأت بما يفيد المدعى ويثبت الدعوى فتفطن

    2 - أخبرنا مالك أخبرني ابن شهاب ( 1 ) الزهري ( 2 ) عن عروة ( 3 ) قال : حدثتني عائشة ( 4 ) رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي العصر والشمس ( 5 ) في حجرتها ( 6 ) قبل ( 7 ) أن تظهر ( 8 )
    _________
    ( 1 ) قوله : ابن شهاب الزهري قال النووي في " تهذيب الأسماء واللغات " ( 1 / 90 ) : محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي أبو بكر القرشي الزهري المدني . سكن الشام وكان بأيلة ويقولون : تارة الزهري وتارة ابن شهاب ينسبونه إلى جد جده تابعي صغير سمع أنسا وسهل بن سعد والسائب بن زيد وأبا أمامة وأبا الطفيل وروى عنه خلائق من كبار التابعين وأتباعهم روينا عن الليث بن سعد قال : ما رأيت قط عالما أجمع من ابن شهاب ولا أكثر علما منه وقال الشافعي : لولا الزهري لذهبت السنن من المدينة توفي في رمضان سنه 124 هـ ودفن بقرية أطراف الشام يقال لها شغب . انتهى ملخصا
    ( 2 ) بضم الزاي وسكون الهاء نسبة إلى زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي كذا في " الأنساب "
    ( 3 ) قوله : عن عروة هو ابن الزبير بن العوام الأسدي أبو عبد الله المدني قال ابن عيينة : أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة : القاسم وعروة وعمرة بنت عبد الرحمن مات سنة 94 هـ كذا في " إسعاف السوطي " ( ص 29 )
    ( 4 ) قوله : حدثتني عائشة هي بنت أبي بكر الصديق زوجة النبي صلى الله عليه و سلم وأحب أزواجه إليه تزوجها وهي ابنة ست سنين قبل الهجرة بسنتين أو ثلاث وبنى بها بالمدينة وهي ابنة تسع وتوفيت سنة 57 هـ وقيل : سنة 58 هـ قال الزهري : لو جمع علم عائشة إلى جميع علم أزواج رسول الله صلى الله عليه و سلم وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل كذا في " استيعاب ابن عبد البر "
    ( 5 ) قوله : والشمس المراد من الشمس ضوءها لا عينها والواو في قوله والشمس للحال كذا في " إرشاد الساري شرح صحيح البخاري " للقسطلاني
    ( 6 ) أي : في داخل بيتها قال السيوطي : الحجرة : بضم الحاء وسكون الجيم : البيت سمي به لمنعها المال
    قوله : في حجرتها أي بيت عائشة كأنها جردت واحدة من النساء وأثتتت لها حجرة وأخبرت بما أخبرت به وإلا فالقياس التعبير " بحجرتي " كذا في " إرشاد الساري "
    ( 7 ) قوله : قبل ... إلخ فإن قال قائل : ما معنى قولها قبل أن تظهر الشمس والشمس ظاهرة على كل شيء من طلوعها إلى غروبها فالجواب أنها أرادت : والفيء في حجرتها قبل أن تعلو على البيوت فكنت بالشمس عن الفيء لأن الفيء عن الشمس كما سمي المطر سماء لأنه ينزل من السماء وفي بعض الروايات لم يظهر الفيء كذا في " الكواكب الدراري شرح صحيح البخاري " للكرماني
    ( 8 ) أي : قبل أن يعلو على الجدار كذا في " الكواكب الدراري " يقال ظهرت السطح أي : علوته
    قوله : تظهر قال الطحاوي : لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار فلم تكن الشمس تحتجب ( في الأصل : " فلم يكن الشمس يحتجب " وهو خطأ ) عنها إلا بقرب غروبها فيدل على التأخير . وتعقب بأن الذي ذكره من الاحتمال إنما يتصور مع اتساع الحجرة وقد عرف بالاستفاضة والمشاهدة أن حجر أزواج النبي صلى الله عليه و سلم لم تكن متسعة ولا يكون ضوء الشمس باقيا في قعر الحجرة الصغيرة إلا والشمس قائمة مرتفعة كذا في " فتح الباري شرح صحيح البخاري " ( 2 / 21 . ولكن رد عليه العيني في عمدة القاري ( 2 / 539 ) بقوله : قلت لا وجه للتعقب فيه لأن الشمس لا تحتجب عن الحجرة الصغيرة الجدار إلا بقرب غروبها وهذا يعلم بالمشاهدة فلا يحتاج إلى المكابرة ولا دخل لاتساع الحجرة ولا لضيقها وإنما الكلام في قصر جدرها ) للحافظ ابن حجر

    3 - أخبرنا مالك قال : أخبرني ابن شهاب ( 1 ) الزهري عن أنس ( 2 ) بن مالك أنه قال : كنا نصلي العصر ( 3 ) ثم يذهب الذاهب ( 4 ) إلى ( 5 ) قباء ( 6 ) فيأتيهم ( 7 ) و ( 8 ) الشمس مرتفعة ( 9 )
    _________
    ( 1 ) هو محمد بن مسلم الزهري
    ( 2 ) قوله : عن أنس بن مالك هو خادم رسول الله صلى الله عليه و سلم خدمه عشر سنين ودعا له رسول الله صلى الله عليه و سلم بقوله : " اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة " مات سنه 102 هـ وقيل سنة 92 هـ وقد جاوز المئة كذا في " إسعاف المبطأ برجال الموطأ " ( ص 7 ) للسيوطي
    ( 3 ) قوله : كنا نصلي العصر قال ابن عبد البر : هكذا هو في " الموطأ " ليس فيه ذكر النبي صلى الله عليه و سلم ورواه عبد الله بن نافع وابن وهب في رواية يونس بن عبد الأعلى عنه وخالد بن مخلد وابنه عامر العقدي كلهم عن مالك عن الزهري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي العصر ثم يذهب الذاهب ... الحديث . وكذلك رواه عبد الله بن المبارك عن مالك عن الزهري وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة جميعا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصلي العصر ثم يذهب الذاهب إلى قباء قال أحدهما : فيأتيهم وهم يصلون وقال الآخر : فيأتيهم والشمس مرتفعة . ورواه أيضا كذلك معمر وغيره من الحفاظ عن الزهري فهو حديث مرفوع
    قلت : هو كذلك عند البخاري من طريق شعيب عن الزهري وعند مسلم وأبي داود وابن ماجه من طريق الليث عن الزهري وعند الدارقطني من طريق إبراهيم بن أبي عبلة عن الزهري كذا في " تنوير الحوالك على موطأ مالك " ( 1 / 26 ) للسيوطي
    ( 4 ) أي ممن صلى مع رسول الله صلى الله عليه و سلم
    قوله : ثم يذهب الذاهب قال الحافظ ابن حجر : أراد نفسه لما أخرجه النسائي والطحاوي من طريق أبي الأبيض عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي بنا العصر والشمس بيضاء محلقة ثم أرجع إلى قومي فأقول لهم : قوموا فصلوا فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد صلى
    قلت : بل أعم من ذلك لما أخرجه الدار قطني والطبراني من طريق عاصم بن عمر بن قتادة عن أنس قال : كان أبعد رجلين من الأنصار من رسول الله صلى الله عليه و سلم دارا أبو لبابة بن عبد المنذر وأهله بقباء وأبو عبس بن جبر ومسكنه في بني حارثة فكانا يصليان مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم يأتيان قومهما وما صلوا لتعجيل رسول الله صلى الله عليه و سلم بها كذا في " تنوير الحوالك " ( 1 / 26 )
    ( 5 ) إلى قبا قال النسائي : لم يتابع مالك على قوله " إلى قبا " والمعروف " إلى العوالي " . وقال الدارقطني : رواه إبراهيم بن أبي عبلة عن الزهري فقال إلى العوالي وقال ابن عبد البر : الذي قاله جماعة أصحاب ابن شهاب عنه " إلى العوالي " وهو الصواب عند أهل الحديث وقول مالك " إلى قبا " وهم لا شك فيه إلا أن المعنى متقارب فإن العوالي مختلفة المسافة فأقربها إلى المدينة ما كان على ميلين أو ثلاثة ومنها ما يكون على ثمانية أميال ومثل هذا هي المسافة بين قبا والمدينة . وقد رواه خالد بن مخلد عن مالك فقال : إلى العوالي وسائر رواة " الموطأ " يقولون : إلى قباء وقال الحافظ ابن حجر : نسبه الوهم فيه إلى مالك منتقد فإنه إن كان وهما احتمل أن يكون منه وأن يكون من الزهري حين حدث به مالكا فإن الباجي نقل عن الدارقطني أن ابن أبي ذئب رواه عن الزهري " إلى قبا " كذا في " تنوير الحوالك " ( 1 / 26 - 27 )
    ( 6 ) قوله : قباء قال النووي : يمد ويقصر ويصرف ولا يصرف ويذكر ويؤنث والأفصح التذكير والصرف والمد وهو على ثلاثة أميال من المدينة كذا في " تنوير الحوالك " ( 1 / 26 )
    ( 7 ) أي يأتي الذاهب إلى أهل قبا
    ( 8 ) الواو حالية
    ( 9 ) أي ظاهرة عالية
    قوله : والشمس مرتفعة المعنى الذي أدخل مالك هذا الحديث في " موطئه " تعجيل العصر خلافا لأهل العراق الذي يقولون بتأخيرها نقل ذلك خلفهم عن سلفهم بالبصرة والكوفة قال الأعمش : كان إبراهيم يؤخر الصلاة جدا وقال أبة قلابة : وإنما سميت العصر لتعصر . وأما أهل الحجاز فعلى تعجيل العصر سلفهم وخلفهم كذا في " الاستذكار " ( 1 / 70 )

    4 - أخبرنا مالك أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ( 1 ) عن أنس بن مالك ( 2 ) قال : كنا ( 3 ) نصلي ( 4 ) العصر ثم يخرج الإنسان ( 5 ) إلى بني عمرو بن عوف ( 6 ) فيجدهم ( 7 ) يصلون العصر
    قال محمد : تأخير العصر ( 8 ) أفضل ( 9 ) عندنا ( 10 ) من تعجيلها إذا صليتها ( 11 ) والشمس ( 12 ) بيضاء نقية ( 13 ) لم تدخلها صفرة ( 14 ) وبذلك ( 15 ) جاءت عامة الآثار ( 16 ) وهو ( 17 ) قول أبي حنيفة ( 18 )
    وقد قال ( 19 ) بعض الفقهاء ( 20 ) : إنما سميت العصر لأنها ( 21 ) تعصر وتؤخر ( 22 )
    _________
    ( 1 ) قوله : أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة قال السيوطي ( الإسعاف : ص 6 ) : وثقه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وقال ابن معين : ثقة حجة مات سنة 134 هـ
    ( 2 ) هذا الحديث قد أخرجه البخاري ومسلم من طريق مالك والنسائي وغيرهم
    ( 3 ) قوله : كنا نصلي العصر ... . إلخ قال ابن عبد البر : هذا يدخل عندهم في المسند فصرح برفعه ابن المبارك وعتيق بن يعقوب الزهري كلاهما عن مالك بلفظ كنا نصلي العصر مع النبي صلى الله عليه و سلم . انتهى . وهذا اختيار الحاكم أن قول الصحابي كنا نفعل كذا مسند ولو لم يصرح بإضافته إلى النبي صلى الله عليه و سلم وقال الدارقطني والخطيب : وهو موقوف قال الحافظ عبد الحق : إنه موقوف لفظا مرفوع حكما قاله الزرقاني ( 1 / 24 )
    ( 4 ) أي في مسجد المدينة
    ( 5 ) ممن صلى مع النبي صلى الله عليه و سلم
    ( 6 ) قال العيني في " عمدة القاري شرح البخاري " ( 5 / 36 ) كانت منازلهم على ميلين بقبا
    ( 7 ) قوله : فيجدهم يصلون كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعجل ( في الأصل : " يعجل " والظاهر : " يعجل العصر " ) في أول وقتها ولعل تأخيرهم لكونهم كانوا أهل أعمال في زروعهم وحوائطهم فإذا فرغوا من أعمالهم تأهبوا للصلاة بالطهارة وغيرها ثم اجتمعوا لها فتأخرت صلاتهم إلى وسط الوقت
    قال النووي : هذا الحديث حجة على الحنفية حيث قالوا : لا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه كذا في " الكواكب الدراري "
    ( 8 ) أي لا في يوم غيم
    ( 9 ) قوله : أفضل علله صاحب " الهداية " وغيره من أصحابنا بأن في تأخيره تكثير النوافل لكراهتها بعده وهو تعليل في مقابلة النصوص الصحيحة الصريحة الدالة على فضيلة التعجيل وهو كثيرة مروية في الصحاح الستة وغيرها ( إن تعليل صاحب " الهداية " بتكثبر النوافل ليس بمقابلة النصوص الصحيحة الصريحة في أفضلية التعجيل وما روي منها في الصحاح الستة وغيرها ليس شيء منها مما يشير إلى أفضلية أول الوقت وما روى أبو داود عن شيبان بن علي صريح في التأخير ونفي التعجيل وأنه يقطع منه بالتأخير الكامل إلى آخر الوقت المستحب وأنه غير مستحب عندنا حتى يحتمل وقوعها في شيء من الوقت المكروه على أنا بصدد المنع . ( تنسيق النظام ص 43 ) ) وقد مر نبذ منها في الكتاب وذكر العيني في " البناية شرح الهداية " لأفضلية التأخير أحاديث :
    الأول : ما أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان عن أبيه عن جده قال : قدمنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة فكان يؤخر العصر مادامت الشمس بيضاء نقية
    والثاني : ما أخرجه الدارقطني عن رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يأمر بتأخير هذه الصلاة يعني العصر
    والثالث : ما أخرجه الترمذي عن أم سلمة : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أشد تعجيلا للظهر منه
    والرابع : ما أخرجه الطحاوي عن أنس : كان النبي صلى الله عليه و سلم يصلي العصر والشمس بيضاء
    ولا يخفى على الماهر ما في الاستناد بهذه الأحاديث
    أما الحديث الأول فلا يدل إلا على أنه كان يؤخر العصر ما دام كون الشمس بيضاء وهذا أمر غير مستنكر فإنه لم يقل أحد بعدم جواز ذلك والكلام إنما هو في أفضلية التأخير وهو ليس بثابت منه
    لا يقال : هذا الحديث يدل على أن التأخير كان عادته يشهد به لفظ " كان " المستعمل في أكثر الأحاديث لبيان عادته المستمرة لأنا نقول : لو دل على ذلك لعارضه كثير من الأحاديث القوية الدالة على أن عادته كانت التعجيل فالأولى أن لا يحمل هذا الحديث على الدوام دفعا للمعارضة واعتبارا لتقديم الأحاديث القوية
    وأما الثاني فقد رواه الدارقطني في " سننه " عن عبد الواحد بن نافع قال : دخلت مسجد الكوفة فأذن مؤذن بالعصر وشيخ جالس فلامه وقال : إن أبي أخبرني أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يأمر بتأخير هذه الصلاة فسألت عنه فقالوا : هذا عبد الله بن رافع بن خديج . ورواه البيهقي في " سننه " وقال : قال الدارقطني في ما أخبرنا عنه أبو بكر بن الحارث : هذا حديث ضعيف الإسناد والصحيح عن رافع ضده ولم يروه عن عبد الله بن رافع غير عبد الواحد بن نافع وهو يروي عن أهل الحجاز المقلوبات وعن أهل الشام الموضوعات لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه . انتهى . ورواه البخاري في " تاريخه الكبير " في ترجمة عبد الله بن رافع : حدثنا أبو عاصم عن عبد الواحد بن نافع وقال . . لا يتابع عليه يعني عن عبد الله بن رافع وقال ابن القطان : عبد الواحد بن نافع مجهول الحال مختلف في حديثه ( في الجوهر النقي ( 1 / 441 - 442 ) : قلت : ذكر ابن حبان في ثقات التابعين عبد الله بن رافع وذكر في ثقات أتباع التابعين عبد الواحد بن نافع وأخرجه الحاكم بسنده وقال : صحيح على شرط البخاري ) . كذا ذكره الزيلعي في " تخريج أحاديث الهداية "
    وأما الثالث فإنما يدل على كون التعجيل في أظهر أشد من التعجيل في العصر لا على استحبابه تأخير العصر
    وأما الرابع فلا يدل أيضا على استحباب التأخير
    ومن الآثار المقتضية للتأخير ماروي عن زياد بن عبد لله النخعي : كنا جلوسا مع علي رضي الله عنه في المسجد الأعظم فجاء المؤذن فقال : الصلاة فقال اجلس فجلس ثم عاد فقال له ذلك فقال علي : هذا الكلب يعلمنا الصلاة فقام علي فصلى بنا العصر ثم انصرفنا فرجعنا إلى المكان الذي كنا فيه جلوسا فجثونا للركب لنزول الشمس للغروب نتراآها
    أخرجه الحاكم وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأخرجه الدارقطني وأعله بأن زياد بن عبد الله مجهول ( ذكره ابن حبان في ثقات التابعين : الثقات لابن حبان 4 / 256 ) ومما يدل على التأخير ما أخرجه الطحاوي في " شرح معاني الآثار " عن عكرمة قال : كنا في جنازة مع أبي هريرة فلم يصل العصر حتى رأينا الشمس على رأس أطول جبل بالمدينة
    وقد أورد الطحاوي آثارا أخر أثبت بها ألتأخير وأجاب عن أحاديث التعجيل بجوابات لا يخلو واحد منها عن مناقشة وليس هذا موضع بسطه ( قلت : أحاديث التبكير والتعجيل ليست بألفاظها مفسرة بل نصوصا في الأداء لأول وقتها بل ظاهرة فيه لولا قرائن صارفة عن هذا المعنى بل التعمق يرشد إلى أن المراد منها التعجيل والتقدم على صفرة الشمس ودخول وقت الكراهة وبيان التبكير والتأكيد فيه لأنه لا يقع في هذا الوقت المكروه أو ينقضي وقتها كما يشير إليه كثير من ألفاظ الأحاديث كحديث صلاة المنافق فيه فنقر أربعا وغير ذلك وذلك لأن الأخبار بعد الاستقصاء في باب التعجيل عامتها ترجع إما إلى ما فيه ألفاظ مبهمة ككون الشمس حية ونقية بيضاء وككونها في حجرة عائشة وغير ذلك مما لا قاطع فيه بالأداء في أول الوقت بل هو شامل إلى آخر مايدخلها الصفرة أي آخر الوقت المستحب " تنسيق النظام " ص 43 )
    ( 10 ) معاشر الحنفية أو معاشر أهل الكوفة
    ( 11 ) أيها المصلي
    ( 12 ) الواو حالية
    ( 13 ) أي مطهرة من اختلاط الاصفرار
    ( 14 ) قوله : لم تدخلها صفرة فإن دخلتها صفرة كرهت الصلاة . ذكره الطحاوي في " شرح معاني الآثار " . واختلفوا في مقدار تغير الشمس فقدره بعضهم بأنه إذا بقي مقدار رمح لم يتغير ودونه يتغير وعن إبراهيم النخعي وسفيان الثوري الأوزاعي أنه يعتبر التغير في ضوئها وبه قال الحاكم الشهيد وعليه ظاهر ما في " محيط رضي الدين " وذكر محمد في " النوادر " عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه يعتبر التغير في قرص الشمس لا في الضوء ونسبه شمس الأئمة السرخسي إلى الشعبي كذا في " حلبة المجلي شرح منية المصلي "
    ( 15 ) أي بالتأخير
    ( 16 ) قوله : عامة الآثار أي أكثر الأخبار المأثورة عن النبي صلى الله عليه و سلم أو عن أصحابه فإن الأثر ( 1 / 63 . وانظر تدريب الراوي 1 / 43 ) في عرف القدماء يكلق على كل مروي مرفوعا كان أو موقوفا ومن ثم سمى الطحاوي كتابه " شرح معاني الآثار " وكتابا آخر سماه " مشكل الآثار " مع أنه ذكر فيه الأحاديث المرفوعة أكثر وقال النووي في شرح صحيح مسلم : المذهب المختار الذي قاله المحدثون وغيرهم واصطلح عليه السلف وجماهير الخلف أن الأثر يطلق على المروي مطلقا وقال الفقهاء الخراسانيون : الأثر : ما يضاف إلى الصحابي موقوفا عليه . انتهى . وقد بسطت الكلام فيه في شرح رسالة أصول الحديث المنسوبة إلى السيد الشريف المسمى بـ " ظفر الأماني ( ص 4 ، 5 ) في المختصر المنسوب إلى الجرجاني " فليطالع
    ( 17 ) أي التأخير
    ( 18 ) قوله : قول أبي حنيفة وبه قال أبو قلابة محمد بن عبد الملك وإبراهيم النخعي والثوري وابن شبرمة وأحمد في رواية وهو قول أبي هريرة وابن مسعود وقال الليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق وغيرهم : إن الأفضل التعجيل كذا في " البناية " للعيني وأخرج الطحاوي في " شرح معاني الآثار " ( 1 / 115 ) عن صالح بن عبد الرحمن نا سعيد بن منصور نا هشيم أنا خالد عن أبي قلابة : إنما سميت العصر لتعصر وتؤخر ثم قال الطحاوي : فأخبر أبو قلابة أن اسمها هذا لأن سببها أن تعصر وهذا الذي استحسناه من تأخير العصر من غير أن يكون ذلك إلى وقت قد تغيرت فيه الشمس أو دخلتها صفرة وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وبه نأخذ . انتهى
    وأخرج أيضا عن أبراهيم النخغي استحباب التأخير وأن أصحاب عبد الله بن مسعود كانوا يؤخرون
    ( 19 ) تأييد لما ذهب إليه بالاستنباط من لفظ العصر التأخير
    ( 20 ) المراد به أبو قلابة كما يعلم من " الاستذكار " ( 1 / 70 )
    ( 21 ) أي صلاة العصر
    ( 22 ) قوله : لأنها تعصر وتؤخر قد يقال : إنما سمي العصر عصرا لأنها تعصر وتقع في آخر النهار فهي مؤخرة عن جميع صلوات النهار ووقتها مؤخر عن جميع أوقات صلوات النهار لا لأنها تعصر عن أول وقتها


    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    رد: كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 12:35 pm

    - ( باب ابتداء الوضوء )

    5 - أخبرنا مالك أخبرنا عمرو ( 1 ) بن يحيى بن عمارة ( 2 ) بن أبي حسن المازني ( 3 ) عن أبيه يحيى ( 4 ) أنه سمع ( 5 ) جده أبا حسن ( 6 ) يسأل ( 7 ) عبد الله بن زيد بن عاصم ( 8 ) وكان ( 9 ) من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : هل تستطيع ( 10 ) أن تريني ( 11 ) كيف كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتوضأ قال عبد الله بن زيد : نعم ( 12 ) فدعا بوضوء ( 13 ) فأفرغ ( 14 ) على يديه فغسل يديه مرتين ( 15 ) ثم مضمض ( 16 ) ( 17 ) ( 18 ) ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يديه إلى المرفقين ( 19 ) مرتين ( 20 ) ثم مسح ( 21 ) من مقدم رأسه حتى ذهب بهما ( 22 ) إلى قفاه ( 23 ) ثم ردهما إلى المكان الذي منه بدأ ثم غسل رجليه ( 24 )
    قال محمد : هذا حسن ( 25 ) والوضوء ثلاثا ثلاثا ( 26 ) أفضل ( 27 ) والاثنان يجزيان والواحدة إذا أسبغت ( 28 ) تجزئ أيضا ( 29 ) وهو ( 30 ) قول أبي حنيفة
    _________
    ( 1 ) بفتح العين وثقه النسائي وأبو حاتم قاله السيوطي
    ( 2 ) بضم العين وخفة الميم
    ( 3 ) بكسر الزاي من بنى مازن صفة لعمرو
    ( 4 ) وثقه النسائي قاله السيوطي
    ( 5 ) قوله : سمع وقع في رواية يحيى الأندلسي عن مالك أنه - أي : يحيى بن عمارة - قال لعبد الله بن زيد فنسب السؤال إليه وهو على المجاز
    ( 6 ) قوله : جده أبا حسن قيل : اسمه كنيته لا اسم له غير ذلك وقيل اسمه تميم بن عبد عمرو وهو جد يحيى بن عمارة والد عمرو بن يحيى شيخ مالك مدني له صحبة يقال : إنه ممن شهد العقبة وبدرا كذا في " الاستيعاب في أحوال الأصحاب " لابن عبد البر ( الاستيعاب 7 / 43 )
    ( 7 ) قوله : يسأل ... . إلخ كذا ساقه سحنون في " المدونة " ولأبي مصعب وأكثر رواة الموطأ أن رجلا قال لعبد الله ولمعن بن عيسى عن عمرو عن أبيه يحيى أنه سمع أبا حسن وهو جد عمرو بن يحيى وعند البخاري من طريق وهيب عن عمرو بن يحيى عن أبيه قال : شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد وعنده أيضا من طريق سليمان بن ( كذا في الأصل والصواب " عن " ) عمرو بن يحيى عن أبيه قال : كان عمرو يكثر الوضوء فقال لعبد الله وفي المستخرج لأبي نعيم من طريق الدراوردي عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن عمه عمرو بن أبي حسن . قال الحافظ ابن حجر : الذي يجمع هذا الاختلاف أن يقال : اجتمع عند عبد الله بن زيد أبو حسن الأنصاري وابنه عمرو وابن ابنه يحيى فسألوه عن صفة الوضوء وتولى السؤال منهم عمرو بن أبي حسن فحيث نسب إليه السؤال كان على الحقيقة وحيث نسب إلى أبي حسن فعلى المجاز لكونه أكبر وحيث نسب ليحيى فعلى المجاز أيضا كذا في " تنوير الحوالك " ( 1 / 39 ، 40 وفي " أوجز المسالك " 1 / 189 : والأوجه عندي أن يرجع الضمير إلى جد عمرو المذكور إذ كون عبد الله بن زيد من الصحابة ظاهر وكون السائل من الصحابة في حيز الخفاء بعد مع أنه قريب لفظا وكونه سائلا لصفة وضوئه صلى الله عليه و سلم أيضا يوهم عدم صحبته فإذا التنبيه على كونه صحابيا أشد احتياجا من التنبيه على بيان صحبة عبد الله والله أعلم )
    ( 8 ) قوله : عبد الله بن زيد بن عاصم وقع في رواية يحيى الأندلسي عن مالك ها هنا : وهو جد عمرو بن يحيى فظنوا أن الضمير يعود إلى عبد الله وبناء عليه قال صاحب الكمال وتهذيب الكمال في ترجمة عمرو بن يحيى بن عمارة أنه ابن بنت عبد الله بن زيد بن عاصم وليس كذلك بل الضمير يعود إلى السائل عن عبد الله كذا في " تهذيب التهذيب " للحافظ ابن حجر
    ( 9 ) قوله : وكان أي : عبد الله بن زيد بن عاصم وهو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه راوي حديث الأذان ووهم من قال باتحادهما وذكر السيوطي أن عبد الله المازني هذا مات سنة 63 هـ
    ( 10 ) قوله : هل تستطيع أن تريني أي : أرني قال الحافظ : فيه ملاطفة الطالب للشيخ وكأنه أراد الإراءة بالفعل ليكون أبلغ في التعليم وسبب الاستفهام ما قام عنده من احتمال أن يكون نسي ذلك لبعد العهد قاله الزرقاني ( 1 / 43 )
    ( 11 ) من الإراءة أي : تبصرني وتعلمني
    ( 12 ) أي : أستطيع
    ( 13 ) قوله : بوضوء هو بالفتح الماء الذي يتوضأ به وبالضم إذا أردت الفعل . وقال الخليل : الفتح في الوجهين ولم يعرف الضم وكذا عندهم الطهور والطهور والغسل والغسل وحكى غسلا وغسلا بمعنى وقال ابن الأنباري : الأوجه هو الأول أي : التفريق بينهما وهو المعروف الذي عليه أهل اللغة كذا في " مشارق الأنوار على صحاح الآثار " للقاضي عياض
    ( 14 ) أي : صب
    ( 15 ) قوله : مرتين قال الحافظ : كذا لمالك ووقع في رواية وهيب عند التخاري وخالد بن عبد الله عند مسلم والدراوردي عند أبي نعيم : " ثلاثا " فهؤلاء حفاظ وقد اجتمعوا ورواياتهم مقدمة على رواية الحافظ الواحد وفي رواية أبي مصعب " يده " بالإفراد على إرادة الجنس كذا في " التنوير " ( 1 / 40 وانظر منتقى الباجي : 1 / 64 )
    ( 16 ) المضمضة تحريك الماء وفي الاصطلاح استيعاب الماء في الفم ( قال النووي : وأقلها أن يجعل الماء في فيه ولا يشترط الإدارة على المشهور عند الجمهور . شرح صحيح مسلم 1 / 505 باب صفة الوضوء )
    ( 17 ) يحتمل مرتين نظرا لما قبله ويحتمل ثلاثا اعتبارا بما بعده
    ( 18 ) قوله : ثم مضمض واستنثر كذا في رواية يحيى وفي رواية أبي مصعب بدله استنشق . قال الشيخ ولي الدين : فيه إطلاق الاستنثار على الاستنشاق وفي " شرح مسلم " للنووي : الذي عليه الجمهور من أهل اللغة وغيرهم أن الاستننثار غير الاستنثاق وأنه إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق مأخوذ من النثرة وهي طرف الأنف وأما الاستنشاق : فهو إيصال الماء إلى داخل الأنف وجذبه بالنفس إلى أقصاه كذا في " التنوير " ( 1 / 40 )
    ( 19 ) تثنية مرفق بكسر الميم وفتح الفاء وبالعكس : العظم الناتئ في آخر الذراع
    ( 20 ) قوله : مرتين مرتين قال الشيخ ولي الدين : المنقول في علم العربية أن أسماء الأعداد والمصادر والأجناس إذا كررت كان المراد حصولها مكررة لا التوكيد اللفظي فإنه قليل الفائدة . مثال ذلك : جاء القوم اثنين اثنين أو رجلا رجلا وهذا الموضع منه أي : غسلهما مرتين بعد مرتين أي : أفرد كل واحدة منهما بالغسل مرتين وقال الحافظ : لم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل اليدين مرتين ولكن في مسلم من طريق حبان بن واسع عن عبد الله بن زيد أنه رأى النبي صلى الله عليه و سلم توضأ وفيه وغسل يده اليمنى ثلاثا ثم الأخرى ثلاثا فيحمل على أنه وضوء آخر لكون مخرج الحديثين غير متحد كذا في " تنوير الحوالك " ( 1 / 41 )
    ( 21 ) قوله : ثم مسح ... . إلخ قال ابن عبد البر : روى سفيان هذا الحديث فذكر فيه مسح الرأس مرتين ( قال النووي : مسح جميع الرأس مستحب باتفاق العلماء . شرح مسلم 1 / 520 . والمشهور عند المالكية أن الاستيعاب واجب وبعض الرأس عند الشافعي وهما روايتان عن أحمد وقال الموفق : ظاهر مذهب أحمد الاستيعاب في حق الرجل ويكفي المرأة أن تمسح مقدم رأسها وربع الرأس أو مقدار الناصية عند الحنفية . أوجز المسالك 1 / 193 ) وهو خطأ لم يذكره أحد غيره وقال القرطبي : لم يجيء في حديث عبد الله بن زيد للأذنين ذكر ويمكن أن يكون ذلك لأن اسم الرأس يضمهما وتعقبه الشيخ ولي الدين بأن الحاكم والبيهقي أخرجا من حديثه : رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يتوضأ فأخذ ماء لأذنيه خلاف الماء الذي مسح به رأسه
    وقالا صحيح كذا في " التنوير " ( 1 / 42 )
    ( 22 ) أي : اليدين
    ( 23 ) بالفتح منتهى الرأس من المؤخر
    ( 24 ) زاد وهيب في روايته عند البخاري إلى الكعبين
    ( 25 ) قوله : هذا حسن إشارة إلى ما ورد في رواية عبد الله بن زيد من تثليث غسل بعض الأعضاء وتثنية غسل بعضها وقد اختلفت الروايات عن النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك باختلاف الأحوال : ففي بعضها تثليث غسل الكل وفي بعضها تثنية غسل الكل وفي بعضها إفراد غسل الكل وفي بعضها تثليث البعض وتثنية البعض وكذا مسح الرأس ورد في بعضها الإفراد وفي بعضها التعدد والكل جائز ثابت غاية ما في الباب أن يكون بعضها أقوى ثبوتا من بعض
    ( 26 ) أي : في المغسولات دون المسح
    ( 27 ) قوله : أفضل لما روي أنه صلى الله عليه و سلم توضأ مرة مرة وقال : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به وتوضأ مرتين مرتين وقال : هذا وضوء من يضاعف له الأجر مرتين وتوضأ ثلاثا وقال : هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي أخرجه الدار قطني والبيهقي وروى نحوه ابن ماجه وأحمد والطبراني وابن حبان وغيرهم بأسانيد يقوي بعضها بعضا والمتكفل لبسطه شرحي شرح الوقاية المسمى " بالسعاية في كشف ما في شرح الوقاية " ( 1 / 49 )
    ( 28 ) قوله : أسبغت بصيغة الخطاب أو بالتأنيث مجهولا أي : إذا استوعبت كذا في " شرح الموطأ " لعلي القارئ
    ( 29 ) قوله : تجزئ أيضا ( والكل جائز إذا استوعب ولا إثم عليه لأن الإثم بترك الواجب دون السنة واختاره صاحب الهداية 1 / 6 وقال القاري : إن الواجب هو المرة الواحدة وتثليث الغسل سنة مرقاة المفاتيح 2 / 15 ) أي : بلا كراهة كما في " جامع المضمرات " عن شرح الطحاوي أو مع كراهة كما هو ظاهر كلام الجمهور حيث عدوا التثليث من السنن المؤكدة وذكر في " البناية " و " جامع المضمرات " و " المجتبى " و " الخلاصة " وغيرها أنه إ اعتاد الاكتفاء بالواحدة أو الاثنين أثم وإلا لا
    ( 30 ) قوله وهو كون الثلاث أفضل وجواز الاكتفاء بالواحدة والثنتين

    6 - أخبرنا مالك حدثنا أبو الزناد ( 1 ) عن عبد الرحمن ( 2 ) الأعرج ( 3 ) عن أبي هريرة قال : إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ( 4 ) ثم ليستنثر ( 5 )
    _________
    ( 1 ) قوله : أبو الزناد بكسر الزاي هو عبد الله بن ذكوان وأبو الزناد لقبه وكان يغضب منه لما فيه من معنى يلازم النار ولكنه اشتهر به لجودة ذهنه قال البخاري : أصح أسانيد أبي هريرة : أبو الزناد عن الأعرج عنه قال الواقدي : مات سنة 130 هـ كذا قال السيوطي وغيره ( إسعاف المبطأ ص 22 )
    ( 2 ) هو عبد الرحمن بن هرمز اشتهر بالأعرج وثقه يحيى والعجلي مات سنة 117 هـ بالإسكندرية كذا قال السيوطي وغيره ( إسعاف المبطأ ص 27 )
    ( 3 ) قوله : الأعرج : قال السمعاني في " الأنساب " : الأعرج بفتح الألف وسكون العين المهملة وفتح الراء في آخره جيم هذه النسبة إلى العرج والمشهور بها أبو حازم عبد الرحمن بن هرمز بن كيسان الأعرج مولى محمد بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب يروي عن أبي هريرة روى عنه الزهري وأبو الزناد
    ( 4 ) رواه القعنبي وابن بكير وأكثر الرواة فقالوا : في أنفه ماء قاله السيوطي
    ( 5 ) في نسخة : لينتثر . قال الفراء : يقال نثر وانتثر واستنثر إذا حرك النثرة في الطهارة وهي طرف الأنف

    7 - أخبرنا مالك حدثنا الزهري عن أبي إدريس ( 1 ) الخولاني ( 2 ) عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " من توضأ فليستنثر ( 3 ) ومن استجمر ( 4 ) فليوتر ( 5 ) "
    قال محمد : وبهذا ( 6 ) نأخذ ينبغي ( 7 ) للمتوضئ أن يتمضمض ويستنثر وينبغي له أيضا أن يستجمر ( 8 ) . والاستجمار : الاستنجاء ( 9 ) وهو قول أبي حنيفة ( 10 )
    _________
    ( 1 ) قوله : أبي إدريس اسمه عائذ الله بن عمرو القاري العابد أبوه صحابي ولد هو في العهد النبوي ثقة حجة مات سنة 80 هـ قاله السيوطي وغيره
    ( 2 ) نسبة إلى قبيلة بالشام
    ( 3 ) أي فليبالغ في استنشاقه فإن الشيطان يبيت على خياشيمه
    استنبطوا منه أن الاستنثار سنة على حدة غير الاستنشاق
    وليس في الموطأ في حديث مسند لفظ الاستنشاق ولا يكون الاستنثار إلا بعد الاستنشاق كذا في " الاستذكار "
    ( 4 ) الاستجمار المسح بالجمار وهي الأحجار الصغار
    ( 5 ) قوله : فليوتر أي ندبا لزيادة أبي داود وابن ماجة بإسناد حسن : من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج . وبهذا أخذ مالك وأبو حنيفة في أن الإيتار مستحب لا شرط كذا قال الزرقاني
    ( 6 ) أي بما أفاده هذا الخبر
    ( 7 ) قوله : ينبغي ... . إلخ المضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء فرضان في الجنابة عند أبي حنيفة وأصحابه والثوري وعند الشافعي ومالك والأوزاعي والليث بن سعد والطبري سنتان فيهما وعند ابن أبي ليلى وإسحاق بن راهويه فرضان فيهما وعند أبي ثور وأبي عبيد المضمضة سنة والاستنشاق واجب كذا في " الاستذكار " ( 1 / 159 ) وذكر ابن حجر في " فتح الباري " : أن ظاهر أمر الاستنثار للوجوب فيلزم من قال بوجوب الاستنشاق لورود الأمر به القول بوجوبه وهو ظاهر كلام " المغني " من الحنابلة . وصرح ابن بطال بأن بعض العلماء قال بوجوبه . انتهى . إذا عرفت هذا فنقول : استعمال محمد " ينبغي " هاهنا مبني على أنه أراد به المعنى الأعم لا الذي شاع في المتأخرين من كونه بمعنى " يستحب " . القدماء في ما هو أعلم من الاستحباب والاستنان والوجوب وقس عليه أكثر المواضع التي استعمل فيها محمد " ينبغي " فتفسير ينبغي ها هنا بيستحب كما صدر عن القارئ ليس كما ينبغي
    ( 8 ) قبل أن يشرع في التوضؤ
    ( 9 ) قوله : الاستنجاء هو إزالة النجو أي الأذى من المخرج بالماء أو الأحجار
    وقال ابن القصار : يجوز أن نقول : إنه مأخوذ من الاستجمار ( أو المراد بالاستجمار التبخر كما يكون في الأكفان وكان مالك يقوله أولا ثم رجع عنه انظر هامش " بذل المجهود " 1 / 85 ) بالبخور الذي به يطيب الرائحة . وقد اختلف قول مالك في معنى الاستجمار المذكور في الحديث فقيل : الاستنجاء وقيل : المراد به في البخور أن يأخذ منه ثلاث قطع أو يأخذ ثلاث مرات يستعمل واحدة بعد الأخرى . قال عياض : والأول أظهر وقال النووي : إنه الصحيح المعروف كذا في " التنوير "
    ( 10 ) وهو قول أبي حنيفة اختلف الفقهاء في الاستنجاء : هل هو واجب أم سنة ؟ فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أن ذلك ليس بواجب وأنه سنة لا ينبغي تركها فإن صلى كذلك فلا إعادة عليه إلا أن مالكا يستحب الإعادة في الوقت وأبو حنيفة يراعي ما خرج على فم المخرج مقدار الدرهم على أصله وقال الشافعي وأحمد : الاستنجاء واجب لا يجزئ صلاة من صلى من دون أن يستنجي بالاحجار أو بالماء كذا في " الاستذكار " ( 1 / 173 )

    8 - أخبرنا مالك أخبرنا نعيم ( 1 ) بن عبد الله المجمر ( 2 ) أنه سمع أبا هريرة يقول ( 3 ) : من توضأ فأحسن ( 4 ) وضوءه ثم خرج ( 5 ) عامدا ( 6 ) إلى الصلاة ( 7 ) فهو في صلاة ( 8 ) ما كان يعمد ( 9 ) وأنه ( 10 ) تكتب ( 11 ) له بإحدى ( 12 ) خطوتيه ( 13 ) حسنة وتمحى ( 14 ) عنه بالأخرى ( 15 ) سيئة فإن سمع أحدكم ( 16 ) الإقامة فلا يسع ( 17 ) ( 18 ) فإن أعظمكم أجرا ( 19 ) أبعدكم دارا ( 20 ) قالوا ( 21 ) : لم ( 22 ) يا أبا هريرة ؟ قال : من أجل كثرة ( 23 ) الخطا ( 24 )
    _________
    ( 1 ) هو أبو عبد الله المدني وثقه ابن معين وأبو حاتم وغيرهما قاله السيوطي
    ( 2 ) قوله : المجمر بضم الميم وسكون الجيم وكسر الميم صفة لنعيم بضم النون لأنه كان يأخذ المجمر قدام عمر رضي الله عنه إذا خرج إلى الصلاة في رمضان قاله ابن حبان وقال ابن ماكولا : كان يجمر المسجد لزم نعيم أبا هريرة عشرين سنة وروى عنه كثيرا كذا في " أنساب السمعاني " وفي " فتح الباري " : وصف ( في الأصل : " وصنف " وهو خطأ والصواب : " وصف " ) هو وأبوه عبد الله بذلك لأنهما كانا يبخران مسجد النبي صلى الله عليه و سلم وزعم بعض العلماء أنه وصف أبيه حقيقة ووصف ابنه نعيم بذلك مجاز وفيه نظر
    ( 3 ) قوله : يقول أي موقوفا قال ابن عبد البر : كان نعيم يوقف كثيرا من حديث أبي هريرة ومثل هذا لا يقال بالرأي فهو مسند وقد ورد معناه من حديث أبي هريرة وغيره بأسانيد صحاح كذا قال علي ( في الأصل : " العلي القاري " وهو تحريف ) القاري
    ( 4 ) قوله : فأحسن وضوءه بإتيانه بفرائضه وسننه وفضائله وتجنب منهياته
    ( 5 ) أي من بيته وفيه دلالة على فضل الوضوء قبل الخروج
    ( 6 ) أي قاصدا لها دون غيرها
    ( 7 ) قوله : إلى الصلاة فإن قلت : لو أراد الاعتكاف هل يدخل في هذا الحكم أم لا ؟ قلت : نعم إذ المراد أنه لا يريد إلا العبادة ولما كان الغالب منها الصلاة فيه ذكر لفظ الصلاة كذا في " الكواكب الدراري "
    ( 8 ) قوله : فهو في صلاة أي في حكمها من جهة كونه مأمورا بترك العبث وفي استعمال الخشوع وللوسائل حكم المقاصد وهذا الحكم مستمر " ما دام يعمد " بكسر الميم يقصد وزنا ومعنى وما ضيه عمد كقصد وفي لغة قليلة من باب فرح ثم المراد أن يكون باعث خروجه قصد الصلاة وإن عرض له في خروجه أمر دنيوي فقضاه والمدار على الإخلاص وفي معناه ما روى الحاكم عن أبي هريرة مرفوعا : إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع فلا يفعل هكذا وشبك بين أصابعه . وروى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان عن كعب بن عجرة مرفوعا : إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى الصلاة فلا يشبكن بين يديه فإنه في صلاة كذا قال الزرقاني
    ( 9 ) قوله : ما كان يعمد أي ما دام مستمرا على ما يريده وفيه إشارة إلى ما ورد أن الحسنة تكتب بقصدها ونيتها وإن لم يفعلها فإذا خرج عامدا إلى الصلاة فهو في صلاة حيث الثواب ما لم يبطل قصدها بعمل آخر مناف له
    ( 10 ) بفتح الهمزة وكسرها
    ( 11 ) مجهول من الكتابة
    ( 12 ) هي اليمنى
    ( 13 ) قوله : خطوتيه بضم الخاء ما بين القدمين وبالفتح المرة الواحدة قاله الجوهري وجزم اليعمري أنها ها هنا بالفتح والقرطبي والحافظ بالضم كذا قال الزرقاني
    ( 14 ) قوله : وتمحي عنه ... . إلخ قال الباجي : يحتمل أن يريد أن لخطاه حكمين فيكتب له ببعضها حسنات ويمحى عنه ببعضها سيآت وأن حكم زيادة الحسنات غير حكم محو السيآت وهذا ظاهر اللفظ ولذلك فرق بينهما وقد ذكر قوم أن معنى ذلك واحد وأن كتابة الحسنات بعينه محو السيآت كذا في " التنوير "
    ( 15 ) قوله : بالأخرى فيه إشعار بأن هذا الجزاء للماشي لا للراكب أي بلا عذر وروى الطبراني والحاكم وصححه البيهقي عن ابن عمر رفعه : إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا ينزعه إلا الصلاة لم تزل رجله اليسرى تمحو عنه سيئة وتكتب له اليمنى حسنة حتى يدخل المسجد كذا قال الزرقاني
    ( 16 ) وهو ماش إليها
    ( 17 ) أي لا يسرع بل يمشي على هيئته
    ( 18 ) قوله : فلا يسع فإن قلت قال الله تعالى : { فاسعوا إلى ذكر الله } وهو يشعر بالإسراع قلت : المراد بالسعي الذهاب يقال : سعيت إلى كذا أي ذهبت إليه كذا في " الكواكب "
    ( 19 ) قوله : فإن أعظمكم ... . إلخ تعليل لما حكم به من عدم السعي لما يستبعد ذلك من أجل أن الإسراع والرغبة إلى العبادة أحسن وحاصله أن أعظمكم أجرا من كان داره بعيدة من المسجد وما ذلك إلا لكثرة خطاه الباعثة لكثرة الثواب فلهذا الوجه بعينه يحكم بعدم السعي لئلا تقل خطاه فيقل ثوابه وقد ورد في " صحيح مسلم " من طريق جابر قال : خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فقال لهم النبي صلى الله عليه و سلم : بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد ؟ قالوا : نعم قال : يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم دياركم تكتب آثاركم . وورد مثله من حديث أنس في " صحيح البخاري " وغيره . وأخرج البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم من حديث أبي هريرة مرفوعا : إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم بأتموا . هذا لفظ البخاري
    ( 20 ) قوله : أبعدكم دارا ولا ينافيه ما ورد من قوله عليه السلام : " شؤم الدار بعدها عن المسجد " لأن شؤمها من حيث أنه قد يؤدي إلى تفويث الصلاة بالمسجد وفضلها بالنسبة إلى من يتحمل المشقة ويتكلف المسافة فشؤمها وفضلها أمران اعتباريان قاله علي القاري
    ( 21 ) أي الحاضرون في مجلسه
    ( 22 ) أي لأي شيء بعد الدار أعظم أجرا ؟
    ( 23 ) أي بسبب كثرة الأقدام في المشي
    ( 24 ) بضم الخاء وفتح الطاء جمع خطوة بالضم

    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    رد: كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 12:36 pm

    - ( باب غسل اليدين ( 1 ) في الوضوء ) ( 2 )
    9 - أخبرنا مالك أخبرنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ( 3 ) أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " إذا استيقظ أحدكم ( 4 ) من نومه ( 5 ) فليغسل يده ( 6 ) قبل أن يدخلها ( 7 ) في وضوئه ( 8 ) فإن أحدكم ( 9 ) لا يدري ( 10 ) أين باتت يده ( 11 )
    قال محمد : هذا ( 12 ) حسن ( 13 ) وهكذا ينبغي أن يفعل ( 14 ) وليس من الأمر الواجب الذي إن تركه تارك أثم ( 15 ) وهو ( 16 ) قول أبي حنيفة رحمه الله
    _________
    ( 1 ) قوله غسل اليدين بفتح الغين بمعنى إزالة الوسخ ونحوه بإمرار الماء عليه وأما بالضم فهو اسم للاغتسال وهو غسل تمام الجسد واسم للماء الذي يغتسل به وبالكسر اسم لما يغسل به الرأس كذا في " المغرب "
    ( 2 ) أي : في اتبدائه وهو غسلهما إلى الرسغين
    ( 3 ) قوله : عن أبي هريرة هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة الطحاوي وأحمد وغيرهم من حديثه بألفاظ متقاربة وأخرج بنحوه ابن ماجه والدارقطني من حديث ابن عمر وجابر . وقد استنبط الفقهاء من هذا الحديث استنان تقديم غسل اليدين إلى الرسغين عند بداية الوضوء وقالوا : قيد الاستيقاظ من النوم اتفاقي
    ( 4 ) فيه رمز إلى أن نوم النبي صلى الله عليه و سلم غير ناقض للوضوء
    ( 5 ) قوله : من نومه أخذ بعمومه الشافعي والجمهور فاستحبوه عقيب كل نوم وخصه أحمد بنوم الليل لقوله في آخر الحديث : " باتت يده " لأن حقيقة المبيت تكون بالليل وفي رواية لأبي داود ساق مسلم إسنادها : " إذا قام أحدكم من الليل " وكذا للترمذي من وجه آخر صحيح ولأبي عوانة في رواية ساق مسلم إسنادها أيضا : " إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح " . لكن التعليل يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل وإنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة قال الرافعي في " شرح المسند " : يمكن أن يقال : الكراهة في الغمس لمن نام ليلا أشد منها لمن نام نهارا لأن الاحتمال في نوم الليل أقرب لطوله عادة
    ثم الأمر عند الجمهور للندب وحمله أحمد على الوجوب في نوم الليل دون النهار وعنه في رواية استحبابه في نوم النهار
    واتفقوا على أنه لو غمس يده لم يضر الماء وقال إسحاق وداود والطبري : ينجس . واستدل لهم بما ورد من الأمر بإراقته . لكنه حديث أخرجه ابن عدي والقرينة الصارفة للأمر عن الوجوب للجمهور التعليل بأمر يقتضي الشك لأن الشك لا يقتضي وجوبا في الحكم استصحابا لأصل الطهارة . واستدل أبو عوانة على عدم الوجوب بوضوئه صلى الله عليه و سلم من الشن المعلق بعد قيامه من النوم . وتعقب بأن قوله : " أحدكم " يقتضي اختصاصه بغيره صلى الله عليه و سلم . وأجيب بأنه صح عنه غسل يديه قبل إدخالهما الإناء في حال اليقظة فاستحبابه بعدم النوم أولى ويكون تركه لبيان الجواز . وأيضا فقد قال في هذا الحديث في روايات مسلم وأبي داود وغيرهما : " فليغسلها ثلاثا " وفي رواية : " ثلاث مرات " والتقييد بالعدد في غير النجاسة العينية يدل على الندبية . ووقع في رواية همام عن أبي هريرة عند أحمد : " فلا يضع يده في الوضوء حتى يغسلها " والنهي فيه للتنزيه . والمراد باليد ها هنا الكف دون مازاد عليها كذا في " فتح الباري "
    ( 6 ) قوله : فليغسل يده في هذا الحديث من الفقه إيجاب الوضوء من النوم لقوله : " فليغسل يده قبل أن يدخلها " . وهذا أمر مجمع عليه في النائم والمضطجع إذا غلب عليه النوم واستثقل نوما أن الوضوء عليه واجب كذا في " الاستذكار "
    ( 7 ) قوله : قبل أن يدخلها لمسلم وابن خزيمة وغيرهما من طرق : " فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها " وهو أبين في المراد من رواية الإدخال لأن مطلق الإدخال لا يترتب عليه كراهة كمن أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناء صغير من غير أن يلامس يده الماء كذا في " فتح الباري "
    ( 8 ) قوله : في وضوئه أي : الماء الذي أعد للوضوء وفي رواية مسلم : " في الإناء " ولابن خزيمة : " في إنائه أو وضوئه " على الشك . والظاهر اختصاص ذلك بإناء الوضوء ويلتحق به إناء الغسل وكذا باقي الآنية قياسا وخرج بذكر الإناء الحياض التي لا تفسد بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها . كذا في " الفتح "
    ( 9 ) قوله : فإن أحدكم قال البيضاوي : فيه إيماء إلى أن الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة لأن الشارع إذا ذكر حكما وعقبه بعلة دل على أن ثبوت الحكم لأجلها ومثله قوله في حديث المحرم الذي سقط فمات " فإنه يبعث ملبيا " بعد نهيهم عن تطييبه فنبه على علة النهي . وعبارة الشيخ أكمل الدين : إذا ذكر الشارع حكما وعقبه أمرا مصدرا بالفاء كان ذلك إيماء إلى أن ثبوت الحكم لأجله . نظيره الهرة ليست بنجسة فإنها من الطوافين عليكم والطوافات
    وقال الشافعي : كانوا يستجمرون وبلارهم حارة فربما عرق أحدهم إذا نام فيحتمل أن تطوف يده على المحل أو على بثرة أو دم حيوان أو قذر أو غير ذلك . وذكر غير واحد أن " باتت " في هذا الحديث بمعنى صارت منهم ابن عصفور كذا في التنوير
    ( 10 ) أي : لا يدري تعيين الموضع الذي باتت يده فيه فلعلها أصابتها نجاسة
    ( 11 ) زاد ابن خزيمة والدار قطني " منه " أي : من جسده
    ( 12 ) قوله : هذا حسن أي : تقديم غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء عند الاستيقاظ على ما دل عليه الحديث ( وذكر العيني في عمدة القاري ( 1 / 755 إلى 761 ) عشرين فائدة مستنبطة من هذا الحديث )
    ( 13 ) أي : مستحسن
    ( 14 ) قوله : وهكذا ينبغي أن يفعل إشارة إلى أن الأمر محمول على الندب كما صرح به بقوله : وليس من الأمر الواجب ولذا روى سعيد بن منصور في " سننه " عن ابن عمر : أنه أدخل يده في الإناء قبل أن يغسل . وروى ابن أبي شيبة عن البراء : أنه أدخل يده في المطهرة قبل أن يغسلها . وروى عن الشعبي : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يدخلون أيديهم في الماء قبل أن يغسلوها . وهذا عند عدم تيقن النجاسة على يده وظنها وأما عند ذلك فلا يجوز إدخال اليد قبل الغسل لئلا يتنجس الماء
    ( 15 ) قوله : الذي إن تركه تارك أثم قد زعم بعض من في عصرنا بأن الإثم منوط بترك الواجب وما فوقه ولا يلحق الإثم بترك السنة المؤكدة واغتر بهذه العبارة وأمثالها وليس كذلك فقد صرح الأصوليون كما في " كشف أصول البزدوي " وغيره أن تارك السنة المؤكدة يلحقه إثم دون إثم تارك الواجب وصرح صاحب " التلويح " وغيره بأن ترك السنة قريب من الحرام . وهذا هو الصحيح لما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس ومسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا : " من رغب عن سنتي فليس مني " وأخرج الطبراني في " المعجم الكبير " وابن حبان والحاكم عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ستة لعنتهم : الزائد في كتاب الله والمكذب بقدر الله والمتسلط على أمتي بالجبروت ليذل من أعزه الله ويعز من أذله الله والمستحل لحرم الله والمستحل من عترتي والتارك لسنتي " وأخرج مسلم عن ابن مسعود : ( من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بهن ... الحديث وفيه ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا الرجل المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم ) وأخرج أبو نعيم في " حلية الأولياء " عن معاذ بن جبل : ( لا تقل إن لي مصلى في بيتي فأصلي فيه فإنكم إن فعلتم ذلك تركتم سنة نبيكم ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم )
    والأخبار المفيدة لهذا المطلب كثيرة شهيرة وقد سلك ابن الهمام في " فتح القدير " على أن الإثم منوط بترك الواجب ورده صاحب " البحر الرائق " وغيره بأحسن رد
    وإذا عرفت هذا كله فنقول : المراد من الواجب في الكتاب اللازم أعم من أن يكون لزوم سنة أو لزوم وجوب أو لزوم افتراض فإن اللزوم مختلف فلزوم الفرض أعلى ولزوم الواجب أوسط ولزوم السنة أدنى وعلى هذا الترتيت ترتيب الإثم لا الوجوب الاصطلاحي الذي جعلوه قسيما للافتراض والاستنان وحينئذ فلا دلالة لكلام محمد على قصر الإثم على الواجب
    أو نقول : بعد تسليم أن المراد بالواجب في كلامه هذا مايشمل الفرض والواجب دون السنة إن التنوين في قوله " تارك " للتنكير فلا يستفاد منه إلا أن الواجب يلحق تاركه أي تارك كان ولو تركه مرة : إثم وهو أمر لا ريب فيه فإن الفرض والواجب يلزم من تركهما ولو مرة بشرط أن يكون لغير عذر إثم ولا كذلك السنة فإنه لو تركها ( في الأصل : " تركه " والظاهر : " تركها " ) مرة أو مرتين لا بأس به لكن إن اعتاد ذلك أو جعل الفعل وعدمه متساويين أثم كما صرح به في " شرح تحرير الأصول " لابن أمير الحاج . فلا يفيد حينئذ كلامه إلا قصر الإثم على سبيل العموم والإطلاق على الواجب لا قصر مطلق الإثم عليه
    أو نقول : المراد بالإثم مقابل الملامة التي تلزم بترك السنة المؤكدة فلا يفيد كلامه حينئذ إلا قصر الإثم العظيم على الواجب لا مطلق الإثم
    وهذا كله إذا سلم دلالة كلامه على القصر وإلا فالافتراض ( في الأصل : " فالاغترار " وهو تحريف والصواب : " فالافتراض " ) ساقط من أصله وقد استدل من لم يوجب بترك السنة إثما بأحاديث لا تفيد مدعاه عند الماهر ولولا خشية التطويل لطولت الكلام في ما له وما عليه
    ( 16 ) أي : كونه حسنا لا واجبا

    4 - ( باب الوضوء ( 1 ) في الاستنجاء )
    10 - أخبرنا مالك أخبرنا يحيى ( 2 ) بن محمد بن طحلاء ( 3 ) عن عثمان بن عبد الرحمن أن أباه ( 4 ) أخبره : أنه سمع عمر بن الخطاب ( 5 ) رضي الله عنه يتوضأ ( 6 ) ( 7 ) وضوء ( 8 ) لما تحت إزاره ( 9 )
    قال محمد : وبهذا نأخذ والاستنجاء بالماء أحب ( 10 ) إلينا من غيره ( 11 ) وهو ( 12 ) قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى
    _________
    ( 1 ) قوله : الوضوء بالفتح قد يراد به غسل بعض الأعضاء من الوضاءة وهي الحسن كذا في " النهاية " وهو المراد ها هنا والمقصود به غسل موضع الاستنجاء بالماء
    ( 2 ) قوله : يحيى ... إلخ هو يحيى بن محمد بن طحلاء المدني التيمي روى عن أبيه وعثمان وعنه مالك والدراوردي وآخرون ذكره ابن حبان في ثقات التابعين كذا ذكره الزرقاني
    ( 3 ) بفتح الطاء ممدودا
    ( 4 ) قوله : أن أباه هو عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي المدني صحابي قتل مع ابن الزبير وابنه عثمان من الخامسة ثقة كذا في " التقريب "
    ( 5 ) قوله : عمر بن الخطاب هو أبو حفص عمر بن الخطاب العدوي القرشي أحد العشرة وأحد الخلفاء الراشدين الملقب بالفاروق أسلم سنة ست من النبوة وقيل سنة خمس وظهر الإسلام بإسلامه قال ابن مسعود : والله إني لأحسب لو أن علم عمر وضع في كفة الميزان ووضع علم سائر أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر . له فضائل كثيرة استشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين . كذا في " أسماء رجال المشكاة " لصاحب المشكاة
    ( 6 ) أي : يتطهر
    ( 7 ) قوله يتوضأ أدخل مالك هذا الحديث في " الموطأ " ردا على من قال : إن عمر كان لا يستنجي بالماء وإنما كان استنجاؤه وسائر المهاجرين بالأحجار وذكر قول سعيد بن المسيب في الاستنجاء بالماء : إنما ذلك وضوء النساء وذكر أبو بكر بن أبي شيبة : نا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن همام عن حذيفة : أنه سئل عن الاستنجاء بالماء ؟ فقال : إذا لا يزال في يدي نتن . وهو مذهب معروف عند المهاجرين
    وأما الأنصار فالمشهور عنهم أنهم كانوا يتوضؤون بالماء ومنهم من كان يجمع بين الطهارتين فيستنجي بالأحجار ثم يتبع بالماء كذا في " الاستذكار "
    ( 8 ) زاد يحيى " بالماء "
    ( 9 ) كناية عن موضع الاستنجاء أي : إنه بالماء أفضل منه بالحجر
    ( 10 ) والجمع بينهما أفضل إجماعا خلافا للشيعة حيث لم يكتفوا بغير الماء
    ( 11 ) قوله : من غيره أي من الاكتفاء بالأحجار خلافا للبعض أخذا مما أخرجه ابن أبي شيبة عن حذيفة أنه سئل عن الاستنجاء بالماء ؟ فقال : إذن لا يزال في يدي نتن . وعن نافع أن ابن عمر كان لا يستنجي بالماء . وعن ابن الزبير : ما كنا نفعله
    ووجه كون الاستنجاء بالماء أفضل كونه أكمل في التطهير وثبوته عن النبي صلى الله عليه و سلم ففي صحيح البخاري عن أنس : كان النبي صلى الله عليه و سلم إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام معنا إداوة من ماء يعني يستنجي به . وللبخاري أيضا عن أنس : كان صلى الله عليه و سلم إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل به . ولابن خزيمة عن جرير : أنه صلى الله عليه و سلم دخل الغيضة فقضى حاجته فأتاه جرير بأداوة فاستنجى بها . وللترمدي عن عائشة قال : مرن أزواجكن أن يغسلوا أثر البول والغائط : فإن النبي صلى الله عليه و سلم كان يفعله . ولابن حبان من حديث عائشة : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج من غائط قط إلا استنجى من ماء
    وبهذه الأحاديث يرد على من أنكر وقوع الاستنجاء بالماء من النبي صلى الله عليه و سلم كذا في " فتح الباري " و " إرشاد الساري "
    وأما الجمع بين الماء والحجر فهو أفضل الأحوال وفيه نزلت { فيه } أي في مسجد قبا { رجال يحبون أن يتطهروا } وكان أهل قبا يجمعون بينهما . أخرجه ابن خزيمة والبزار وغيرهما . وقد سقت الأخبار فيه في رسالتي " مذيلة الدراية لمقدمة الهداية " والمعلوم من الأحاديث المروية في الصحاح أن الجمع كان غالب أحواله صلى الله عليه و سلم وهذا كله في الاستنجاء من الغائط وأما الاستنجاء من البول فلم نعلم فيه خبرا يدل على الإنقاء بالحجر إلا ما يحكىعن عمر أنه بال ومسح ذكره على التراب وقد فصلته في رسالتي المذكورة
    ( 12 ) أي كونه أحب

    5 - ( باب الوضوء من مس الذكر )

    11 - أخبرنا مالك حدثنا إسماعيل ( 1 ) بن محمد بن سعد بن أبي وقاص عن مصعب ( 2 ) بن سعد ( 3 ) قال : كنت أمسك ( 4 ) ( 5 ) المصحف على سعد ( 6 ) فاحتككت ( 7 ) فقال : لعلك مسست ( 8 ) ذكرك فقلت : نعم قال : قم فتوضأ ( 9 ) قال : فقمت فتوضأت ( 10 ) ثم رجعت
    _________
    ( 1 ) قال ابن معين : ثقة حجة مات سنة 134 هـ كذا قال السيوطي
    ( 2 ) قوله عن مصعب بن سعد هو مصعب بن سعد بن أبي وقاص الزهري أبو زرارة المدني ثقة مات سنة 103 هـ وأبوه سعد بن أبي وقاص مالك بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهري أبو إسحاق أحج العشرة المبشرة بالجنة مناقبه كثيرة وهو آخر العشرة وفاة مات على المشهور سنة 55 هـ وابن ابنه إسماعيل بن محمد بن سعد أبو محمد المدني ثقة حجة من التابعين مات سنة 134 هـ كذا في " تقريب التهذيب "
    ( 3 ) ابن أبي وقاص
    ( 4 ) أي آخذه
    ( 5 ) قوله : قال كنت أمسك ... . إلخ هذا الأثر أخرجه الطحاوي في " شرح معاني الآثار " عن أبي بكرة عن أبي داود ثنا شعبة عن الحكم قال : سمعت مصعب بن سعد بن أبي وقاص يقول : كنت أمسك المصحف على أبي فمسست فرجي فأمرني أن أتوضأ ثم روى عن إبراهيم بن مرزوق . نا أبو عامر نا عبد الله بن جعفر عن إسماعيل بن محمد عن مصعب بن سعد : كنت أمسك المصحف على أبي فاحتككت فأصبت فرجي فقال : أصبت فرجك ؟ قلت : نعم قال : اغمس يدك بالتراب ولم يأمرني أن أتوضأ . ثم روى عن خزيمة نا عبد الله بن رجاء نا زائدة عن إسماعيل عن أبي خالد عن الزبير ابن عدي عن مصعب بن سعد مثله غير أنه قال : قم فاغسل يدك ثم قال الطحاوي : فقد يجوز أن يكون الوضوء الذي رواه الحكم في حديثه عن مصعب هو غسل اليد على ما بينه عنه الزبير حتى لا تتضاد الروايتان
    ( 6 ) أي لأجله حال قراءته
    ( 7 ) أي تحت إزاري
    ( 8 ) بكسر السين الأولى وفتحها أي لمست بكف يدك
    ( 9 ) لأنه لا يمس القرآن إلا طاهر
    ( 10 ) قوله : فتوضأت يحتمل أن يراد به الوضوء اللغوي دفعا لشبهة ملاقاة النجاسة قاله القاري وهو مستبعد

    12 - أخبرنا مالك أخبرني ابن شهاب عن سالم ( 1 ) بن عبد الله ( 2 ) عن أبيه ( 3 ) أنه كان يغتسل ثم يتوضأ فقال ( 4 ) له : أما يجزيك الغسل من الوضوء ( 5 ) ؟ قال : بلى ( 6 ) ولكني أحيانا ( 7 ) أمس ذكري فأتوضأ ( 8 )
    قال محمد : لا وضوء في مس الذكر ( 9 ) وهو ( 10 ) قول أبي حنيفة ( 11 ) وفي ذلك آثار ( 12 ) كثيرة
    _________
    ( 1 ) قوله : عن سالم هو سالم بن عبد الله بن عمر أبو عمرو أو أبو عبد الله المدني الفقيه قال مالك : لم يكن أحد في زمانه أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل منه وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه : أصح الأسانيد ابن شهاب الزهري عن سالم عن أبيه وقال العجلي : مدني تابعي ثقة مات سنة 106 هـ على الأصح . وأبوه علد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي أبو عبد الرحمن أسلم قديما وهو صغير وهاجر مع أبيه وشهد الخندق والمشاهد كلها وسماه رسول الله صلى الله عليه و سلم بالعبد الصالح وله مناقب جمة مات سنة 73 هـ وقيل 74 هـ كذا في " تهذيب التهذيب " للحافظ ابن حجر
    ( 2 ) ابن عمر
    ( 3 ) قوله : عن أبيه هذا الأثر يكشف أن ابن عمر كان يرى الوضوء من مس الذكر ويشيده ما رواه مالك في " الموطأ " عن نافع عن سالم قال : كنت مع ابن عمر في سفر فرأيته بعد أن طلعت الشمس توضأ ثم صلى فقلت له : إن هذه الصلاة ما كنت تصليها قال : إني بعد أن توضأت لصلاة الصبح مسست فرجي ثم نسيت أن أتوضأ فتوضأت وعدت لصلاتي . وقال الطحاوي في " شرح معاني الآثار " : لم نعلم أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أفتى بالوضوء منه غير ابن عمر وقد خالفه في ذلك أكثر الصحابة . انتهى
    أقول : ليس كذلك فقد علمنا أن جمعا من الصحابة أفتى بمثله منهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة على اختلاف عنه وزيد بن خالد الجهني والبراء بن عازب وجابر بن عبد الله وسعد بن أبي وقاص في رواية أهل المدينة عنه كذا في " الاستذكار " وفيه أيضا : ذهب إليه من التابعين سعيد بن المسيب في رواية عبد الرحمن بن حرملة رواه عنه ابن أبي ذئب وحاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن عنه : أن الوضوء واجب على من مس ذكره وروى ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب : أنه كان لا يتوضأ منه . وهذا أصح عندي من حديث ابن حرملة لأنه ليس بالحافظ عندهم كثيرا . وكان عطاء بن أبي رباح وطاووس وعروة بن الزبير وسليمان بن يسار وأبان بن عثمان ومجاهد ومكحول الشعبي وجابر بن زيد والحسن وعكرمة وجماعة من أهل الشام والمغرب كانو يرون الوضوء من مس الذكر وبه قال الأوزاعي والليث بن سعد الشافعي وأحمد وإسحاق واضطرب قول مالك والذي تقرر عنه عند أهل المغرب من أصحابه أن من مس ذكره أمره بالوضوء ما لم يصل فإن صلى أمره بالإعادة في الوقت فإن خرج فلا إعادة عليه . انتهى
    ( 4 ) أي ابنه سالم
    ( 5 ) أي أما يكفيك لا سيما مع سبق الوضوء الذي هو السنة
    ( 6 ) أي يجزي
    ( 7 ) أي في بعض الأوقات بعد الغسل
    ( 8 ) لا لأن الغسل لا يجزي
    ( 9 ) أي لا يجب نعم يستحب اعتبارا لموضع الخلاف
    ( 10 ) أي عدم الوضوء
    ( 11 ) قوله : قول أبي حنيفة وإليه ذهب أصحابه وجمهور علماء العراق وروي ذلك عن علي وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وأبي الدرداء وعمران بن حصين لم يختلف عنهم في ذلك واختلف في ذلك عن أبي هريرة وسعد وبه قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن وسفيان الثوري وشريك والحسن بن صالح بن حي كذا في الاستذكار . وفي جعله ابن عباس ممن لم يختلف عنه نظر فقد روى الطحاوي عن سليمان بن شعيب نا عبد الرحمن بن زياد نا شعبة عن قتادة كان ابن مسعود وابن عباس يقولا في الرجل يمس ذكره يتوضأ فقلت لقتادة : عمن هذا ؟ قال : عن عطاء ابن أبي رباح . ثم روى بإسناده عن ابن عباس : أنه كان لا الوضوء منه . فثبت الاختلاف عنه . وروى الطحاوي عن سعيد بن المسيب والحسن البصري أيضا أنهما كانا لا يريان الوضوء
    ( 12 ) المراد بالأثر أعم من المرفوع والموقوف كما مر

    13 - قال محمد : أخبرنا أيوب ( 1 ) بن عتبة التيمي قاضي اليمامة ( 2 ) عن قيس بن طلق ( 3 ) أن أباه ( 4 ) حدثه : أن رجلا ( 5 ) سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن رجل مس ذكره أيتوضأ ؟ قال : هل هو إلا بضعة ( 6 ) من جسدك ( 7 )
    _________
    ( 1 ) قوله : أيوب هو أيوب بن عتبة - بضم العين - أبو يحيى قاضي اليمامة من بني قيس بن ثعلبة مختلف في توثيقه وتضعيفه قال ابن حجر في " تهذيب التهذيب " : روى عن يحيى بن أبي كثير وعطاء وقيس بن طلث الحنفي وجماعة وعنه أبو داود الطيالسي وأسود بن عامر ومحمد بن الحسن وأحمد بن يونس وغيرهم قال حنبل عن أحمد : ضعيف وقال في موضع آخر : ثقة إلا أنه لا يقيم حديث يحيى بن أبي كثير وقال الدوري عن ابن معين : قال أبو كامل : ليس بشيء وقال ابن المديني والجوزجاني وعمرو بن على ومسلم : ضعيف زاد عمرو : وكان سيئ الحفظ وهو من أهل الصدق وقال العجلي : يكتب حديثه وليس بالقوي وقال البخاري : هو عندهم لين . انتهى ملخصا . وشيخ أيوب قيس بن طلق من التابعين صدوق وأبوه طلق بن علي بن المنذر الحنفي نسبة إلى قبيلة بني حنيفة أبو على اليمامي معدود في الصحابة ذكره ابن حجر في " التقريب " وغيره
    ( 2 ) بالفتح اسم بلدة
    ( 3 ) ابن علي
    ( 4 ) أي : طلق
    ( 5 ) قوله : أن رجلا ... . إلخ قال محيي السنة البغوي في " المصابيح " : حديث طلق منسوخ لأن طلقا قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يبني المسجد النبوي وذلك في السنة الأولى وقد روى أبو هريرة وهو أسلم سنة سبع أنه صلى الله عليه و سلم قال : " إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينه وبينها شيء فليتوضأ . انتهى . وتعقبه شارح " المصابيح " فضل الله التوربشتي على ما نقله الطيبي في " شرح المشكاة " بأن ادعاء النسخ فيه مبني على الاحتمال وهو خارج عن الاحتياط إلا أن يثبت أن طلقا توفي قبل إسلام أبي هريرة أو رجع إلى أرضه ولم يبق له صحبة بعد ذلك وما يدري أن طلقا سمع هذا الحديث بعد إسلام أبي هريرة . وقد ذكر الخطابي أن أحمد بن حنبل كان يرى الوضوء من مس الذكر وكان ابن معين يرى خلاف ذلك وفي ذلك دليل ظاهر على أن لا سبيل إلى معرفة الناسخ والمنسوخ منهما . انتهى . قلت : فيه ما فيه فإن احتمال أن يكون طلقا سمع هذا الحديث بعد إسلام أبي هريرة مردود بما جاء في رواية النسائي عن هناد عن ملازم نا عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق بن علي عن أبيه قال : خرجنا وفدا حتى قدمنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فبايعناه وصلينا معه فلما قضى الصلاة جاء رجل كأنه بدوي فقال : يا رسول الله ما ترى في رجل مس ذكره في الصلاة ؟ قال : " وهل هو إلا مضغة منك أو بضعة منك " . ومثله في رواية ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وغيرهما . فظاهر هذه الروايات أن سماع طلق هذا الحديث كان عند قدومه في المجلس النبوي ومن المعلوم أن قدومه كان في السنة الأولى من الهجرة ولم يثبت أنه قدم مرة ثانية أيضا وسمع الحديث عند ذلك
    وتعقب العيني في " البناية " كلام محيي السنة بأن دعوى النسخ إنما يصح بعد ثبوت صحة حديث أبي هريرة ونحن لا نسلم صحته . انتهى
    وفيه أيضا ما فيه فإن حديث أبي هريرة أخرجه الحاكم في " المستدرك " وصححه وأحمد في " مسنده " والطبراني والبيهقي والدارقطني وفي سنده يزيد بن عبد الملك متكلم فيه لكن ليس بحيث يترك حديثه مع أن حديث النقض مروي من طرق عن جماعة الصحابة منهم أم حبيبة وعائشة وعبد الله بن عمر وبسرة وأبو أيوب بل قد روي عن طلق بن علي راوي عدم النقض قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من مس ذكره فليتوضأ " . أخرجه الطبراني في " معجمه " عن الحسن بن على عن حماد بن محمد الحنفي عن أيوب بن عتبة عن قيس بن طلق عن أبيه والأولى أن يتعقب كلام محيي السنة بما في " فتح المنان " وغيره أن رواية الصحابي المتأخر الإسلام لا يستلزم تأخر حديثه فيجوز أن يكون المتأخر سمعه من صحابي متقدم فرواه بعد ذلك وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال
    والإنصاف في هذا البحث أن يقال : لا سبيل إلى الجزم بالنسخ في هذا البحث في طرف من الطرفين لكن الذي يقرب أنه إن كان هناك نسخ فهو لحديث طلق لا بالعكس
    ( 6 ) هو بالفتح : القطعة من اللحم . وقد تكسر ومنه " فاطمة بضعة مني " ومنه : " وهل هو إلا بضعة " كذا في " مجمع البحار "
    ( 7 ) قوله : من جسدك هذا الحديث رواه عن قيس بن طلق الحنفي جماعة منهم أيوب بن عتبة كما أخرجه محمد ها هنا وأخرجه الطحاوي أيضا عن محمد بن العباس اللؤلؤي نا أسد نا أيوب . ومنهم محمد بن جابر أخرجه ابن ماجه عن على بن محمد نا وكيع نا محمد بن جابر سمعت قيس بن طلق الحنفي عن أبيه سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن نس الذكر " قال : " ليس فيه وضوء إنما هو منك " . وأخرج الطحاوي عن يونس نا سفيان عن محمد بن جابر عن قيس وعن أبي بكرة نا مسدد نا محمد بن جابر . ومنهم الأسود أخرجه الطحاوي عن أبي أمية نا الأسود عن عامر وخلف بن الوليد وأحمد بن يونس وسعيد بن سليمان عن أسود عن قيس . وذكر أبو داود أنه قد رواه هشام بن حسان وسفيان الثوري وشعبة وابن عيينة وجرير الرازي عن محمد بن جابر عن قيس . ومنهم عبد الله بن بدر أخرجه النسائي عن هناد عن ملازم عنه عن قيس عن أبيه : خرجنا وفدا حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فبايعناه وصلينا معه فلما قضى الصلاة جاء رجل كأنه بدوي فقال : يا رسول الله ما ترى في رجل مس ذكره في الصلاة ؟ قال : " وهل هو إلا مضغة منك أو بضعة منك " . وأخرج الترمذي عن هناد بإساند النسائي وقال : هذا الحديث أحسن شيء في الباب . وقد روى هذا الحديث أيوب بن عتبة ومحمد بن جابر عن جابر . وقد تكلم أهل الحديث في أيوب ومحمد وحديث ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر عن قيس عن أبيه : أصح وأحسن . انتهى . ورواه أبو داود عن مسدد عن ملازم بالسند المذكور ولفظه : قدمنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فجاء رجل كأنه بدوي فقال : يا نبي الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ ؟ فقال : " هل هو إلا مضغة منك أو بضعة منك ؟ " وقال الطحاوي : حديث ملازم مستقيم الإسناد غير مضطرب في إسناده ولا في متنه . انتهى
    وفي رواية ابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن طلق : خرجنا وفدا حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم فبايعناه وصلينا معه فجاء رجل فقال : يا رسول الله ماترى في مس الذكر في الصلاة ؟ فقال : " وهل هو إلا بضعة منك " . وفي رواية ابن حبان عنه أن رجلا قال : يا رسول الله إن أحدنا يكون في الصلاة فيحك فيصيب بيده ذكره قال لا بأس به إنه كبعض جسدك فهذه طرق حديث طلق وألفاظه ومما يشيده ما أخرجه ابن منده من طريق سلام بن الطويل عن إسماعيل بن رافع عن حكيم بن سلمة عن رجل من بني حنيفة يقال له خريسة : أن رجلا أتيى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : إني أكون في صلاتي فتقع يدي على فرجي فقال : " امض في صلاتك " . قال الحافظ ابن حجر في " الإصابة في أحوال الصحابة " : سلام ضعيف وكذا إسماعيل . انتهى . وأخرج ابن ماجه عن أبي أمامة : سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن مس الذكر ؟ فقال : " إنما هو جزء منك " . وفي طريقه جعفر بن الزبير الراوي عن القاسم الراوي عن أبي أمامة . قال شعبة : كذاب وقال النسائي والدارقطني متروك الحديث كذا في تهذيب التهذيب وأخرج الدارقطني عن عصمة بن مالك الخطمي ( في الأصل : " الحطمي " وهو تحريف ) رضي الله عنه أن رجلا قال يا رسول الله إني احتككت في الصلاة فأصابت يدي فرجي فقال : وأنا أفعل ذلك وفي سنده الفضل بن مختار قال ابن عدي : أحاديثه منكرة كذا قال الزيلعي وأخرج أبو يعلى في مسنده عن سيف بن عبد الله قال : دخلت أنا ورجل معي على عائشة فسألناها عن الرجل يمس فرجه أو المرأة ؟ فقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : " ما أبالي إياه مسست أو أنفي "

    14 - قال محمد : أخبرنا طلحة بن عمرو المكي ( 1 ) أخبرنا عطاء بن أبي رباح ( 2 ) عن ابن عباس ( 3 ) قال : في مس الذكر وأنت ( 4 ) في الصلاة قال : ما أبالي ( 5 ) مسسته أو مسست أنفي
    _________
    ( 1 ) قوله : أخبرنا طلحة بن عمرو ... . إلخ هو طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي المكي متكلم فيه قال في " تهذيب التهذيب " : روى عن عطاء بن أبي رباح ومحمد بن عمرو بن علقمة وابن الزبير وسعيد بن جبير وغيرهم وعنه جرير بن حازم والثوري وأبو داود الطيالسي ووكيع وغيرهم قال أحمد : لا شيء متروك الحديث وقال ابن معين : ليس بشيء ضعيف وقال الجوزجاني : غير مرضي في حديثه وروى له ابن عدي أحاديث وقال : روى عنه قوم ثقات وعامة ما يرويه لا يتابع عليه وقال عبد الرزاق : سمعت معمرا يقول : اجتمعت أنا وشعبة والثوري وابن جريح فقدم علينا شيخ فأملى علينا أربعة آلاف حديث عن ظهر قلب فما أخطأ إلا في موضعين ونحن ننظر الكتاب ولم يكن الخطأ منا ولا منه إنما كان من فوق وكان الرجل طلحة بن عمرو . انتهى ملخصا . وهذا الضعف لا يضر في أصل المقصود فقد تابعه عن عطاء وعكرمة بن عمار وتابع عطاء سعيد بن جبير في رواية الطحاوي
    ( 2 ) قوله : عطاء بن أبي رباح بفتح الراء المهملة هو عطاء بن أبي رباح أسلم أبو محمد القرشي المكي روى عن عائشة وابن عباس وأبي هريرة وخلق وعنه الأوزاعي وابن جريج وأبو حنيفة والليث وغيرهم ثقة فقيه فاضل مات سنة 114 هـ على المشهور كذا في " كاشف " الذهبي و " تقريب " ابن حجر
    ( 3 ) قوله : عن ابن عباس هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم رسول الله صلى الله عليه و سلم يقال له الحبر والبحر لكثرة علمه وله فضائل شهيرة مذكورة في كتب الصحابة " كأسد الغابة " و " الإصابة " وغيرهما مات سنة 68 هـ وقيل سنة 69 هـ وقيل سنة سبعين ذكره في " التهذيب " . قال العيني في " البناية شرح الهداية " في كتاب الحج في بحث الوقوف بمزدلفة : إذا أطلق ابن عباس لا يراد به إلا عبد الله بن عباس . انتهى . وذكر أيضا في " البناية " في كتاب " الحظر والإباحة " : أن المحدثين اصطلحوا على أنهم إذا ذكروا عبد الله من غير نسبة يريدون به عبد الله بن مسعود وإن كان يتناول غيره بحسب الظاهر وكذلك يقولون : قال ابن عمر ويريدون به عبد الله بن عمر مع أن عمر له أولاد غير عبد الله . انتهى . وقال علي القاري المكي في " جمع الوسائل بشرح الشمائل " أي : شمائل الترمذي : اصطلاح المحدثين على أنه إذا أطلق علي في آخر الأسماء فهو علي بن أبي طالب وإذا أطلق عبد الله فهو ابن مسعود وإذا أطلق الحسن فهو الحسن البصري ونظيره إطلاق أبي بكر وعمر وعثمان انتهى
    وقال القاري أيضا في كتابه " الأثمار الجنية في طبقات الحنفية " : إذا أطلق ابن عباس لا يراد به إلا عبد الله وكذا إذا أطلق ابن عمر وابن الزبير وأما إذا أطلق عبد الله فهو ابن مسعود في اصطلاح العلماء من الفقهاء والمحدثين . انتهى . فليحفظ هذا فإنه نافع
    ( 4 ) خطاب عام

    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    رد: كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 12:37 pm

    ( 5 ) قوله : ما أبالي متكلم من المبالاة أي : لا أخاف يعني مس الذكر ومس الأنف متساويان في عدم انتقاض الوضوء به فلا أبالي مسست ذكري أو أنفي . وبمثله أخرج الطحاوي عن أبي بكرة نا يعقوب بن إسحاق . نا عكرمة بن عمار نا عطاء عن ابن عباس أنه قال : ما أبالي إياه مسست أو أنفي وأخرج أيضا عن صالح بن عبد الرحمن نا سعيد بن منصور نا هشيم أنبأنا الاعمش عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : أنه كان لا يرى في مس الذكر وضوء

    15 - قال محمد : أخبرنا إبراهيم ( 1 ) ابن محمد المدني ( 2 ) ( 3 ) أخبرنا صالح ( 4 ) مولى التوأمة ( 5 ) عن ابن عباس قال : ليس ( 6 ) في مس الذكر وضوء
    _________
    ( 1 ) قوله : إبراهيم بن محمد هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى واسمه سمعان الأسلمي أبو إسحاق المدني مختلف في توثيقه وتضعيفه . قال في " تهذيب الكمال " و " تهذيب التهذيب " : روى عن الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وصالح مولى التوأمة ومحمد بن المنكدر وغيرهم وعنه الثوري والشافعي وأبو نعيم قال أبو طالب عن أحمد : لا يكتب حديثه كان يروي أحاديث منكرة لا أصل لها وقال الشافعي : ثقة في الحديث وقال ابن عدي : سألت أحمد بن محمد بن سعيد يعني ابن عقدة : هل تعلم أحدا أحسن القول في إبراهيم غير الشافعي فقال : نعم نا أحمد بن يحيى سمعت حمدان بن الأصبهاني قلت : أتدين بحديث إبراهيم ؟ قال : نعم قال لي أحمد بن محمد بن سعيد : نظرت في حديث إبراهيم كثيرا وليس بمنكر الحديث قال ابن عدي : وهذا الذي قاله كما قال وقد نظرت أنا أيضا في حديثه الكثير فلم أجد فيه منكرا إلا عن شيوخ يحتملون وهو في جملة من يكتب حديثه وله " الموطأ " أضعاف " موطأ مالك " مات سنة 184 هـ وقيل : سنة 191 هـ . انتهى ملخصا
    ( 2 ) وفي نسخة محمد بن المدني
    ( 3 ) هو بفتحتين نسبة إلى المدينة السكنية
    ( 4 ) قوله : صالح هو صالح بن أبي صالح نبهان المديني روى عن ابن عباس وعائشة وأبي هريرة وغيرهم وعنه ابن أبي ذئب وابن جريج والسفيانان وغيرهم قال بشر بن عمر : سألت مالكا عنه فقال : ليس بثقة وقال أحمد بن حنبل : كأن مالكا أدركه وقد اختلط فمن سمع منه قديما فذاك وقد روى عنه أكابر أهل المدينة وهو صالح الحديث ما أعلم به بأسا وقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم : سمعت ابن معين يقول : صالح مولى التوأمة ثقة حجة قلت إن مالكا ترك السماع منه فقال : إن مالكا إنما أدركه بعد أن كبر وخرف وقال الجوزجاني : تغير أخيرا فحديث ابن أبي ذئب عنه مقبول لسماعه القديم والثوري جالسه بعد التغير وقال ابن عدي : لا بأس به إذا روى القدماء عنه مثل ابن أبي ذئب وابن جريج وزياد بن سعد وقال العجلي : تابعي ثقة مات سنة 125 هـ . كذا في " تهذيب التهذيب "
    ( 5 ) قوله : مولى التوأمة بفتح التاء المثناة الفوقية ثم الواو الساكنة بعدها همزة بعدها ميم ثم تاء هي بنت أمية بن خلف المدني أخت ربيعة بن أمية بن خلف وكانت معها أخت لها في بطنها فسميت تلك باسم التوأمة وإليها ينسب صالح نبهان المدني كذا قال أبو سعد السمعاني في كتاب " الأنساب "
    ( 6 ) أي : لا يجب

    16 - قال محمد : أخبرنا إبراهيم بن محمد المدني أخبرنا الحارث ( 1 ) بن أبي ذباب ( 2 ) أنه سمع سعيد ( 3 ) بن المسيب ( 4 ) يقول : ليس في مس الذكر وضوء
    _________
    ( 1 ) قوله : الحارث بن أبي ذباب هو الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد وقيل المغيرة بن أبي ذباب الدوسي المدني روى عن أبيه وعمه وسعيد بن المسيب ومجاهد وغيرهم وعنه ابن جريج وإسماعيل بن أمية وغيرهم قال أبو زرعة : ليس به بأس . وذكره ابن حبان في الثقات وقال : كان من المتقنين مات سنة 126 هـ كذا في " تهذيب التهذيب "
    ( 2 ) بضم الذال المعجمة كذا في " التقريب "
    ( 3 ) قوله : سعيد بن المسيب هو أبو محمد القرشي المدني من سادات التابعين قال مكحول : طفت الأرض كلها فلم ألق أعلم من ابن المسيب ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر ومات سنة 93 هـ كذا ذكره صاحب المشكاة في " أسماء رجال المشكاة "
    ( 4 ) بفتح الياء أشهر من كسرها

    17 - قال محمد : أخبرنا أبو العوام البصري ( 1 ) قال : سأل رجل عطاء بن أبي رباح قال : يا أبا محمد ( 2 ) رجل مس فرجه ( 3 ) بعد ما توضأ ؟ قال رجل من القوم ( 4 ) : إن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقول : إن كنت تستنجسه ( 5 ) ( 6 ) فاقطعه قال عطاء ( 7 ) بن أبي رباح : هذا والله قول ابن عباس
    _________
    ( 1 ) قوله : ابو العوام البصري قال ابن حجر في " التقريب " : عبد العزيز بن الربيع - بالتشديد - الباهلي أبو العوام البصري ثقة من السابعة وفي " تهذيب التهذيب " : عبد العزيز بن الربيع الباهلي أبو العوام البصري روى عن أبي الزبير المكي وعطاء وعنه الثوري والنضر بن شميل ووكيع وروح بن عبادة قال ابن معين : ثقة وذكره ابن حبان في " الثقات " . انتهى
    وظن بعض أفاضل عصرنا أن أبا العوام البصري المذكور في هذه الرواية هو عمران بن داور أبو العوام القطان البصري قال في " تهذيب التهذيب " في ترجمته : روى عن قتادة ومحمد بن سيرين وأبي إسحاق الشيباني وحميد الطويل وعنه ابن مهدي وأبو داود الطيالسي وأبو علي الحنفي وغيرهم قال عبد الله عن أبيه أحمد : أرجو أنه صالح الحديث وذكره ابن حبان في الثقات وقال البخاري : صدوق يهم وقال العجلي : بصري ثقة . انتهى ملخصا
    ( 2 ) كنية لعطاء
    ( 3 ) قوله : مس فرجه بفتح الفاء وسكون الراء قال النووي في " التهذيب " قال أصحابنا : الفرج يطلق على القبل والدبر من الرجل والمرأة ومما يستدل به لإطلاق الفرج على قبل الرجل حديث علي قال : أرسلنا المقداد إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يسأله عن المذي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " توضأ وانضح فرجك " رواه مسلم
    ( 4 ) أي الحاضرين في ذلك المجلس
    ( 5 ) أي الفرج
    ( 6 ) أي تعتقده نجسا ذاته
    ( 7 ) لما سمع من الرجل هذا الكلام

    18 - قال محمد : أخبرنا أبو حنيفة - رحمه الله - عن حماد ( 1 ) عن إبراهيم ( 2 ) النخعي عن علي ( 3 ) بن أبي طالب رضي الله عنه في مس الذكر قال : ما أبالي ( 4 ) مسسته أو طرف أنفي ( 5 )
    _________
    ( 1 ) قوله : عن حماد هو حماد بن أبي سليمان مسلم الأشعري أبو إسماعيل الكوفي الفقيه قال معمر : ما رأيت أحدا أفقه من هؤلاء الزهري وحماد وقتادة وقال ابن معين : حماد ثقة وقال أبو حاتم : صدوق وقال العجلي : كوفي ثقة كان أفقه أصحاب إبراهيم وقال النسائي : ثقة إلا أنه مرجئ مات سنة 120 هـ وقيل سنة 119 هـ كذا في " تهذيب التهذيب "
    ( 2 ) قوله إبراهيم النخعي بفتح النون والخاء المعجمة بعدها عين مهملة نسبة إلى نخع قبيلة من العرب نزلت الكوفة ومنها انتشر ذكرهم قال ابن ماكولا : من هذه القبيلة علقمة والأسود وإبراهيم كذا في " أنساب " السمعاني وذكر في " تهذيب التهذيب " : إن إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو أبو عمران النخعي الكوفي مفتي أهل الكوفة كان رجلا صالحا فقيها قال الأعمش : كان خيرا في الحديث وقال الشعبي : ما ترك أحدا أعلم منه وقال أبو سعيد العلائي : وهو مكثر من الإرسال وجماعة من الأئمة صححو ا مراسيله وقال الأعمش قلت لإبراهيم : أسند لي عن ابن مسعود فقال : إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهر الذي سمعت وإذا قلت : قال عبد الله فهو عن غير واحج وقا لا
    حاتم : لم يلق النخعي أحدا من الصحابة إلا عائشة ولم يسمع منها وأدرك أنسا ولم يسمع منه مات سنة 96 هـ وولادته سنة 55 هـ
    ( 3 ) قوله : عن علي هو ابن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب القرشي الهاشمي ابن عم رسول الله صلى الله عليه و سلم وزوج بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم له مناقب كثيرة استشهد سنة 40 هـ كما في " أسد الغابة " وغيره وبه يعلم أن رواية إبراهيم النخعي عنه مرسلة لأنه لم يدرك زمانه
    ( 4 ) قوله : ما أبالي هكذا رواه محمد في كتاب " الآثار " أيضا . وأخرج الطحاوي بسنده عن قابوس عن أبي ظبيان عن علي أنه قال : ما أبالي أنفي مسست أو أذني أو ذكري . وأخرج عبد الرزاق في " مصنفه " عن قيس بن السكن أن عليا وابن مسعود وحذيفة وأبا هريرة لا يرون من مس الذكر وضوء
    ( 5 ) أي حيث هما عضوان طاهران وفي حق المس متساويان

    19 - قال محمد : أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم : أن ابن مسعود ( 1 ) سئل عن الوضوء من مس الذكر ؟ فقال : إن كان نجسا ( 2 ) فاقطعه
    _________
    ( 1 ) قوله : أن ابن مسعود . . إلخ وكذا أخرجه الطحاوي عن قيس بن السكن قال : قال ابن مسعود : ما أبالي ذكري مسست في الصلاة أم أذني أم أنفي . وأخرج ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن أبي قيس عن هذيل أن أخاه سأل ابن مسعود فقا : إني أحك بيدي إلى فرجي فقال : إن علمت أن منك بضعة نجسة فاقطعها . وأخرج عن قيس بي السكن قال : قال عبد الله : ما أبالي مسست ذكري أو أذني أو إبهامي أو أنفي . وابن مسعود هو عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن الهذلي من خواص أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وصاحب نعليه وسواكه هاجر الحبشة وشهد بدرا وما بعدها وولي قضاء الكوفة في خلافة عمر إلى صدر خلافة عثمان ثم صار إلى المدينة فمات بها سنة 32 هـ كذا في " أسماء رجال المشكاة "
    ( 2 ) قوله : نجسا بفتح الجيم هو المشهور عند الفقهاء ويراد به عين النجاسة بخلاف كسرها فإنه المتنجس عندهم وهما مصدران في أصل اللغة

    20 - قال محمد : أخبرنا محل ( 1 ) الضبي ( 2 ) عن إبراهيم النخعي في مس الذكر في الصلاة قال : إنما هو بضعة منك ( 3 )
    _________
    ( 1 ) قوله : محل الضبي قال القاري في " شرحه " بكسر الميم والحاء المهملة كسجل اسم جماعة من المحدثين . انتهى . وهذا القدر لا يكفي في هذا المقام وفي " التقريب " محل - بضم أوله وكسر ثانيه وتشديد اللام - ابن خليفة الطائي الكوفي ثقة من الرابعة ومحل بن محرز الضبي الكوفي لابأس به من السادسة سنة 53 هـ أي بعد المائة . انتهى . وهو يؤذن أن محل الضبي بضم أوله وكسر الثاني وتشديد الثالث وبه صرح محمد طاهر الفتني حيث قال في " المغني " : محل بن خليفة بمضمومه وكسر حاء مهملة وقيل بفتحها وشدة لام وكذا محل بن محرز . انتهى . وبه ظهر خطأ القاري والعلم عند الباري وفي " كاشف " الذهبي : محل بن خليفة الطائي عن جده عدي بن حاتم وأبي السمح وعنه شعبة وسعد أبو مجاهد فأما محل بن محرز الضبي عن الشعبي فإنه أصغر منه . انتهى
    ( 2 ) بتشديد الموحدة
    ( 3 ) قوله : إنما هو بضعة منك هذه الآثار كلها تشهد بصحة حديث طلق وتوافقه وهناك أحاديث مرفوعة معارضة لها . فمن ذلك ما أخرجه ابن ماجة عن أم حبيبة قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : من مس فرجه فليتوضأ . ونقل الترمذي عن أبي زرعة أنه قال : إن حديث أم حبيبة أصح في هذا الباب وهو حديث العلاء عن مكحول عن عنبسة عن أم حبيبة ونقل صاحب " الاستذكار " عن أحمد بن حنبل أنه قال : هو حسن الإسناد وأعله الطحاوي بأن فيه انقطاعا فإن مكحولا لم يسمعه عن عنبسة بل سمع أبا مسهر عنه
    ومنها ما أخرجه ابن حبان في " صحيحه " والحاكم في " المستدرك " وصححه وأحمد والطبراني والدارقطني من حديث أبي حريرة مرفوعا " من أفضى ( هكذا في الأصل وفي " المستدرك " ( 1 / 136 ) : إذا أفضى . . إلخ ) أحدكم بيده إلى فرجه وليس بينهما ستر ولا حائل فليتوضأ . ولفظ البيهقي : من أفضى بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب فعليه وضوء الصلاة . وفي سنده يزيد بن عبد الملك قال البيهقي : تكلموا فيه وقال أحمد : لا بأس به وقال الطحاوي : هو منكر الحديث لا يساوي حديثه شيئا
    ومنها ما أخرجه ابن ماجة عن أبي أيوب مرفوعا : من مس فرجه فليتوضأ . وفيه إسحاق بن أبي فروة قال أحمد لا تحل الرواية عنه وقال النسائي : متروك الحديث كذا في " تهذيب التهذيب "
    ومنها ما أخرجه ابن ماجة عن جابر مرفوعا : إذا مس أحدكم ذكره فعليه الوضوء . ولفظ البيهقي : إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فليتوضأ
    ومنها ما أخرجه أبو نعيم وابن منده والدار قطني عن أروى بنت أنيس مرفوعا : من مس فرجه فليتوضأ وفي سنده هشام بن زياد ضعيف كذا في " الإصابة "
    ومنها ما أخرجه الدار قطني عن عائشة مرفوعا : ويل للذين يمسون فروجهم ثم يصلون ولا يتوضؤون قالت بأبي وأمي هذا للرجال أفرأيت النساء ؟ قال : إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ للصلاة . وفي سنده عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العمري قال النسائي : متروك كذا في " ميزان الاعتدال "
    ومنها ما أخرجه الدارقطني والطحاوي عن ابن عمر مرفوعا : من مس ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة . وفي سنده صدقة بن عبد الله ضعيف قاله الطحاوي
    ومنها ما أخرجه أحمد والبزار والطبراني عن زيد بن خالد مرفوعا : من مس فرجه فليتوضأ
    ومنها ما أخرجه الطبراني في " معجمه الكبير " عن طلق بن علي مرفوعا : من مس ذكره فليتوضأ . وفيه حماد بن محمد الحنفي ضعيف
    ومنها ما أخرجه أحمد والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا : أيما رجل مس فرجه فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ
    وقد أخرج ابن عدي من حديث ابن عباس والحاكم من حديث سعد بن أبي وقاص وأم سلمة . وأحاديثهم لا تخلو من علة ذكره العيني
    ومنها - وهو أجودها - ما أخرجه مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول : دخلت على مروان بن الحكم فتذاكرنا ما يكون منه الوضوء فقال مروان : ومن مس الذكر الوضوء قال عروة " ما علمت بهذا فقال مروان : أخبرتني بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ . وأخرجه ابن ماجة عن هشام بن عروة عن أبيه عن مروان عن بسرة ( في الأصل : " البسرة " وهو تحريف ) بنت صفوان مثله وأخرجه الترمذي بلفظ : من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ . وقال هذا حديث حسن صحيح ونقل عن البخاري أنه قال : أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة . وأخرج حديث بسرة أبو داود والنسائي والطبراني والدارقطني وابن حبان والبيهقي وغيرهم بألفاظ متقاربة وذكر ابن عبد البر في " الاستذكار " أن أحمد كان يصحح حديث بسرة وأن يحيى بن معين صححه أيضا
    وفي الباب أخبار أخر توافق هذه الأحاديث لولا قصد الاختصار لأتيت بها وقد طال الكلام في هذا المبحث من الجانبين والنزاع من الفريقين أما الكلام من القائلين بعدم الانتقاض على قائلين الانتقاض فمن وجوه :
    منها : أن أحاديث النقض ضعيفة . وفيه أن ضعف أكثرها لا يضر بعد صحة بعضه وضعف الكل ممنوع
    ومنها أن حديث بسرة الذي صححوه مروي من طريق مروان ومعاذ الله أن نحتج به . وفيه أنه صرح ابن حجر في مقدمة " فتح الباري " أنه كان لا يتهم ( في الأصل : " لا يهتم في الحديث " وهو خطأ ) في الحديث
    ومنها : أن بسرة مجهولة . وفيه أنها بسرة بنت صفوان بن نوفل القرشية الأسدية لها سابقة قديمة وهجرة وروى عنها جماعة من الصحابة وغيرهم كما لا يخفى على من طالع " الإصابة " وغيره من الكتب المصنفة في أحوال الصحابة
    ومنها : أن خبر الآحاد فيما يعم به البلوى غير مقبول . وفيه أنه قد رواه جمع من الصحابة مع أن في ثبوت هذه القاعدة نظرا
    ومنها : أن الحكم بالنقض منسوخ بحديث طلق وفيه أن النسخ لا يحكم به بالاحتمال بل إذا ثبت أن حديث طلق مؤخر وليس كذلك بل الأمر بالعكس لأن قدوم طلق كان أول سنة من الهجرة كما صرح به ابن حبان وغيره وكان سماعه الحديث في عدم النقض في ذلك المجلس وحديث النقض رواه أبو هريرة الذي أسلم سنة سبع وغيره من أحداث الصحابة
    ومنها : أن النقض خلاف القياس . وفيه أنه لا دخل له بعد ورود الأخبار
    أما الكلام من القائلين بالنقض فمن وجوه أيضا :
    منها : تضعيف رواة أخبار عدم النقض كأيوب ومحمد بن جابر وفيه أنه لا عبرة به بعد ثبوت طريق عبد الله بن بدر
    ومنها : كثرة طرق أحاديث النقض وهي من وجوه الترجيح
    ومنها : كون حديث طلق منسوخا . وفيه أن رواية الصحابي المتأخر الإسلام لا تدل على النسخ لجواز أن يكون سمع من متقدم الإسلام فيجوز أن تكون أحاديث النقض . مقدمة على حديث العدم . هذا ملخص الكلام فيما بينهم وقد سلك جماعة مسلك الجمع :
    فمنهم : من حمل الوضوء في أحاديث النقض على غسل اليدين وفيه أنه يأباه صريح ألفاظ بعض الروايات
    ومنهم من قال : مس الذكر كناية عن البول . وفيه أنه ينكره صريح كثير من الروايات
    ومنهم من قال : أمر التوضؤ للاستحباب وفيه أيضا ما فيه
    وسلك جماعة أخرى مسلك التعارض وقالوا : إذا تعارضت الأخبار المرفوعة تركناها ورجعنا إلى آثار الصحابة وفيه أن آثار الصحابة أيضا مختلفة والإنصاف في هذا المبحث أنه إن اختير طريق النسخ فالظاهر انتساخ حديث طلق لا العكس وإن اختير طريق الترجيح ففي أحاديث النقض كثرة وقوة وإن اختير طريق الجمع فالأولى أن يحمل الأمر على العزيمة وعدم النقض على الضرورة ( ويمكن التطبيق بينهما بأن الأمر للاستحباب تنظيفا والنفي لنفي الوجوب فلا حاجة إلى النسخ كما قال في الدر المختار ( 1 - 152 ) ولكن يندب للخروج من الخلاف لا سيما للإمام )

    21 - قال محمد : أخبرنا سلام بن سليم الحنفي ( 1 ) عن منصور بن المعتمر ( 2 ) عن أبي قيس ( 3 ) عن أرقم ( 4 ) بن شرحبيل قال : قلت : لعبد الله بن مسعود : إني أحك جسدي و ( 5 ) أنا في الصلاة فأمس ذكري فقال : إنما هو بضعة ( 6 ) منك
    _________
    ( 1 ) قوله : سلام بن سليم الحنفي الاسم الأول بتشديد اللام وفتح السين والثاني بضم السين وفتح اللام والنسبة إلى بني حنيفة قبيلة قال السمعاني في " الأنساب " : الحنفي بفتح الحاء المهملة والنون نسبة إلى بني حنيفة هم قوم أكثرهم نزلوا اليمامة وكانوا تبعوا مسيلمة الكذاب المتنبئ ثم أسلموا زمن أبي بكر والمشهور بالنسبة إليها جماعة كثيرة . انتهى . وفي " تهذيب التهذيب " : سلام بن سليم الحنفي مولاهم أبو الأحوص الكوفي روى عن أبي إسحاق السبيعي وسماك بن حرب وزياد بن علاقة والأسود بن قيس ومنصور وغيرهم وعنه وكيع وابن مهدي وأبو نعيم وسعيد بن منصور وغيرهم قال العجلي : كان ثقة صاحب سنة واتباع وقال أبو زرعة والنسائي : ثقة وذكره ابن حبان في " الثقات "
    قال البخاري : حدثني عبد الله بن أبي الأسود قال : مات سنة 79 هـ يعني ومائة . انتهى ملخصا . وفي " مغني " الفتني : سلام كله بالتشديد إلا عبد الله بن سلام وأبو عبد الله محمد بن سلام شيخ البخاري وشدده جماعة وفي غير الصحيحين ثلاثة أيضا : سلام بن محمد ومحمد بن عبد الوهاب بن سلام وسلام بن أبي الحقيق . انتهى . وفيه أيضا : سليم كله بالضم إلا سليم بن حيان . انتهى
    ورأيت في " شرح القاري " أنه وجه نسبة الحنفي بقوله : منسوب إلى أبي حنيفة بحذف الزوائد كالفرضي . انتهى . وهو خطأ واضح الظن أنه من نساخ كتابه لامنه
    ( 2 ) قوله : عن منصور بن المعتمر بضم الميم وسكون العين وفتح التاء وكسر الميم الثانية هو أبو عتاب بفتح العين وتشديد التاء السلمي الكوفي ثقة ثبت مات سنة 132 هـ روى عنه الثوري وشعبة وسليمان التيمي وغيرهم كذا في " جامع الاصول " لابن الأثير الجزري " وتقريب " ابن حجر
    ( 3 ) قوله : عن أبي قيس اسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي بفتح الهمزة وسكون الواو في آخرها دال مهملة نسبة إلى أود قبيلة من مذحج كذا في " الأنساب " وفي " كاشف " الذهبي : عبد الرحمن بن ثروان أبو قيس الأودي عن شريح وعنه شعبة وسفيان ثقة . انتهى . وفي " التقريب " : عبد الرحمن بن ثروان بمثلثة مفتوحة وراء ساكنة أبو قيس الأودي الكوفي صدوق مات سنة عشرين ومائة
    ( 4 ) قوله : عن أرقم بن شرحبيل الاسم الأول بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة وفتح القاف والثاني بضم الشين وفتح الراء وسكون الحاء وكسر الباء وسكون الياء بعدها لام كذا ضبطه الفتني وغيره وقال في " تهذيب التهذيب " : أرقم بن شرحبيل الكوفي الأودي روى عن ابن عباس وابن مسعود وعنه أبو إسحاق وأخوه هذيل بن شرحبيل قال أبو زرعة : ثقة واحتج أحمد بن حنبل بحديثه وقال ابن عبد البر : هو حديث صحيح وأرقم ثقة جليل وأورد العقيلي بسند صحيح عن أبي إسحاق السبيعي قال : كان هذيل وأرقم ابنا شرحبيل من خيار أصحاب ابن مسعود . انتهى ملخصا
    ( 5 ) الواو حالية
    ( 6 ) بفتح الباء

    22 - قال محمد : أخبرنا سلام بن سليم عن منصور بن المعتمر عن السدوسي ( 1 ) عن البراء ( 2 ) بن قيس قال : سألت حذيفة ( 3 ) ابن اليمان ( 4 ) عن الرجل مس ذكره فقال : إنما هو كمسه رأسه
    _________
    ( 1 ) قوله : عن السدوسي هو بالفتح فضم نسبة إلى سدوس بن شيبان وبضمتين إلى سدوس بن أصبغ بن أبي عبيد بن ربيعة بن نضر بن سعد الطائي وليس في العرب سدوس بالضم غيره كذا ذكره السيوطي في كتابه " لب اللباب في تحرير الأنساب " والمراد به ههنا هو إياد بن لقيط كما صرح به في الرواية الآتية ضبطه الفتني في " المغني " بكسر الهمزة وفتح الياء المثناة التحتية في آخره دال مهملة واسم أبيه بفتح اللام وقال في " تهذيب التهذيب " : إياد ين لقيط السدوسي روى عن البراء بن عازب والحارث بن حسان العامري وأبي رمثة وغيرهم وعنه ابنه عبيد الله والثوري ومسعر وغيرهم قال ابن معين والنسائي : ثقة وقال أبو حاتم : صالح الحديث وقال يعقوب بن سفيان : ثقة وذكره ابن حبان في " الثقات " . انتهى
    ( 2 ) قوله : عن البراء بن قيس قال ابن حبان في ثقات التابعين : البراء بن قيس أبو كبشة الكوفي عداده في أهل الكوفة يروي عن حذيفة وسعد وروى عنه الناس
    ( 3 ) قوله : حذيفة بن اليمان بضم الحاء المهملة بعدها ذال مفتوحة واسم اليمان حسل بكسر الحاء وإسكان السين المهملتين ويقال حسيل - بالتصغير - بن جابر بن عمرو بن ربيعة العبسي حليف بني عبد الأشهل من الانصار ولقب والده باليمان لأنه أصاب دما في قومه فهرب إلى المدينة وحالف الأنصار فسماه قومه اليمان لأنه حالف الأنصار وهم من اليمن أسلم حذيفة وأبوه وشهدا أحدا وقتل اليمان في غزوة أحد قتله المسلمون خطأ فوهب حذيفة لهم دمه وكان حذيفة صاحب سر رسول الله صلى الله عليه و سلم وله مناقب كثيرة مات بالمدائن سنة ست وثلاثين كذا في " تهذيب الأسماء واللغات " للنووي
    ( 4 ) كذا أخرجه عنه الطحاوي وابن أبي شيبة أيضا

    23 - قال محمد : أخبرنا مسعر ( 1 ) بن كدام عن عمير بن سعد ( 2 ) النخعي قال : كنت في مجلس فيه عمار بن ياسر ( 3 ) فذكر مس الذكر فقال : إنما هو بضعة منك ( 4 ) وإن لكفك لموضعا غيره ( 5 )
    _________
    ( 1 ) قوله : مسعر بن كدام بكسر الميم وسكون السين وفتح العين بعدها راء وبكسر الكاف وفتح الدال ابن ظهير الهلالي أبو سلمة الكوفي ثقة ثبت فاضل مات سنة 153 هـ وقيل سنة 155 هـ كذا في " التقريب " وغيره
    ( 2 ) قوله : عن عمير بن سعد وقيل سعيد النخعي الصهباني - بضم الصاد المهملة وسكون الهاء - نسبة إلى صهبان بطن من النخع كنيته أبو يحيى ثقة ثبت مات سنة سبع وقيل خمس عشرة ومائة كذا في " الأنساب " و " التقريب "
    ( 3 ) قوله : عمار بن ياسر هو أبو اليقظان عمار - بفتح العين وتشديد الميم - ابن ياسر - بكسر السين - ابن عامر بن مالك بن كنانة أسلم وهاجر إلى الحبشة والمدينة وشهد بدرا والمشاهد كلها وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : تقتلك الفئة الباغية فقتل بالصفين مع علي رضي الله عنه قتله أصحاب معاوية سنة سبع ثلاثين كذا في " جامع الأصول " لابن الأثير ( في الأصل : " أثير " ) الجزري
    ( 4 ) وفي رواية الطحاوي : إنما هو بضعة منك مثل أنفي وأنفك
    ( 5 ) يعني الأولى أن لا يمس من غير ضرورة

    24 - قال محمد : أخبرنا مسعر بن كدام عن إياد بن لقيط ( 1 ) عن البراء بن قيس قال : قال حذيفة بن اليمان في مس الذكر مثل أنفك
    _________
    ( 1 ) على وزن كريم

    25 - قال محمد : أخبرنا مسعر بن كدام حدثنا قابوس ( 1 ) عن أبي ظبيان ( 2 ) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ما أبالي إياه ( 3 ) مسست أو أنفي أو أذني
    _________
    ( 1 ) قوله : حدثنا قابوس قال الحافظ ابن حجر في " التقريب " : قابوس بن أبي ظبيان - بفتح المعجمة وسكون الموحدة بعدها تحتانية - الجنبي - بفتح الجيم وسكون النون بعدها باء موحدة - الكوفي فيه لين . انتهى . وفي " أنساب " السمعاني : الجنبي بفتح الجيم وسكون النون في آخرها الباء المنقوطة بواحدة نسبة إلى جنب عدة قبائل وقيل قبيلة من مذحج والمنتسب إليه أبو ظبيان الجنبي واسمه حصين بن جندب يروي عن علي رضي الله عنه وابن مسعود وابنه قابوس بن أبي ظبيان الجنبي انتهى ملخصا
    ( 2 ) قوله : عن أبي ظبيان قال عبد الغني وابن ماكولا : هو بكسر الظاء المعجمة وسكون الباء الموحدة بعدها ياء تحتانية مثناة . وقال الحازمي : أكثر أهل الحديث واللغة يقولونه بفتح الظاء وسكون الباء اسمه حصين - بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة - ابن جندب بن عمرو بن الحارث بن وحشي بن مالك بن ربيعة الجنبي المذحجي - بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة - نسبة إلى مذحج قبيلة من أهل الكوفة تابعي مشهور سمع عليا وعمارا وأسامة بن زيد وروى عنه ابنه قابوس والأعمش مات بالكوفة سنة 90 هـ كذا ذكره ابن الأثير الجزري في " جامع الأصول " وفي " تهذيب التهذيب " : روى عن عمر وعلي وابن مسعود وسلمان وأسامة بن زيد وعمار وحذيفة وأبي موسى وابن عباس وابن عمر وعائشة ومن التابعين عن علقمة وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ومحمد بن سعد بن أبي وقاص وغيرهم وعنه ابنه قابوس وأبو إسحاق السبيعي وسلمة بن كهيل والأعمش وسماك بن حرب قال ابن معين والعجلي وأبو زرعة والنسائي والدارقطني : ثقة وذكره ابن حبان في " الثقات " وسئل الدارقطني : " ألقي أبو ظبيان عمر وعليا ؟ قال : نعم قال ابن أبي عاصم : مات سنة 89 هـ وقال ابن سعد وغيره : مات سنة 90 هـ وقيل غير ذلك انتهى
    ( 3 ) أي الذكر

    26 - قال محمد : أخبرنا أو كدينة ( 1 ) يحيى بن المهلب عن أبي إسحاق الشيباني ( 2 ) عن أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان ( 3 ) عن علقمة ( 4 ) عن قيس قال جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود قال : إني مسست ذكري وأنا في الصلاة فقال عبد الله : أفلا قطعته ؟ ( 5 ) ثم قال : وهل ذكرك إلا كسائر ( 6 ) جسدك ( 7 ) ؟
    _________
    ( 1 ) قوله : أبو كدينة بضم الكاف وفتح الدال المهملة وسكون المثناة التحتية بعدها نون يحيى بن المهلب بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام المفتوحة كذا ضبطه الفتني في " المغني " قال في " التقريب " : يحيى بن المهلب أبو كدينة البجلي الكوفي ثقة صدوق من أثبات التابعين
    ( 2 ) قوله : عن أبي إسحاق الشيباني نسبة إلى شيبان بفتح الشين المعجمة وسكون الباء المثناة التحتية بعدها باء موحدة قبيلة في بكر بن وائل ذكره السمعاني في " الأنساب " وهو سليمان بن أبي سليمان أبو إسحاق الشيباني مولاهم الكوفي روى عن عبد الله بن أبي أوفى وزر بن حبيش وأبي بردة بن أبي موسى وعبد الله بن شداد بن الهاد وعبد العزيز بن رفيع وعكرمة وإبراهيم النخعي وغيرهم وعنه ابنه إسحاق وأبو إسحاق السبيعي وإبراهيم بن طهمان وابن عيينة وغيرهم . قال ابن معين : ثقة حجة وقال ابن أبي حاتم : صدوق صالح الحديث وقال العجلي : كان ثقة من كبار أصحاب الشعبي قال يحيى بن بكير : مات سنة 129 هـ وقال ابن نمير : مات سنة 139 هـ واسم أبيه فيروز ويقال : خاقان وقيل : مهران كذا في " تهذيب التهذيب "
    ( 3 ) بفتح الثاء المثلثة وسكون الراء المهملة بعدها واو ثم ألف ثم نون كذا ضبطه الحافظ عبد الغني في كتاب " مشتبه النسبة "
    ( 4 ) عن علقمة قال القاري في " شرحه " : هو علقمة بن أبي علقمة بلال مولى عائشة أم المؤمنين روى عن أنس بن مالك عن أمه وعنه مالك بن أنس وغيره . انتهى . والذي في ظني أنه غيره لأن علقمة بن بلال عداده في أهل المدينة والرواة في هذا السند من تقدم ومن تأخر كلهم من أهل الكوفة فالظن أن علقمة هذا أيضا من أهل الكوفة وقد ذكر في " تهذيب التهذيب " و " تقريب التهذيب " رجالا من أهل الكوفة مسمون بعلقمة أحدهم : علقمة بن وائل بن حجر الحضرمي الكندي الكوفي روى عن أبيه والمغيرة بن شعبة وعنه أخوه عبد الجبار وابن أخيه سعيد وعبد الملك بن عمير وعمر بن مرة وسماك بن حرب وسلمة بن كهيل ... وغيرهم ذكره ابن حبان في " الثقات " وقال ابن سعد : كان ثقة قليل الحديث . وثانيهم : علقمة بن مرثد الحضرمي أبو الحارث الكوفي روى عن سعد بن عبيدة وزر بن حبيش وكارق بن شهاب والمستورد بن الأحنف وسليمان بن بريدة وحفص بن عبد الله بن أنيس والقاسم بن مخيمرة . . وغيرهم . وروى عنه شعبة والثوري ومسعر المسعودي وإدريس بن يزيد الأودي والحكم بن ظهير وأبو حنيفة وحفص بن سليمان القاري . . وغيرهم . قال عبد الله بن أحمد عن أبيه : ثبت في الحديث وقال أبو حاتم : صالح في الحديث وقال النسائي : ثقة وذكره ابن حبان في " الثقات " . وثالثهم : علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة أبو شبيل النخعي الكوفي عم الأسود النخعي ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه و سلم وروى عن عمر وعثمان وعلي وسعد وحذيفة وأبي الدرداء وابن مسعود وأبي موسى وخالد بن الوليد وسلمة بن يزيد الجعفي وعائشة . . وغيرهم . وعنه ابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي وابن أخته إبراهيم بن يزيد النخعي وابراهيم بن سويد النخعي وعامر الشعبي وأبو وائل شقيق بن سلمة وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم قال ابن المديني : أعلم الناس بعبد الله بن مسعود علقمة والأسود وعبيدة والحارث وثقه ابن معين وشعبة وابن سيرين وغيرهم وأثثوا عليه خيرا وهو من أجل أصحاب ابن مسعود . مات سنة 161 هـ وقيل سنة 162 هـ وقيل سنة 163 هـ وقيل سنة 165 هـ وقيل سنة 172 هـ وقيل بعده
    هذا فلينظر في أن علقمة المذكور في هذه الرواية أيهم ولم يظهر لي إلى الآن تشخيصه لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا والظاهر أنه علقمة بن قيس وإن " عن " في الكتاب من النساخ وعبارته علقمة بن قيس كما هو في بعض النسخ وإن كان عن قيس كما وجدنا في أكثر النسخ فالظاهر أن المراد بقيس هو قيس ابن السكن الكوفي بدليل ما في " شرح معاني الآثار " : حدثنا أبو بكرة ثنا يحيى بن حماد نا أبو عوانة عن سليمان عن المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن قال عبد الله بن مسعود : ما أبالي مسست في الصلاة ذكري أم أذني أم أنفي
    حدثنا بكر بن إدريس قال نا آدم بن أبي إياس نا شعبة نا أبو قيس قال : سمعت هذيلا يحدث عن عبد الله نحوه
    حدثنا صالح نا سعيد نا هشيم أنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن عن عبد الله مثله . انتهى
    قال في " التهذيب " و " تهذيبه " : قيس بن السكن الأسدي الكوفي روى عن ابن مسعود والأشعث بن قيس وعنه ابن النعمان وأبو إسحاق السبيعي وعمارة بن عمير وسعد بن عبيدة والمنهال بن عمرو وأبو الشعثاء المحاربي قال ابن معين : ثقة وعده أبو الشعثاء في الفقهاء من أصحاب ابن مسعود وذكره ابن حبان في " الثقات " وقال أبو حاتم : توفي في زمن مصعب بن الزبير له عندهما حديث واحد في صوم عاشوراء وقال ابن سعد : توفي في زمن مصعب بالكوفة وله أحاديث وكان ثقة . انتهى

    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    رد: كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 12:39 pm

    قوله : عن علقمة بعدما كتبت ما كتبت سالفا من الله علي بمطالعة كتاب الحج فإذا فيه هذا الأثر بعينه سندا ومتنا وفيه : عن علقمة بن قيس فظهر قطعا صحة ما في بعض النسخ وأن المراد بعلقمة هو ثالث الثلاثة الذين ذكرناهم وتيقن أن ما فسره به القاري خطأ بلا شبهة . ولله الحمد على إظهاره ما تمنيت ظهوره
    ( 5 ) أي إن كنت تزعم أنه نجس العين فإن وجوده مانع لصحة الصلاة
    ( 6 ) قوله : إلا كسائر جسدك قد يعارض ما يفيده هذا الأثر وغيره من الآثار المتقدمة من تسوية الذكر مع سائر الأعضاء وكونه كسائر الجسد بما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه . أخرجه البخاري وأبو داود وغيرهما . فلو كان الذكر بمنزلة الإبهام والأنف والأذن وسائر الجسد بكان لا بأس علينا أن نمسه بأيماننا . ويجاب عنه بأن النهي عن مس الذكر باليمين ليس مطلقا بل إذا بال بناء على أن مجاور الشيء يعطى حكمه وما ورد من الأحاديث المطلقة في النهي محمول على ذلك كذا حققه ابن أبي جمرة في " بهجة النفوس " شرح مختصر صحيح البخاري واستدل على الإباحة في غير حالة البول بحديث طلق " إنما هو بضعة منك " . لكن قد ذهب جماعة من العلماء إلى أن النهي عنه مطلق غير مقيد بحالة البول
    ( 7 ) لا بأس بمسه

    27 - قال محمد : أخبرنا يحيى بن المهلب عن إسماعيل بن أبي خالد ( 1 ) عن قيس بن أبي حازم ( 2 ) قال : جاء رجل إلى سعد بن أبي وقاص قال : أيحل لي أن أمس ذكري وأنا في الصلاة ؟ فقال : إن علمت أن منك ( 3 ) بضعة نجسة فاقطعها ( 4 )
    _________
    ( 1 ) قوله : عن إسماعيل هو إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي مولاهم الكوفي نسبة إلى أحمس - بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة - طائفة من بجلة نزلوا الكوفة كما ذكره السمعاني روى عن أبيه وأبي جحيفة وعبد الله بن أبي أوفى وقيس بن أبي حازم - وأكثر عنه - وغيرهم وعنه شعبة والسفيانان وابن المبارك ويحيى القطان وغيرهم . قال ابن معين وابن مهدي والنسائي : ثقة وقال العجلي : كوفي تابعي ثقة وقال أبو حاتم : لا أقدم عليه أحدا من أصحاب الشعبي وهو ثقة مات سنة 126 هـ كذا في " تهذيب التهذيب "
    ( 2 ) قوله : عن قيس بن أبي حازم هو أبو عبد الله البجلي الكوفي تابعي كبير هاجر إلى النبي صلى الله عليه و سلم وفاتته الصحبة بليال وروى عن أبي بكر وعمر وغيرهما وعنه بيان بن بشر وإسماعيل بن أبي خالد وخلق وثقوه . ويقال : إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة المبشرة مات بعد التسعين أو قبلها وجاوز المائة كذا في " التقريب والكاشف " وذكر ابن الأثير في " جامع الأصول " أنه روى عن العشرة المبشرة إلا عن عبد الرحمن بن عوف قال ابن عيينة : ما كان بالكوفة أروى عن أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم من قيس بن أبي حازم واسم أبي حازم - بكسر الزاي - حصين بن عون ويقال عبد عوف بن الحارث وقيل عوف بن الحارث من بني أسلم بن أحمس بن الغوث بن أنمار الأحمسي البجلي
    ( 4 ) أي : من جملة أعضائك
    ( 5 ) وفي رواية الطحاوي عن إسماعيل بن قيس سئل سعد عن مس الذكر فقال : أن كان نجسا فاقطعه

    28 - قال محمد : أخبرنا إسماعيل بن عياش ( 1 ) قال : حدثني جرير بن عثمان ( 2 ) عن حبيب ( 3 ) عن عبيد ( 4 ) عن أبي الدرداء ( 5 ) أنه سئل عن مس الذكر فقال : إنما هو بضعة منك
    _________
    ( 1 ) قوله إسماعيل بن عياش هو إسماعيل بن عياش - بفتح العين وتشديد الياء - العنبسي أبو عتبة الحمصي قال يعقوب بن سفيان : تكلم فيه قوم وهو ثقة عدل أعلم الناس بحديث أهل الشام ( في الأصل : " الشام " والظاهر : " أهل الشام " ) وأكثر ما قالوا : يغرب عن ثقات المدنيين والمكيين وقال يزيد بن هارون : ما رأيت أحفظ من إسماعيل بن عياش ما أدري ما سفيان الثوري وقال عثمان الدارمي : أرجو أن لا يكون به بأس وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن يحيى بن معين : ثقة فيما روى عن الشاميين وأما روايته عن أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلط في حفظه عنهم مات سنة 181 هـ وقيل سنة 182 هـ كذا في " تهذيب التهذيب "
    ( 2 ) قوله : حدثني جرير بن عثمان بفتح الجيم وكسر الراء المهملة الأولى ذكره السمعاني في " الأنساب " في نسبة الرحبي - بفتحتين - نسبة إلى بني رحبة بطن من حمير فقال : ومن المنتسبين إليه أبو عثمان جرير بن عثمان بن جبر بن أحمر بن أسعد الرحبي الحمصي ويقال أبو عون سمع عبد الله بن بسر الصحابي وراشد بن سعد وعبد الرحمن بن ميسرة وغيرهم وروى عنه بقية وإسماعيل بن عياش وعيسى بن يونس ومعاذ بن معاذ العنبري والحكم بن نافع وجماعة سواهم كان ثقة ثبتا قال العجلي : جرير شامي ثقة وحكى عنه أنه كان يشتم علي بن أبي طالب : وحكى رجوعه عنه ولد سنة 80 هـ ومات سنة 163 هـ . انتهى ملخصا
    ( 3 ) قوله : عن حبيب قال في " تهذيب التهذيب " : حبيب بن عبيد الرحبي أبو حفص الحمصي روى عن العرباض بن سارية والمقدام بن معديكرب وجبير بن نفير وبلال بن أبي الدرداء وغيرهم وعنه جرير بن عثمان وثور بن يزيد ومعاوية بن صالح قال النسائي : ثقة وقال حبيب بن عبيد أركت سبعين رجلا من الصحابة وقال العجلي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات . انتهى ملخصا
    ( 4 ) قوله : عن عبيد بضم العين لعله والد حبيب أو غيره وفي كتاب " ثقات التابعين " لابن حبان كثير من الكوفيين والشاميين ممن اسمه عبيد ولم أدر إلى الآن تعيينه ها هنا ولعل الله يحدث بعد ذلك أمرا . وهذا على ما وجدنا في بعض النسخ ولا أظنه صحيحا والصحيح ما في بعض النسخ المعتمدة " عن حبيب بن عبيد " فالراوي عن أبي الدرداء هو حبيب بلا واسطة
    ( 5 ) قوله : عن أبي الدرداء بفتح الدالين المهملتين بينهما راء مهملة ساكنة عويمر بن عامر وقيل عامر من بني كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي وقد اختلفوا كثيرا في اسمه ونسبه واشتهر بكنيته والدرداء بنته كان فقيها عالما شهد ما بعد أحد وسكن الشام ومات بدمشق سنة 32 هـ وقيل 31 هـ وقيل سنة 34 هـ كذا في " جامع الأصول "

    6 - ( باب الوضوء ( 1 ) مما غيرت النار ) ( 2 )
    29 - أخبرنا مالك حدثنا وهب ( 3 ) بن كيسان قال : سمعت جابر ( 4 ) بن عبد الله يقول : رأيت ( 5 ) أبا بكر ( 6 ) الصديق أكل لحما ( 7 ) ثم صلى ولم يتوضأ
    _________
    ( 1 ) قوله : الوضوء مما غيرت النار قد اختلف أهل العلم في هذا الباب فبعضهم ذهب إلى الوضوء مما مست النار وممن ذهب إلى ذلك : ابن عمر وأبو طلحة وأنس وأبو موسى وعائشة وزيد بن ثابت وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز وأبو مجلز وأبو قلابة والحسن البصري والزهري . وذهب أكثر أهل العلم وفقهاء الأمصار إلى ترك الوضوء مما مست النار ورأوه آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه و سلم وممن لم بر منه وضوءا : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وعامر بن ربيعة وأبي بن كعب وأبو أمامة وأبو الدرداء والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله ومن التابعين : عبيدة السلماني وسالم بن عبد الله والقاسم بن محمد ومالك والشافعي وأهل الحجاز عامتهم والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وابن المبارك وأحمد وإسحاق كذا في " الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأخبار " للحازمي
    ( 2 ) أي : طعام غيرته النار ووصل فيه أثره
    ( 3 ) قوله : وهب بن كيسان بفتح الكاف قال في " الإسعاف " : وهب بن كيسان القرشي مولاهم أبو نعيم المدني وثقه النسائي وابن سعد مات سنة 127 هـ
    ( 4 ) قوله : جابر هو أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن عمرو بن سواد بن سلمة الأنصاري من مشاهير الصحابة شهد بدرا - على ما قيل - وما بعدها وأبوه أحد النقباء الاثني عشر وكف بصر جابر آخر عمره مات بالمدينة سنة 74 هـ وقيل سنة 77 هـ وقيل سنة 78 هـ وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة كذا في " جامع الأصول "
    ( 5 ) قوله : رأيت ... . إلخ أعلم مالك الناظر في موطئه أن عمل الخلفاء الراشدين بترك الوضوء مما مسته النار دليل على أنه منسوخ وقد جاء هذا المعنى عن مالك نصا : روى محمد بن الحسن عن مالك أنه سمعه يقول : إذا جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم حديثان مختلفان وبلغنا أن أبا بكر وعمر عملا بأحد الحديثين وتركا الآخر كان ذلك دليلا على أن الحق في ما عملا به كذا في " الاستذكار "
    ( 6 ) قوله : أبا بكر الصديق هو أبو بكر عبد الله بن عثمان أبي قحافة - بضم القاف - ابن عامر بن عمرو بن كعب الملقب بالعتيق رفيق النبي صلى الله عليه و سلم في الغار الشاهد معه المشاهد كلها وهو أول من أسلم من الرجال وله مناقب مشهورة مات سنة 13 هـ كذا في " أسماء رجال المشكاة "
    ( 7 ) أي : مطبوخا

    30 - أخبرنا مالك حدثنا زيد ( 1 ) بن أسلم عن عطاء ( 2 ) بن يسار عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أكل ( 3 ) جنب ( 4 ) شاة ثم صلى ولم يتوضأ ( 5 )
    _________
    ( 1 ) قوله : زيد بن أسلم هو أبو أسامة وقيل أبو عبد الله زيد بن أسلم المدني الفقيه مولى عمر قال أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن سعد والنسائي وابن خراش : ثقة وقال يعقوب بن شيبة : ثقة من أهل الفقه والعلم وكان عالما بالتفسير مات سنة 136 هـ وقيل غير ذلك كذا في " تهذيب التهذيب "
    ( 2 ) قوله : عطار بن يسار بفتح الياء أبو محمد الهلالي المدني مولى ميمونة أم المؤمنين ثقة فاضل صاحب عبادة ومواعظ من التابعين مات سنة 94 هـ وقيل بعد ذلك كذا في " التقريب "
    ( 3 ) قوله : أكل جنب شاة أي : لحمه وللبخاري في الأطعمة " تعرق " أي : أكل ما على العرق - بفتح العين وسكون الراء - هو العظم وأفاد القاضي إسماعيل أن ذلك كان في بيت ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بنت عم النبي صلى الله عليه و سلم ويحتمل أنه كان في بيت ميمونة كما عند البخاري من حديثها أنه صلى الله عليه و سلم أكل عندها كتفا ثم صلى ولم يتوضأ وهو خالة ابن عباس كما أن ضباعة بنت عمه كذا في " فتح الباري "
    ( 4 ) بفتح الجيم : القطعة من الشيء
    ( 5 ) قوله : ولم يتوضأ كان الزهري يرى أن الأمر بالوضوء مما مست النار ناسخ لأحاديث الإباحة والإباحة سابقة واعترض عليه بحديث جابر : " كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه و سلم ترك الوضوء مما مست النار " رواه أبو داود والنسائي وغيرهما وصححه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما لكن قال أبو داود وغيره : إن المراد بالأمر ههنا الشأن والقصة لا مقابل النهي وإن هذا الحديث مختصر من حديث جابر المشهور في قصة المرأة التي صنعت للنبي صلى الله عليه و سلم شاة فأكل منها ثم توضأ وصلى الظهر ثم أكل منها وصلى العصر ولم يتوضأ فيحتمل أن تكون القصة وقعت قبل الأمر بالوضوء مما مست النار وأن وضوء الظهر كان لأجل حدث لا لأكل الشاة . وحكى البيهقي عن عثمان الدارمي أنه قال : لما اختلفت أحاديث الباب ولم يتبين الراجح نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون فرجحنا به أحد الجانبين . وجمع الخطابي بأن أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب لا على الوجوب كذا في " الفتح "

    31 - أخبرنا مالك أخبرنا محمد بن المنكدر ( 1 ) عن محمد ( 2 ) بن إبراهيم التيمي عن ربيعة ( 3 ) عن عبد الله ( 4 ) : أنه تعشى ( 5 ) ( 6 ) مع عمر بن الخطاب ( 7 ) ثم صلى ( 8 ) ولم يتوضأ
    _________
    ( 1 ) قوله : محمد بن المنكدر بضم الميم وسكون النون وفتح الكاف وكسر الدال المهملة ابن عبد الله بن الهدير - بالتصغير - التيمي المدني ثقة فاضل مات سنة 130 هـ أو بعدها كذا في " التقريب "
    ( 2 ) قوله : عن محمد بن إبراهيم ابن الحارث بن خالد التيمي أبو عبد الله المدني ثقة مات سنة 120 هـ على الصحيح كذا في " التقريب "
    ( 3 ) قوله : عن ربيعة هو ربيعة بن عبد الله بن الهدير - بالتصغير - التيمي المدني روى عن عمر وطلحة وأبي سعيد الخدري وعنه ابنا أخيه محمد وأبو بكر ابنا المنكدر بن عبد الله وابن أبي مليكة ذكره ابن حبان في " الثقات " وقال ابن سعد : ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان ثقة قليل الحديث وقال العجلي : تابعي مدني ثقة مات سنة 93 هـ كذا في " تهذيب التهذيب " والدليل على أن المراد بربيعة المذكور ههنا هو هذا كلام الطحاوي في " شرح معاني الآثار " : نا يونس قال : نا ابن وهب أن مالكا حدثه عن محمد بن المنكدر وصفوان بن سليم أنهما أخبراه عن محمد بن إبراهيم التيمي عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه تعشى مع عمر بن الخطاب ثم صلى ولم يتوضأ انتهى
    وقد أخطأ القاري حيث فسره بربيعة الرأي شيخ مالك حيث قال عن ربيعة أي ابن أبي عبد الرحمن تابعي جليل القدر أحد فقهاء المدينة سمع أنس بن مالك والسائب بن يزيد وروى عنه الثوري ومالك مات سنة 136 هـ انتهى
    ( 4 ) عن عبد الله هكذا في بعض النسخ وعليه كتب القاري : " إذا أطلق عبد الله عند المحدثين فهو عبد الله بن مسعود . انتهى . فأشار إلى أن المتعشي مع عمر بن الخطاب هو ابن مسعود وأن ربيعة روى عنه ذلك وفي بعض النسخ الصحيحة ربيعة بن عبد الله أنه تعشى مع عمر وهو الموافق لما ذكره الطحاوي من رواية مالك فحينئذ يكون المتعشي مع عمر هو ربيعة بن عبد الله بن الهدير
    ( 5 ) أي : أكل العشاء وهو بفتح العين الطعام الذي يؤكل في المساء كذا في " النهاية "
    ( 6 ) طعاما مسته النار
    ( 7 ) قوله : مع عمر بن الخطاب ... إلخ قد أخرج الطحاوي عن جابر : أكلنا مع أبي بكر خبزا ولحما ثم صلى ولم يتوضأ وأكلنا مع عمر خبزا ولحما ثم قام إلى الصلاة ولم يمس ماءا وأخرج عن إبراهيم أن ابن مسعود وعلقمة خرجا من بيت عبد الله بن مسعود يريدان الصلاة فجيء بقصعة من بيت علقمة فيها ثريد ولحم فأكلا فمضمض ابن مسعود وغسل أصابعه ثم قام إلى الصلاة
    وأخرج عن عبيد قال : رأيت عثمان أتي بثريد فأكل ثم تمضمض ثم غسل يديه ثم قام فصلى بالناس ولم يتوضأ . أخرج عن أبي نوفل : رأيت ابن عباس أكل خبزا ولحما حتى سال الودك على أصابعه فغسل يديه وصلى المغرب . وأخرج عن سعيد بن جبير أن ابن عباس أتي بجفنة من ثريد ولحم عند العصر فأكل فغسل أطراف أصابعه ثم صلى ولم يتوضأ . أخرج عنه : دخل قوم على ابن عباس فأطعمهم طعاما ثم صلى بهم على طنفسة فوضعوا عليها وجوههم وجباههم وما توضؤوا . وأخرج عن مجاهد عن ابن عمر قال : لا نتوضأ من شيء نأكله . وأخرج عن أبي أمامة : أنه أكل خبزا ولحما فصلى ولم يتوضأ وقال : الوضوء مما يخرج وليس مما يدخل . وأخرج عن أنس : أكلنا أنا وأبو طلحة وأبو أيوب طعاما قد مسته النار فقمت لأتوضأ فقال : أتتوضأ من الطيبات لقد جئت بها عراقية . وأخرج عن ابن مسعود قال : لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إلي من أن أتوضأ من اللقمة الطيبة
    فهذه الآثار ونحوها تشيد عدم انتقاض الوضوء مما مسته النار
    ( 8 ) أي : عمر

    32 - أخبرنا مالك أخبرني ضمرة ( 1 ) بن سعيد المازني عن أبان ( 2 ) ابن عثمان : أن عثمان بن عفان أكل لحما وخبزا ( 3 ) فتمضمض وغسل يديه ( 4 ) ثم مسحهما ( 5 ) بوجهه ثم صلى ولم يتوضأ
    _________
    ( 1 ) قوله : ضمرة بن سعيد بفتح الضاد المعجمية ابن أبي حنة بالفتح والنون المشددة عمرو بن غزية الأنصاري المازني نسبة إلى مازن بكسر الزاي قبيلة من الأنصار وثقه ابن معين والنسائي وأبو حاتم والعجلي وذكره ابن حبان في " الثقات " كذا في " تهذيب التهذيب "
    ( 2 ) قوله : عن أبان بفتح الهمزة وخفة الباء الوحدة هو ابن عثمان بن عفان أمير المؤمنين ثالث الخلفاء المهديين أبو عبد الله المدني تابعي له روايات كثيرة ثقة مات سنة 105 هـ . وأبوه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ذو النورين له مناقب جمة استشهد في ذي الحجة 35 هـ كذا في " التقريب " و " جامع الأصول "
    ( 3 ) بالضم
    ( 4 ) قوله : غسل يديه في استحباب غسل اليدين بعد الفراغ من الأكل وورد استحبابه أيضا عند بدء الأكل في عدة روايات وأخطأ من أنكر استحبابه
    ( 5 ) قوله : ثم مسحهما بوجهه لعله خشي أن يعلق به شيء من الطعام

    33 - أخبرنا مالك أخبرنا يحيى ( 1 ) بن سعيد قال : سألت عبد الله بن عامر ( 2 ) بن ربيعة العدوي ( 3 ) عن الرجل يتوضأ ثم يصيب الطعام ( 4 ) قد مسته النار ( 5 ) أيتوضأ ( 6 ) منه ؟ قال : قد رأيت أبي ( 7 ) يفعل ذلك ( 8 ) ثم لا يتوضأ
    _________
    ( 1 ) قوله أخبرنا يحيى بن سعيد هو شيخ الإسلام أبو سعيد يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاري المدني قاضي المدينة حدث عن أنس والسائب بن يزيد وأبي أمامة وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وغيرهم وعنه شعبة ومالك والسفيانان والحمادان وابن المبارك وخلق سواهم قال أيوب السختياني : ما تركت بالمدينة أفقه منه وقال يحيى القطان : هو مقدم على الزهري وقال أبو حاتم : ثقة يوازي الزهرن وقال العجلي : ثقة فقيه فاضل مات بالهاشمية سنة 143 هـ كذا في " تذكرة الحفاظ " للذهبي
    ( 2 ) قوله : عبد الله بن عامر بن ربيعة هو عبد الله بن عامر بن ربيعة بن عامر بن مالك بن ربيعة بن حجير بن سلامان بن مالك بن ربيعة بن رفيدة - بالضم مصغرا - بن عنز - بالفتح ثم السكون - بن وائل بن قاسط العنزي وفي نسبه خلاف أبو محمد توفي النبي صلى الله عليه و سلم وله أربع أو خمس سنين وله أخ أكبر منه يسمى بعبد الله واستشهد الأكبر يوم الطائف ومات الأصغر سنة 85 هـ وقيل سنة 70 هـ وأبوهما عامر كان حليفا لبني عدي بن كعب ولذلك يقال له العدوي هاجر الهجرتين وشهد بدرا وما بعده مات سنة 32 هـ وقيل سنة 33 هـ وقيل سنة 35 هـ كذا في " جامع الأصول " لابن الأثير الجزري
    ( 3 ) بفتحتين نسبة إلى بني عدي
    ( 4 ) أي : يأكله
    ( 5 ) صفة للطعام بجعل لامه للعهد الذهني
    ( 6 ) بهمزة الاستفهام
    ( 7 ) أي : عامر بن ربيعة وهو ممن هاجر الهجرتين
    ( 8 ) أي : يأكل ما مسته النار

    34 - أخبرنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار ( 1 ) مولى بني حارثة ( 2 ) أن سويد ( 3 ) ابن نعمان أخبره : أنه ( 4 ) خرج مع رسول الله صلى الله عليه و سلم عام خيبر ( 5 ) ( 6 ) حتى إذا كانوا بالصهباء ( 7 ) - وهي ( 8 ) أدنى خيبر - صلوا العصر ثم دعا ( 9 ) رسول الله صلى الله عليه و سلم بالأزواد ( 10 ) فلم يؤت إلا بالسويق فأمر به ( 11 ) فثري ( 12 ) لهم بالماء فأكل ( 13 ) رسول الله صلى الله عليه و سلم وأكلنا ثم قام إلى المغرب فمضمض ( 14 ) ومضمضنا ثم صلى ولم يتوضأ ( 15 )
    قال محمد : وبهذا ( 16 ) نأخذ لا وضوء مما مسته النار ولا مما دخل ( 17 ) ( 18 ) إنما الوضوء ( 19 ) مما خرج من الحدث ( 20 ) فأما ما دخل من الطعام مما مسته النار أو لم تمسسه فلا وضوء فيه ( 21 ) وهو ( 22 ) قول أبي حنيفة رحمه الله
    _________
    ( 1 ) قوله : عن بشير هو بشير - بالضم - بن يسار - بالفتح - الحارثي الأنصاري مولاهم المدني قال ابن معين : ثقة وقال ابن سعد : كان شيخا كبيرا فقيها قد أدرك عامة الصحابة وكان قليل الحديث وقال النسائي : ثقة كذا في " تهذيب التهذيب "
    ( 2 ) من الأنصار
    ( 3 ) قوله : سويد هو بالضم ابن نعمان بن مالك بن عائد بن مجدعة بن حشم بن حارثة الأنصاري الأوسي شهد بيعة الرضوان وقيل أحدا وما بعدها يعد في أهل المدينة وحديثه فيهم كذا في " جامع الأصول "
    ( 4 ) أي : سويد
    ( 5 ) أي : عام غزوة رسول الله صلى الله عليه و سلم وهي سنة سبع من الهجرة
    ( 6 ) قوله : خيبر بخاء معجمية مفتوحة وتحتية ساكنة وموحدة مفتوحة وراء غير منصرف مدينة كبيرة على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام
    ( 7 ) بفتح المهملة والمد
    ( 8 ) قوله : وهي أدنى خيبر أي : طرفها مما يلي المدينة وقال أبو عبيد البكري في " معجم البلدان " : هي على بريدين من خيبر وبين البخاري من حديث ابن عبيد أن هذه الزيادة من قول يحيى بن سعيد أدرجت كذا في " فتح الباري "
    ( 9 ) فيه جمع الرفقاء على الزاد في السفر وإن كان بعضهم أكثر أكلا
    ( 10 ) جمع زاد : وهو ما يؤكل في السفر
    ( 11 ) أي : بالسويق
    ( 12 ) قوله : فثري بلفظ مجهول الماضي من التثرية أي : بل يقال : ثريت السويق إذا بللته والسويق : ما يؤخذ من الشعير والحنطة وغيرها للزاد كذا في " الكواكب الدراري "
    ( 13 ) أي : منه
    ( 14 ) قوله : فمضمض أي : قبل الدخول في الصلاة وفائدة المضمضة من السويق وإن كان لا دسم له أنه يحتبس بقاياه بين الأسنان ونواحي الفم فيشغله كذا في " الفتح "
    ( 15 ) قوله : ولم يتوضأ : قال الخطابي : فيه دليل على أن الوضوء مما مست النار منسوخ لأنه متقدم . وخيبر كانت سنة سبع قلت : لا دلالة فيه لأن أبا هريرة حضر بعد فتح خيبر وروى الأمر بالوضوء كما في " صحيح مسلم " وكان يفتي به بعد النبي صلى الله عليه و سلم كذا في " الفتح "
    ( 16 ) أي بما أفادته ( في الأصل : " أفاده " والظاهر : " أفادته " ) هذه الأخبار
    ( 17 ) في جوف الآدمي
    ( 18 ) من غير ما مسته النار
    ( 19 ) قوله : إنما الوضوء مما خرج كأنه يشير إلى ماروي عن عباس أنه قال : الوضوء مما خرج وليس مما دخل أخرجه الدار قطني وأخرج أيضا في كتاب " غرائب مالك " عن ابن عمر مرفوعا : لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من قبل أو دبر . قال ابن الهمام في " فتح القدير " : ضعف بشعبة مولى ابن عباس وقال في الكمال : بل بالفضل بن المختار وقال سعيد بن منصور : إنما يحفظ هذا من قول ابن عباس وقال البيهقي : روي عن علي من قوله . انتهى
    ( 20 ) قوله : من الحدث كالغائط والبول والدم السائل والمذي والقيء وغير ذلك مما هو مبسوط في كتب الفقه
    ( 21 ) قوله : فلا وضوء فيه لما مر من الأخبار المرفوعة والآثار الموقوفة ويعارضها أحاديث الأمر بالوضوء مما مسته النار فروى ابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعا : توضؤوا مما غيرت النار فقال ابن عباس : أتوضأ من الحميم ؟ فقال : يا ابن أخي إذا سمعت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حديثا فلا تضرب له الأمثال
    وروي عن عائشة مرفوعا : توضؤوا مما مست النار
    وروى أبو داود عن أبي هريرة مرفوعا : الوضوء مما أنضجت النار
    وروي عن سعيد بن المغيرة : أنه دخل على أم حبيبة فسقته قدحا من سويق فدعا بماء فمضمض فقالت : يا ابن أختي ألا توضأ ؟ إن النبي عليه الصلاة و السلام قال : توضؤوا مما غيرت النار
    وروى الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعا : الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط . فقال له ابن عباس : أنتوضأ من الدهن أنتوضأ من الحميم ؟ فقال : يا ابن أخي إذا سمعت حديثا فلا تضرب له مثلا
    وروى النسائي عن المطلب بن عبد الله قال : قال ابن عباس : أنتوصأ من طعام أجده حلالا في كتاب الله لأن النار مسته ؟ فجمع أبو هريرة حصى وقال : أشهد عدد هذا الحصى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " توضؤوا مما مست النار "
    وروى النسائي عن أبي أيوب مرفوعا : توضؤوا مما غيرت النار
    وعن أبي طلحة مرفوعا مثله
    وعن زيد بن ثابت مرفوعا : توضؤوا مما مست النار
    وروى الطحاوي عن أبي طلحة : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم أكل ثور أقط فتوضأ منه
    وروى عن زيد بن ثابت مرفوعا : توضؤوا مما غيرت النار
    وعن أم حبيبة مرفوعا : توضؤوا مما مست النار
    وعن القاسم مولى معاوية : أتيت المسجد فرأيت الناس مجتمعين على شيخ يحدثهم قلت : من هذا ؟ قالوا : سهل بن الحنظلة فسمعته يقول : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " من أكل لحما فليتوضأ "
    وعن أبي قلابة عن رجل من الصحابة قال : كنا نتوضأ مما غيرت النار ونمضمض من اللبن
    وعن أبي هريرة بأسانيد متعددة نحو ما مر
    وعن جابر أن رجلا قال : يا رسول الله أنتوضأ من لحوم الغنم ؟ قال : " إن شئت فعلت وإن شئت لا تفعل " قال : يا رسول أنتوضأ من لحوم الإبل ؟ قال : " نعم "
    وروى ابن ماجه عن البراء : سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الوضوء من لحوم الإبل ؟ فقال : " توضؤوا منها "
    وروي عن جابر : أمرنا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن نتوضأ من لحوم الإبل ولا نتوضأ من لحوم الغنم
    ومثله في سنن أبي داود وغيره عن البراء وغيره
    ولاختلاف الأخبار في هذا الباب اختلف العلماء فيه فمنهم من جعله ناقضا بل جعله الزهري ناسخا لعدم النقض ومنهم من لم يجعله ناقضا وحكموا بأن الأمر منسوخ بحديث جابر وغيره وعليه الأكثر ومنهم من قال : من أكل لحم الإبل خاصة وجب عليه الوضوء وليس عليه الوضوء في غيره أخذا من حديث البراء وغيره وبه قال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل الحديث وهو مذهب قوي من حيث الدليل وقد رجحه النووي وغيره
    وقد سلك بعض العلماء مسلك الجمع فاختار بعضهم أن الأمر للاستحباب واختار بعضهم أن الأمر عزيمة والترك رخصة واختار بعضهم أن الوضوء في أحاديث الأمر محمول على غسل اليدين . وهو قول باطل أبطله ابن عبد البر وغيره والكلام في هذا المبحث طويل ( انظر السعاية في كشف ما في " شرح الوقاية " 1 / 268 )
    ( 22 ) أي : عدم الوضوء فيه

    7 - ( باب الرجل والمرأة يتوضأان ( 1 ) من إناء واحد )
    35 - أخبرنا مالك حدثنا نافع ( 2 ) عن ابن عمر ( 3 ) : كان الرجال ( 4 ) والنساء يتوضؤون ( 5 ) جميعا ( 6 ) في زمن ( 7 ) رسول الله صلى الله عليه و سلم ( 8 )
    قال محمد : لا بأس ( 9 ) بأن تتوضأ المرأة وتغتسل مع الرجل من إناء ( 10 ) واحد ( 11 ) إن بدأت قبله أو بدأ قبلها ( 12 ) وهو قول أبي حنيفة ( 13 ) رحمه الله
    _________
    ( 1 ) بأن يكون الماء موضوعا في إناء واحد ويغترفان منه
    ( 2 ) قوله : حدثنا نافع قال شيخ الإسلام الذهبي في " تذكرة الحفاظ " : نافع أبو عبد الله العدوي المدني حدث عن مولاه ابن عمر وعن عائشة وأبي هريرة وأم سلمة ورافع بن خديج وطائفة وعنه أيوب وعبيد الله وابن جريج والأوزاعي ومالك والليث وخلق قال البخاري وغيره : أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر قال ابن وهب : حدثني مالك قال : كنت آتي نافعا وأنا غلام حديث السن فيحدثني وكان يجلس بعد الصبح في المسجد لا يكاد يأتيه أحد قال حماد بن زيد ومحمد بن سعد : مات نافع سنة 117 هـ وقال يحيى بن معين : نافع ديلمي وعن نافع قال : خدمت ابن عمر ثلاثين سنة فأعطي ابن عمر في ثلاثين ألفا فقال : إني أخاف أن تفتني دراهم فأعتقني . انتهى ملخصا
    وفي " جامع الأصول " : نافع بن سرجس - بفتح السن المهملة الأولى وسكون الراء المهملة وكسر الجيم - مولى ابن عمر كان ديلميا من كبار التابعين المدنيين من المشهورين بالحديث ومن الثقات الذي يجمع على حديثهم ويعمل به ومعظم حديث ابن عمر عليه دار قال مالك : كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر لا أبالي أن لا أسمعه من أحد مات سنة 117 هـ وقيل سنة 120 هـ . انتهى . ومثله في " إسعاف المبطأ برجال الموطأ " للسيوطي فإنه قال : نافع بن سرجس الديلمي مولى ابن عمر المدني عن مولاه ورافع بن خديج وأبي هريرة وعائشة وأم سلمة وطائفة وعنه بنوه عبد الله وأبو بكر وعمر والزهري وموسى بن عقبة وأبو حنيفة ومالك والليث وخلق
    قال البخاري : أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر مات سنة 117 هـ . انتهى . والذي يعلم من ثقات ابن حبان أن نافعا مولى ابن عمر ليس بابن سرجس بل هو غيره فإنه قال أولا في حرف النون نافع مولى ابن عمر أصابه ابن عمر في بعض غزواته كنيته أبو عبد الله اختلف في نسبه ولم يصح فيه عندي شيء فأذكره يروي عن ابن عمر وأبي سعيد روى عنه الناس مات سنة 117 هـ . انتهى . ثم قال : نافع بن سرجس الحجازي مولى بني سباع كنيته أبو سعيد يروي عن أبي واقد الليثي روى عنه عبد الله بن عثمان بن خشيم . انتهى وذكر صاحب المشكاة في " أسماء رجال المشكاة " في نسبه مثل ما في " جامع الأصول " حيث قال : نافع بن سرجس - بفتح السين الأولى وسكون الراء وكسر الجيم - كان ديلميا من كبار التابعين سمع ابن عمر وأبا سعيد وعنه خلق كثير منهم مالك والزهري . انتهى . وذكر في " التقريب " و " التهذيب " و " تهذيبه " و " الكاشف " : نافع أبو عبد الله المدني مولى ابن عمر مات سنة 117 هـ من غير ذكر نسبه
    ( 3 ) قوله : عن ابن عمر المراد به حيث أطلق عبد الله بن عمر بن الخطاب وإن كان له أبناء آخرون أيضا كما أنه يراد بابن عباس وابن مسعود وابن الزبير عند الإطلاق هو عبد الله . ترجمته مبسوطة في " تذكرة الحفاظ " للذهبي وغيره وفي " الإسعاف " عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي أبو عبد الرحمن المكي أسلم قديما مع أبيه وهو صغير بل روي أنه أول مولود ولد في الإسلام واستصغر يوم أحد وشهد الخندق وما بعدها وقال فيه النبي صلى الله عليه و سلم : " أنه رجل صالح " ورى عنه بنوه : سالم وحمزة وعبد الله وبلال وعبيد الله وعمر وزيد وحفيده محمد بن زيد وأبو بكر بن عبيد ومولاه نافع وزيد بن أسلم وعطاء وخلق ومسنده عند بقي بن مخلد ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثا توفي سنة 73 هـ وقيل سنة 74 هـ . انتهى
    ( 4 ) قوله : كان الرجال ... . إلخ فإن قلت : يعارضه ما روي أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة قلت : حديث الإباحة أصح كذا في " الكواكب الدراري "
    ( 5 ) قوله : يتوضؤون قال الرافعي : يريد كل رجل مع امرأته وأنهما كانا يأخذان من إناء واحد وكذلك ورد في بعض الروايات . قلت : ما تكلم على هذا الحديث أحسن من الرافعي فلقد خلط فيه جماعة كذا في " التنوير "
    ( 6 ) زاد ابن ماجه عن هشام بن عروة عن مالك في هذا الحديث : من إناء واحد . وزاد أبو داود من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر : ندلي فيه أيدينا . وظاهر قوله " جميعا " أنهم كانوا يتناولون الماء في حالة واحدة وحكى ابن التين عن قوم أن معناه أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون جميعا في موضع واحد هؤلاء على حده وهؤلاء على حده والزيادة المتقدمة في قوله : من إناء واحد ترد عليه . وإن كان هذا القائل استبعد اجتماع الرجال والنساء الأجانب فقد أجاب ابن التين عنه بما حكاه عن سحنون أن معناه : كان الرجال يتوضؤون فيذهبون ثم تأتي النساء فتتوضأن . وهو خلاف الظاهر من قوله جميعا وقد وقع مصرحا بوحدة الإناء في صحيح ابن خزيمة في هذا الحديث من طرق معتمر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر : أنه أبصر النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه يتطهرون والنساء معهم من إناء واحد كلهم يتطهر منه والأولى في الجواب أن يقال : لا مانع من الاجتماع قبل نزول الحجاب وأما بعده بالزوجات والمحارم كذا في " فتح الباري "
    ( 7 ) قوله : في زمن ... إلخ يستفاد منه أن الصحابي إذا أضاف فعلا إلى زمن رسول الله صلى الله عليه و سلم يكون حكمه الرفع وهو الصحيح كذا في " الفتح "
    ( 8 ) وفي نسخة زيادة " من إناء واحد "
    ( 9 ) قوله : لا بأس . . إلخ قد وردت بذلك أخبار كثيرة : فمن ذلك ما أخرجه أصحاب السنن والدارقطني وصححه الترمذي وابن خزيمة وغيرهما من حديث ابن عباس عن ميمونة قالت : أجنبت فاغتسلت من جفنة فبقيت فيها فضلة فجاء النبي صلى الله عليه و سلم يغتسل منه فقت له فقال : الماء ليس عليه جنابة واغتسل منه . هذا لفظ الدارقطني وقد أعله قوم بأن فيه سماك بن حرب الراوي عن عكرمة وكان يقبل التلقين . ورده ابن حجر في " فتح الباري " بأنه قد رواه عنه شعبة وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم
    وروى الشيخان وغيرهما : أن النبي صلى الله عليه و سلم وميمونه كانا يغتسلان من إناء واحد
    وأخرج الطحاوي عن عائشة : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم من إناء واحد
    وعن أم سلمة : كنت إغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم من مركن واحد نفيض على أيدينا حتى ننقيها ثم نفيض علينا الماء
    وعن عائشة : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم من إناء واحد يبدأ قبلي وفي رواية : من إناء واحد تختلف فيه أيدينا من الجنابة
    وعن عروة : أن عائشة والنبي صلى الله عليه و سلم كانا يغتسلان من إناء واحد يغترف قبلها وتغترف قبله
    وعن ابن عباس عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه و سلم : اغتسلت من جنابة فجاء النبي صلى الله عليه و سلم يتوضأ فقالت له فقال : " إن الماء لا ينجسه شيء "
    وهناك أخبار وردت بالمنع عن الوضوء بفضل المرأة : ففي سنن أبي داود والنسائي عن داود بن عبد الله قالت : لقيت رجلا صحب النبي صلى الله عليه و سلم كما صحبه أبو هريرة أربع سنين قال : نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل أو يغتسل الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعا
    وفي سنن أبي داود عن الحكم عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة
    ولابن ماجه عن علي : كان النبي صلى الله عليه و سلم وأهله يغتسلون من إناء واحد ولا يغتسل أحدهما بفضل صاحبه
    وله عن عبد الله بن سرجس : نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة والمرأة بفضل وضوء الرجل ( وفي الأصل : " الرجل " والظاهر : " وضوء الرجل " ) ولكن يشرعان جميعا
    ولاختلاف الأخبار اختلفت الآراء على خمسة أقوال :
    الأول : كراهة تطهر المرأة بفضل الرجل وبالعكس
    والثاني : كراهة تطهر الرجل بفضل طهور المرأة وجواز العكس
    والثالث : جواز التطهر إذا اغترفا جميعا وإذا خلت المرأة فلا خير في الوضوء بفضلها
    والرابع : أنه لا بأس بتطهر كل منهما بفضل الآخر شرعا ( في الأصل : " شرعا " وهو خطأ والصواب : " شرعا " ) جميعا أو تقدم أحدهما وعليه عامة الفقهاء
    والخامس : جواز ذلك ما لم يكن الرجل جنبا والمرأة حائضا
    وقد روي عن ابن عباس وزيد وجمهور الصحابة والتابعين جواز الوضوء بفضل المرأة إلا ابن عمر فإنه كره فضل وضوء الجنب والحائض كذا في " الاستذكار "
    والجواب للجمهور عن أحاديث النهي بوجوه : أحدها : أنها ضعيفة بالنسبة إلى أحاديث الإباحة والثاني : أن المراد النهي عن فضل أعضائها أي : المتساقط منها . والثالث : أن النهي للاستحباب والأفضل كذا قال النووي في شرح صحيح مسلم
    ( 10 ) بأن يأخذا الماء منه لا أنهما يتوضأان فيه
    ( 11 ) قوله : من إناء واحد نقل الطحاوي ثم القرطبي والنووي الاتفاق على جواز اغتسال المرأة والرجل من الإناء الواحد وفيه نظر لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة أنه كان ينهى عنه ونقل النووي أيضا الاتفاق على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل دون العكس وفيه نظر أيضا فقد أثبت الخلاف فيه الطحاوي وثبت عن ابن عمر والشعبي والأوزاعي المنع لكن مقيدا بما إذا كان جنبا وأما عكسه فصح عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه وسعيد بن المسيب والحسن البصري أنهم منعوا عن التطهير بفضل المرأة وبه قال أحمد وإسحاق لكن قيده بما إذا خلت به كذا في " الفتح "
    ( 12 ) أي : سواء كانت بداية المرأة قبل الرجل أو بالعكس
    ( 13 ) وأبي يوسف ذكره الطحاوي

    8 - ( باب الوضوء من الرعاف ) ( 1 )
    36 - أخبرنا مالك حدثنا نافع عن ابن عمر : أنه كان إذا رعف ( 2 ) رجع فتوضأ ( 3 ) ولم يتكلم ثم رجع ( 4 ) فبنى على ما صلى
    _________
    ( 1 ) قوله : الرعاف قال المجد : رعف كنصر ومنع وكرم وعني وسمع وخرج من أنفه الدم رعفا ورعافا كغراب والرعاف أيضا الدم بعينه
    ( 2 ) بفتح العين وضمها
    ( 3 ) حالية ولو تكلم بال عذر بطلت صلاته
    ( 4 ) إلى مصلاه

    37 - أخبرنا مالك حدثنا يزيد ( 1 ) بن عبد الله بن قسيط أنه رأى سعيد بن المسيب رعف وهو يصلي فأتى حجرة ( 2 ) أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه و سلم فأتي ( 3 ) بوضوء ( 4 ) فتوضأ ثم رجع فبنى على ما قد صلى
    _________
    ( 1 ) قوله : يزيد قال في " التقريب " : يزيد بن عبد الله بن قسيط - بقاف وسين مهملتين مصغرا - ابن أسامة الليثي أبو عبد الله المدني الأعرج ثقة مات سنة 122 هـ . انتهى
    ( 2 ) لأنها أقرب موضع إلى المسجد ليقل المشي
    ( 3 ) أي : أتاه آت بالماء
    ( 4 ) بالفتح ماء الوضوء

    38 - أخبرنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب : أنه سئل عن الذي يرعف فيكثر ( 1 ) عليه الدم كيف يصلي ؟ قال : يومئ إيماء برأسه ( 2 ) في الصلاة
    _________
    ( 1 ) أي : يكثر سيلانه ولا يحتبس
    ( 2 ) مخافة تلويث ثيابه وتنجيس موضع سجوده

    39 - أخبرنا مالك أخبرنا عبد الرحمن بن المجبر ( 1 ) بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب : أنه رأى سالم بن عبد الله بن عمر يدخل إصبعه في أنفه أو ( 2 ) إصبعيه ثم يخرجها وفيها ( 3 ) شيء من دم ( 4 ) فيفتله ( 5 ) ثم يصلي ولا يتوضأ ( 6 )
    قال محمد : وبهذا كله ( 7 ) نأخذ فأما الرعاف فإن مالك بن أنس كان لا يأخذ بذلك ( 8 ) ويرى ( 9 ) إذا رعف الرجل في صلاته أن يغسل ( 10 ) الدم ويستقبل الصلاة ( 11 )
    فأما أبو حنيفة فإنه يقول بما روى ( 12 ) مالك عن ابن عمر وعن سعيد بن المسيب إنه ( 13 ) ينصرف فيتوضأ ( 14 ) ثم يبني ( 15 ) على ما صلى إن لم يتكلم ( 16 ) ( 17 ) وهو ( 18 ) قولنا ( 19 )
    وأما إذا كثر ( 20 ) الرعاف ( 21 ) على الرجل فكان إن أومأ ( 22 ) برأسه إيماء لم يرعـف وإن سجد رعف . أومأ ( 23 ) ( 24 ) برأسه إيماء وأجزاه ( 25 ) وإن كان يرعـف كل حال ( 26 ) سجد
    وأما إذا أدخل الرجل إصبعه في أنفه فأخرج عليها شيئا من دم فهذا لا وضوء فيه ( 27 ) لأنه غير سائل ( 28 ) ولا قاطر وإنما الوضوء في الدم مما سال أو قطر وهو قول أبي حنيفة ( 29 )
    _________
    ( 1 ) قوله : المجبر بضم الميم وفتح الجيم وتشديد موحدة مفتوحة فراء وإنما قيل له المجبر لأنه سقط فتكسر فجبر كذا قاله ابن عبد البر وفي " جامع الأصول " : المجبر بن عبد الرحمن الأصغر بن عمر يقال اسمه عبد الرحمن . انتهى . وفي " مشتبه النسبة " للحافظ عبد الغني : مجبر بالجيم والباء والمجبر بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب روى مالك عن ابنه عبد الرحمن . وفي " شرح الموطأ " للزرقاني : عبد الرحمن بن المجبر القرشي العدوي روى عن أبيه وسالم وعنه ابنه محمد ومالك وغيرهما ووثقه الفلاس وغيره وقال ابن ماكولا : لا يعرف في الرواة عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن ثلاثة في نسق واحد إلا هذا فإن اسم المجبر عبد الرحمن وأبوه عبد الرحمن الأصغر . قال الزبير بن بكار : إنه مات وهو حمل فلما ولد سمته حفصة باسم أبيه وقالت : لعل الله يجبره . وقال في " الاستيعاب " : كان لعمر ثلاثة أولاد كلهم عبد الرحمن أكبرهم صحابي وأوسطهم يكنى أبا شحمة وهو الذي ضربه أبوه عمر في الخمر والثالث والد المجبر بالجيم والموحدة الثقيلة . انتهى ملتقطا
    ( 2 ) شك من الراوي
    ( 3 ) أي : في الأصبع
    ( 4 ) خرج من أنفه
    ( 5 ) بكسر التاء أي : يحركه
    ( 6 ) قوله : ولا يتوضأ لأنه دم غير سائل . ونظيره ما ذكره البخاري تعليقا أن عبد الله بن أبي أوفى بزق دما فمضى في صلاته وذكر أيضا عن الحسن أنه قال : ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم وروى ابن أبي شيبة في " مصنفه " عن يونس عن الحسن : أنه كان لا يرى الوضوء من الدم إلا ما كان سائلا . قال العيني في " عمدة القاري " : وإسناده صحيح وهو مذهب الحنفية وحجة لهم على الخصم
    ( 7 ) من انتقاض الوضوء بالرعاف والبناء به إذا حدث في الصلاة والاكتفاء بالإيماء إذا كثر وعدم نقض غير السائل
    ( 8 ) قوله : بذلك أي : بانتقاض الوضوء بالرعاف فإن عنده لا يتوضأ من رعاف ولا قيء ولا قيح يسيل من الجسد ولا يجب الوضوء إلا من حدث يخرج من ذكر أو دبر أو قبل ومن نوم وعليه جماعة أصحابه . وكذلك الدم عنده يخرج من الدبر لا وضوء فيه لأنه يشترط الخروج المعتاد وقول الشافعي في الرعاف وسائر الدماء الخارجة من الجسد كقوله إلا ما يخرج من المخرجين سواء كان دما أو حصاة أو دودا أو غير ذلك وممن كان لا يرى في الدماء الخارجة من غير المخرجين الوضوء طاووس ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة بن أبي عبد الرحمن وأبو ثور كذا قال ابن عبد البر في " الاستذكار " . وذكر العيني في " البناية شرح الهداية " أنه قول ابن عباس وعبد الله بن أبي أوفى وجابر وأبي هريرة وعائشة
    ( 9 ) أي : يعتقد ويظن مالك
    ( 10 ) قوله : إن يغسل الدم وحمل الآثار الواردة في ذلك على أن المراد بالوضوء غسل الدم فإنه يسمى وضوءا لكونه مشتقا من الوضاءة بمعنى النظافة . وأيده أصحابه بأنه نقل عن ابن عباس أنه غسل الدم وصلى فحمل أفعالهم على الاتفاق منهم أولى كذا قال ابن عبد البر . ثم قال : وخالفهم أهل العراق في هذا التأويل فقالوا : إن الوضوء إذا أطلق ولم يقيد بغسل دم أو غيره فهو الوضوء المعلوم للصلاة وهو الظاهر من إطلاق اللفظ مع أنه معروف من مذهب ابن عمر وأبيه عمر إيجاب الوضوء من الرعاف وأنه كان عندهما حدثا من الاحداث الناقضة للوضوء إذا كان سائلا وكذلك كل دم سائل من الجسد . انتهى ( " الاستذكار " 1 / 287 )
    ( 11 ) قوله : ويستقبل الصلاة ظاهره أنه لا يجوز مالك البناء مطلقا وليس كذلك لما يظهر من كلام ابن عبد البر حيث قال : أما بناء الراعف على ما قد صلى ما لم يتكلم فقد ثبت ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وروي عن أبي بكر أيضا ولا يخالف لهم من الصحابة إلا المسور بن مخرمة وحده وروي أيضا البناء للراعف على ما قد صلى ما لم يتكلم عن جماعة من التابعين بالحجاز والعراق والشام ولا أعلم بينهم خلافا إلا الحسن البصري فإنه يذهب في ذلك مذهب المسور أنه لا يبني من استدبر القبلة في الرعاف ولا في غيره وهو أحد قولي الشافعي وقال مالك : من رعف في صلاته قبل أن يصلي بها ركعة تامة فإنه ينصرف فيغسل عنه الدم فيرجع فيبتدئ الإقامة والتكبير والقراءة ومن أصابه الرعاف في وسط صلاته أو بعد أن يركع منها ركعة بسجدتيها انصرف فغسل الدم وبنى على ما صلى حيث شاء إلا الجمعة فإنه لا يصليها إلا في الجامع قال مالك : ولولا خلاف من مضى لكان أحب إلي للراعف أن يتكلم ويبتدئ صلاته من أولها قال مالك : ولا يبني أحد في القيء ولا في شيء من الأحداث ولا يبني إلا الراعف وحده وعلى ذلك جمهور أصحابه . وعن الشافعي في الراعف روايتان : إحداهما يبني والأخرى لا يبني . انتهى كلامه فهذا يوضح أن مالك بن أنس يجوز البناء للراعف في بعض الصور
    ( 12 ) أي : مستندا بما روى
    ( 13 ) فاعل يقول
    ( 14 ) قوله فيتوضأ بناء على أن الخارج من غير السبيلين ناقض للوضوء إذا كان سائلا وبه قال العشرة المبشرة وابن مسعود وابن عمر وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وأبو الدرداء وثوبان كذا ذكر العيني في " البناية " وهو قول الزهري وعلقمة والأسود وعامر الشعبي وعروة بن الزبير والنخعي وقتادة والحكم بن عيينة وحماد والثوري والحسن بن صالح بن حي وعبيد الله بن الحسين والأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه كذا ذكره ابن عبد البر
    ويشهد له من الأخبار ما أخرجه الحاكم وقال : صحيح على شرط الشيخين وأبو داود والترمذي وغيرهم عن أبي الدرداء : أن النبي صلى الله عليه و سلم قاء فتوضأ قال معدان بن أبي طلحة الراوي عن أبي الدرداء : فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال : صدق وأنا صببت له وضوءا . قال الترمذي : هو أصح شيء في الباب وحمل الوضوء في هذا الحديث على غسل الفم كما نقل البيهقي عن الشافعي غير مسموع إذ الظاهر من الوضوء الوضوء الشرعي ولا يصرف عنه الكلام إلا عن ضرورة وهي مفقودة ههنا
    ومن ذلك ما أخرجه ابن ماجه عن عائشة مرفوعا : من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم . وفي سنده إسماعيل بن عياش متكلم فيه ( وأجاب عنه الحافظ الزيلعي بأن إسماعيل بن عياش قد وثقه ابن معين وزاد في الإسناد " عن عائشة " والزيادة من الثقة مقبولة . نصب الراية ( 1 / 37 ) )
    ومن ذلك ما أخرجه الدارقطني عن أبي سعيد الخدري مرفوعا : إذا قاء أحدكم أو رعف وهو في الصلاة فلينصرف فليتوضأ ثم ليجئ فليبن على ما مضى وفي طريقه ضعف ( قال الحافظ في " التلخيص الحبير " ( 1 / 275 ، رقم 430 ) : رواه الدارقطني وإسناده حسن ) حققه ابن الجوزي في " التحقيق "
    ومن ذلك ما أخرجه الدار قطني عن علي مرفوعا : القلس حدث . وفي سنده سوار بن مصعب متروك
    ومن ذلك ما أخرجه ابن عدي في " الكامل " عن زيد مرفوعا : الوضوء من كل دم سائل وأعله بأحمد بن الفرج الحمصي ( قال ابن أبي حاتم في كتاب " العلل " : أحمد بن الفرج كتبنا عنه ومحله عندنا الصدق . نصب الراية ( 1 / 37 ) )
    وفي الباب أحاديث كثيرة أكثرها ضعيفة السند لكن بجمعها تحصل القوة كما حققه ابن الهمام في " فتح القدير " والعيني في " البناية " والمتكفل للبسط في ذلك شرحي لشرح الوقاية المسى بالسعاية
    ( 15 ) قوله : ثم يبني وكذلك في سائر الأحداث العارضة في أثناء الصلاة وبه قال ابن أبي ليلى وداود والزهري وغيرهم ذكره ابن عبد البر
    ( 16 ) قوله : إن لم يتكلم وأما إذا تكلم فسدت صلاته لما مر من حديث عائشة . وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه قال : من رعف في صلاته فلينصرف فليتوضأ فإن لم يتكلم بنى على صلاته وإن تكلم استأنف وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر مثله وذكر عن سعيد بن المسيب أنه قال : إن رعفت في الصلاة فاشدد منخريك وصل كما أنت فإن خرج من الدم شيء فتوضأ وأتم على مامضى ما لم تتكلم
    ( 17 ) ولو قرأ القرآن في طريقه فسدت صلاته أيضا كذا في " الذخائر الأشرفية "
    ( 18 ) أي : قول أبي حنيفة
    ( 19 ) أي : أصحاب أبي حنيفة
    ( 20 ) شرط
    ( 21 ) بحيث لم يمكنه دفعه
    ( 22 ) أي : إن أشار
    ( 23 ) جزاء
    ( 24 ) قوله : أومأ برأسه هذه المسألة من فروع قاعدة من ابتلي ببليتين يختار أهونهما فمن كثر رعافه وصار بحال لا ينقطع رعافه إذا سجد فلو سجد يلزم انتقاض الوضوء به من غير خلف ولو أومأ يلزم ترك السجدة لكن بخلف وهو الإيماء فيختار الأهون وهو الإيماء فإن في اختيار السجدة انتقاض الوضوء وتلويث الثياب والمكان وفي اختيار الإيماء نجاة من كل ذلك وقد وافقنا مالك في هذه المسألة كما قال ابن عبد البر في شرح أثر سعيد بن المسيب إذ أجاز لمن في الطين والماء الميحط به أن يصلي إيماء من أجل الطين فالدم أولى بذلك . ولا أعلم مالكا اختلف قوله في الراعف الذي لا ينقطع رعافه أنه يصلي بالإيماء واختلف قوله في الصلاة في الطين والماء الغالب وفي الصلاة في الطين حديث مرفوع من حديث يعلى بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انتهى إلى مضيق ومعه أصحابه والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم وحضرت الصلاة فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم المؤذن فإذن وأقام وتقدمهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فصلى بهم على راحلته وهم على رواحلهم يومئ إيماء ويجعل السجود أخفض من الركوع وقد ذكرناه بإسناده في التمهيد . وعن أنس بن مالك وجابر بن زيد وطاووس أنهم صلوا في الماء والطين بالإيماء . والدم أحرى بذلك وذكر ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال : إذا غلبه الرعاف فلم يقدر على القيام والركوع والسجود أومأ برأسه إيماء . انتهى
    ( 25 ) أي : الإيماء
    ( 26 ) في نسخة : على كل . أي : سواء أومأ أو سجد
    ( 27 ) قوله : فهذا لا وضوء فيه وكذا إذا عرض شيئا بأسنانه فرأي أثر ا

    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    رد: كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 12:40 pm

    - ( باب الغسل ( 1 ) من بول الصبي ) ( 2 )
    40 - أخبرنا مالك حدثنا الزهري عن عبيد الله ( 3 ) بن عبد الله عن أم قيس ( 4 ) بنت محصن ( 5 ) : أنها جاءت بابن لها ( 6 ) صغير لم يأكل الطعام ( 7 ) إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فوضعه النبي صلى الله عليه و سلم في حجره ( 8 ) فبال على ثوبه ( 9 ) فدعا بماء فنضح ( 10 ) ( 11 ) عليه ( 12 ) ولم يغسله ( 13 )
    قال محمد : قد جاءت رخصة ( 14 ) في بول الغلام إذا كان لم يأكل الطعام وأمر بغسل بول الجارية وغسلهما ( 15 ) جميعا أحب إلينا وهو قول أبي حنيفة ( 16 )
    _________
    ( 1 ) بفتح الغين أي غسل ما أصابه بوله
    ( 2 ) قوله : بول الصبي قال ابن عبد البر : أجمع المسلمون على أن بول كل صبي يأكل الطعام ولا يرضع نجس كبول أبيه واختلفوا في بول الصبي والصبية إذا كانا يرضعان ولا يأكلان الطعام فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما : بول الصبي والصبية كبول الرجلين مرضعين كانا أو غير مرضعين وقال الأوزاعي : لا بأس ببول الصبي ما دام يشرب اللبن وهو قول عبد الله بن وهب صاحب مالك . وقال الشافعي : بول الصبي الذي لم يأكل الطعام ليس بنجس حتى يأكل الطعام وقال الطبري : بول الصبية يغسل غسلا وبول الصبي يتبع ماء وهو قول الحسن البصري وذكر عبد الرزاق عن معمر وابن جريج عن ابن شهاب قال : مضت السنة أن يرش بول الصبي ويغسل بول الجارية وقد أجمع المسلمون على أنه لا فرق بين بول المرأة والرجل في القياس فكذلك بول الغلام والجارية وقد رويت التفرقة بينهما في أن بول الصبي لا يغسل وبول الصبية يغسل في آثار ليست بالقوية وقد ذكرتها في التمهيد . انتهى . وفيه ما فيه
    ( 3 ) قوله : عن عبيد الله بن عبد الله هو عبيد الله بن عبد الله بن عبتة بن مسعود الهذلي أبو عبد الله أحد الفقهاء السبعة بالمدينة روى عن أبيه وابن عباس وابن عمر والنعمان بن بشير وعنه الزهري وسالم أبو النضر وطائفة وثقه أبو زرعة والعجلي وغير واحد مات سنة أربع أو خمس وتسعين وقيل ثمان وتسعين كذا في " إسعاف المبطأ برجال الموطأ "
    ( 4 ) قوله : أم قيس هو أخت عكاشة أسلمت قديما وهاجرت إلى المدينة روى عنها مولاها عدي بن دينار ووابصة بن معبد وغيرهما كذا في " الإسعاف " وقال الزرقاني : اسمها جذامة وقيل : آمنة
    ( 5 ) بكسر الميم وإسكان الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن حرثان الأسدي
    ( 6 ) قوله : بابن لها صغير قال الحافظ ابن حجر : لم أقف على تسميته قال : وروى النسائي أن ابنها هذا مات في عهد النبي صلى الله عليه و سلم وهو صغير
    ( 7 ) قوله : لم يأكل الطعام المراد بالطعام ماعدا اللبن التي ترضعه والتمر الذي يحنك به والعسل الذي يلعقه للمداواة وغيرها فكأن المراد لم يحصل له الإغتذاؤ بغير اللبن على الاستقلال هذا مقتضى كلام النووي في شرح صحيح مسلم وشرح المهذب وقال ابن التين : يحتمل أنها أرادت أنه لم يتقوت بالطعام ولم يستغن عن الرضاع
    ( 8 ) بفتح الحاء على الأشهر تكسر وتضم : الحضن
    ( 9 ) قوله : ثوبة أي ثوب النبي صلى الله عليه و سلم وأغرب ابن شعبان من المالكية فقال : المراب به ثوب الصبي والصواب الأول قاله ابن حجر
    ( 10 ) النضح هو رش الماء من غير دلك والغسل إنما يكون بصب الماء من غير مبالغة
    ( 11 ) قوله : فنضح قال النووي في شرح صحيح مسلم : قد اختلف العلماء في كيفية طهارة بول الصبي والجارية على ثلاثة مذاهب وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا الصحيح المشهور المختار أنه يكفي النضح في بول الصبي ولا يكفي في بول الجارية بل لا بد من غسله كسائر النجاسات والثاني أنه يكفي النضح فيهما والثالث لا يكفي النضح فيهما وهذان الوجهان حكاهما صاحب " التتمة " من أصحابنا وهما شاذان وممن قال بالفرق : علي وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وجماعة من السلف وأصحاب الحديث وابن وهب من أصحاب مالك وروي عن أبي حنيفة وممن قال بوجوب غسلهما أبو حنيفة ومالك في المشهور عنهما
    واعلم أن هذا الخلاف إنما هو في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبي ولا خلاف في نجاسته ونقل بعض العلماء الإجماع على نجاسة بول الصبي وأنه لم يخالف فيه إلا داود الظاهري قال الخطابي وغيره : وليس تجويز في جوز النضح في الصبي من أجل أن بوله ليس بنجس ولكنه من أجل التخفيف في إزالته فهذا هو الصواب وأما ما حكاه أبو الحسن بن بطال ثم القاضي عياض عن الشافعية وغيرهم أنهم قالوا بطهارة بول الصبي فينضح فحكاية باطلة وأما حقيقة النضح ههنا فقد اختلف أصحابنا فيها فذهب الشيخ أبو محمد الجويني والبغوي إلى أن معناه أن الشيء الذي أصابه البول يغمر بالماء كسائر النجاسات بحيث لو عصر لا يعصر قالوا : وإنما يخالف هذا غيره في أن غيره يشترط عصره على أحد الوجهين وهذا لا يشترط وذهب إمام الحرمين والمحققون إلى أن النضح أني غمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا يبلغ جريان الماء وتقاطره وهذا هو الصحيح المختار ويدل عليه " فنضحه ولم يغسله " ( انظر " شرح مسلم " للنووي ( باب حكم بول الرضيع ) ( 1 / 139 ) )
    ( 12 ) قوله : عليه لمسلم من طريق الليث عن ابن شهاب فلم يزد على أن نضح بالماء وله من طريق ابن عيينة عن ابن شهاب : فرشه وزاد أو عوانة ( في الأصل : " ابن عوانة " وهو خطأ ) في صحيحه : " عليه "
    ( 13 ) قوله : ولم يغسله قال ابن حجر : ادعى الأصيلي أن هذه الجملة من كلام ابن شهاب وأن الحديث انتهى عند قوله : " فنضحه " قال : وكذلك روى معمر عن ابن شهاب وكذا أخرجه ابن أبي شيبة قال : فرشه ولم يزد على ذلك . انتهى . وليس في سياق معمر ما يدل على ما ادعاه من الإدراج وقد أخرجه عبد الرزاق عنه بنحو سياق مالك لكنه لم يقل : ولم يغسله وقد قالهما مع مالك : الليث وعمرو بن الحارث ويونس بن يزيد كلهم عن ابن شهاب أخرجه ابن خزيمة والإسماعيلي وغيرهما من طريق ابن وهب عنهم وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب هي أوجه للشافعية أصحها الاكتفاء بالنضح في بول الصبي لا الجارية وهو قول علي وعطاء والحسن والزهري وأحمد وإسحاق ورواه الوليد بن مسلم عن مالك وقال أصحابه : هي رواية شاذة . والثاني يكفي النضح فيهما وهو مذهب الأوزاعي وحكي عن مالك والشافعي . والثالث هما سواء في وجوب الغسل وبه قال الحنفية والمالكية : قال ابن دقيق العيد : اتبعوا في ذلك القياس وقالوا : المراد بقولها : لم يغسله أي غسلا مبالغا فيه وهو خلاف الظاهر . ويبعده ورود الأحاديث الأخر في التفرقة وقال الخطابي : ليس تجويز من جوز النضح من أجل أن بول الصبيان غير نجس وأثبت الطحاوي الخلاف وكذا جزم به ابن عبد البر وابن بطال ومن تبعهما عن الشافعي وأحمد وغيرهما ولم يعرف ذلك الشافعية ولا الحنابلة وكأنهم أخذوا ذلك من طريق اللازم وأصحاب المذهب أعلم بمرادهم من غيرهم
    ( 14 ) قوله : قد جاءت رخصة أي بالنضح في بول الغلام ما لم يطعم الطعام دون الجارية كما في حديث أم قيس : " فنضحه ولم يغسله " وفي سنن ابن ماجة من حديث علي مرفوعا : ينضح بول الغلام ويغسل بول الجارية وفيه عن لبابة قالت : بال الحسين بن علي في حجر النبي صلى الله عليه و سلم فقلت : يا رسول الله أعطني ثوبك والبس ثوبا غيره فقال : إنما ينضح من بول الذكر ويغسل من بول الأنثى وفي سنن أبي داود عن علي ولبابة مثل ما مر وعن أبي السمح قال : كنت أخدم النبي صلى الله عليه و سلم فكان إذا أراد أن يغتسل قال : ولني قفاك فأستره به فأتي بحسن أو حسين فبال على صدره فجئت أغسله فقال : يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام وللنسائي من حديث أبي السمح مثله
    فهذه الأحاديث وأمثالها تشهد بالرخصة في بول الغلام بالنضح والفرق ( في الأصل : و " الرق " وهو خطأ ) بينه وبين بول الجارية وحمل أصحابنا النضح والرش على الصب الخفيف بغير مبالغة ودلك والغسل على الغسل مبالغة فاستويا في الغسل . وقالوا : النضح يستعمل في الغسل كما في حديث علي في المذي من قوله صلى الله عليه و سلم : " فينضح فرجه " أي يغسله ويؤيده ما روى أبو داود عن الحسن عن أمه أنها أبصرت أم سلمة تصب على بول الغلام ما لم يطعم فإذا طعم غسلته وكانت تغسل من بول الجارية
    ( 15 ) قوله : وغسلهما جميعا أحب إلينا لأنه يحتمل أن يكون المراد بالنضح صب الماء عليه فقد يسمى ذلك نضحا وإنما فرق بينهما لأن بول الغلام يكون في موضع واحد لمخرجه وبول الجارية يتفرق لسعة مخرجه فأمر في الغلام بالنضح أي صب الماء عليه في موضع واحد وأراد بغسل بول الجارية أن ينقع في الماء لأنه يقع في مواضع متفرقة كذا ذكره الطحاوي وأيده بما أخرجه عن سعيد بن المسيب أنه قال : الرش بالرش والصب بالصب ثم أخرج حديث عائشة وفيه : فأتبعه الماء وقال : وإتباع الماء حكمه حكم الغسل ألا يرى أن رجلا لو أصاب ثوبه نجاسة فأتبعه الماء طهر ثوبه ثم أخرج عن أم الفضل قالت : لما ولد الحسين أتيت ( في الأصل : " أتيته به " والظاهر " أتيت " ) به إلى النبي صلى الله عليه و سلم فوضعته على صدره فبال عليه فأصاب إزاره فقلت : يا رسول الله أعطني إزارك أغسله فقال : إنما يصب من بول الغلام ويغسل من بول الجارية ثم قال : فثبت أن النضح أراد به الصب حتى لا يتضاد الحديثان المختلفان ( انظر : " عمدة القاري " للعيني ( 1 / 893 ) )
    ( 15 ) وكذا أبي يوسف ذكره الطحاوي

    41 - أخبرنا مالك أخبرنا هشام ( 1 ) بن عروة عن أبيه ( 2 ) عن عائشة ( 3 ) رضي الله عنها أنها قالت : أتي ( 4 ) النبي صلى الله عليه و سلم بصبي ( 5 ) فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه ( 6 ) ( 7 ) إياه ( 8 )
    قال محمد : وبهذا نأخذ : تتبعه ( 9 ) إياه غسلا ( 10 ) حتى تنقيه ( 11 ) وهو قول أبي حنيفة رحمه الله
    _________
    ( 1 ) قوله : هشام بن عروة هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني عن أبيه وعمه عبد الله بن الزبير وعنه مالك وأبو حنيفة وشعبة وثقه أبو حاتم وغيره مات سنة خمس وأربعين ومائة كذا في " إسعاف المبطأ برجال الموطأ " للسيوطي
    ( 2 ) قوله : عن أبيه عروة بن الزبير أبو عبد الله عن أبيه وأخيه عبد الله وعلي وابنيه وعائشة وعنه بنوه عبد الله ومحمد وعثمان وهشام مات سنة أربع وتسعين كذا في " الإسعاف "
    ( 3 ) قوله : عن عائشة بنت أبي بكر الصديق زوج النبي صلى الله عليه و سلم أمها أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس تزوجها رسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة قبل الهجرة بسنتين هذا قول أبي عبيدة : بثلاث سنين وابتنى بها بالمدينة وهي بنت تسع وقال أبو الضحى عن مسروق : رأيت أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم الأكابر يسألونها عن الفرائض وقال عطاء : كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس توفيت سنة سبع وخمسين وقيل سنة ثمانية وخمسين لسبع عشرة خلت من رمضان كذا في " الاستيعاب في أحوال الأصحاب " لابن عبد البر
    ( 4 ) مجهول
    ( 5 ) قوله : بصبي يظهر لي أن المراد به ابن أم قيس ويحتمل أن يكون الحسن بن علي أو الحسين كذا في " الفتح "
    ( 6 ) بإسكان المثناة
    ( 7 ) الضمير المتصل للبول والمنفصل للماء ويجوز العكس
    ( 8 ) قوله : إياه زاد مسلم من طريق عبد الله بن نمير عن هشام : " ولم يغسله " . ولابن المنذر من طريق الثوري عن هشام : " فصب عليه الماء " . وللطحاوي " فنضحه عليه "
    ( 9 ) بصيغة الخطاب وكذا قرينه والخطاب عام وفي بعض النسخ ننقيه ونتبعه بصيغة المتكلم
    ( 10 ) أي غسلا خفيفا
    ( 11 ) من الإنتقاء أو التنقية

    10 - ( باب الوضوء من المذي ) ( 1 )
    42 - أخبرنا مالك أخبرني سالم ( 2 ) ( 3 ) أبو النضر ( 4 ) مولى عمر ( 5 ) بن عبيد بن معمر التيمي ( 6 ) عن سليمان ( 7 ) بن يسار عن المقداد ( 8 ) بن الأسود أن علي ( 9 ) بن أبي طالب رضي الله عنه أمره ( 10 ) أن يسأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الرجل إذا دنا ( 11 ) من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه ( 12 ) ؟ فإن عندي ( 13 ) ابنته ( 14 ) ( 15 ) وأنا أستحي ( 16 ) أن أسأله فقال المقداد : فسألته فقال : إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح ( 17 ) فرجه وليتوضأ وضوءه ( 18 ) للصلاة ( 19 )
    _________
    ( 1 ) قوله : من المذي بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وتخفيف الياء على الأفصح ثم بكسر الذال وشد الياء ثم الكسر مع التخفيف ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند الملاعبة أو تذكر الجماع أو إرادته
    ( 2 ) ابن أبي أمية القرشي
    ( 3 ) قوله : سالم أبو النضر المدني روى عن أنس والسائب بن يزيد وعنه مالك والليث والسفيانان وثقه أحمد وغيره مات سنة 129 هـ كذا في " الإسعاف "
    ( 4 ) بالضاد المعجمة
    ( 5 ) بضم العين
    ( 6 ) قوله : ابن معمر بن عثمان بن عمرو بن سعد بن تيم القرشي كان أحد وجوه قريش وأشرافها مات بدمشق سنة اثنين وثمانين وجده معمر صحابي ابن عم أبي قحافة والد أبي بكر الصديق قاله الزرقاني
    ( 7 ) قوله : سليمان بن يسار أحد الأعلام قال النسائي : كان أحد الأئمة وقال أبو زرعة : ثقة مأمون فاضل مات سنة 107 هـ كذا في " الإسعاف "
    ( 8 ) قوله : عن المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي المعروف بابن الأسود كان الأسود بن عبد يغوث قد تبناه وهو صغير فعرف به شهد بدرا والمشاهد كلها مات سنة 33 هـ كذا في " الإسعاف " . وقال ابن عبد البر : هذا الإسناد ليس بمتصل لأن سليمان بن يسار لم يسمع من المقداد ولا من علي ولم ير واحدا منهما فإنه ولد سنة أربع وثلاثين ولا خلاف أن المقداد توفي سنة ثلاث وثلاثين وبين سليمان وعلي في هذا الحديث ابن عباس أخرجه مسلم كذا في " التنوير "
    ( 9 ) قوله : أن علي بن أبي طالب اسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب نشأ علي عن النبي صلى الله عليه و سلم وصلى معه أول الناس وشهد المشاهد كلها سوى تبوك ومناقبه كثيرة قتل ليلة الجمعة لثلاث عشرة بقيت من رمضان سنة 40 هـ بالكوفة كذا في " الإسعاف "
    ( 10 ) قوله : أمره وللنسائي أن عليا أمر عمارا أن يسأل ولابن حبان أن عليا قال : سألت ( وبسط العيني اختلاف الروايات في ذلك ( عمدة القاري 2 / 36 ) . واختلف العلماء في الجمع بينها بأقوال : فجمع ابن حبان بأن عليا رضي الله عنه أمر عمارا أن يسأل ثم أمر المقداد بذلك ثم سأل بنفسه قال الحافظ في الفتح ( 1 / 263 ) وهو جمع جيد إلا آخره فيخالفه قوله : " وأنا أستحيي " فتعين حمله على المجاز بأن بعض الرواة أطلق أنه سأله لكونه الآمر بذلك وبه جزم الإسماعيلي والنووي
    وجمع بعضهم بأن السؤال بالواسطة كان لخصوص نفسه وباشر بنفسه عن مطلق حكم المذي وقيل غير ذلك . انظر " الكوكب الدري على جامع الترمذي 1 / 146 " )
    ( 11 ) أي قرب
    ( 12 ) أي ما يجب عليه
    ( 13 ) أي تحت عقدي
    ( 14 ) فاطمة
    ( 15 ) علة لأمره بالسؤال وعدم سؤاله بنفسه
    ( 16 ) قوله : وأنا أستحيي ... إلخ ذكر اليافعي في " الإرشاد والتطريز بفضل تلاوة القرآن العزيز " أن الحياء على أقسام : حياء جناية كآدم لما قيل له أفرارا منا ؟ قال : بل حياء منك وحياء التقصير كحياء الملائكة يقولون : ما عبدناك حق ؟ ؟ عبادتك وحياء الإجلال كإسرافيل تسربل بجناحه حياء من الله وحياء الكرم كحياء النبي عليه السلام كان يستحيي من أمته أن يقول : اخرجوا فقال الله : { ولا مستأنسين لحديث } . وحياء حشمة كحياء علي حين أمر المقداد بالسؤال عن المذي لمكان فاطمة . وحياء الاستحقار كموسى قال : لتعرض لي الحاجة من الدنيا فأستحيي أن أسألك يارب . فقال له : سلني حتى ملح عجينك وعلف شاتك . وحياء هو حياء الرب جل جلاله حين يستر على عبده يوم القيامة . هذا ما نقله اليافعي عن " رساله " القشيري
    ( 17 ) قوله : فلينضح ضبطه النووي بكسر الضاد وقال الزركشي : كلام الجوهري يشهد له ( في الأصل : " يشهده " والظاهر : " يشهد له " ) لكن نقل عن صاحب الجامع أن الكسر لغة والأفصح الفتح
    ( 18 ) أي مثل وضوئه
    ( 18 ) قوله : للصلاة قال الرافعي : لقطع احتمال حمل التوضؤ على الوضاءة الحاصلة بغسل الفرج

    43 - أخبرنا مالك أخبرني زيد ( 1 ) بن أسلم عن أبيه ( 2 ) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : إني لأجده ( 3 ) يتحدر ( 4 ) مني مثل الخريزة ( 5 ) فإذا وجد أحدكم ذلك فليغسل فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة
    قال محمد : وبهذا نأخذ : يغسل موضع ( 6 ) المذي ( 7 ) ويتوضأ ( 8 ) وضوءه للصلاة وهو قول أبي حنيفة رحمه الله
    _________
    ( 1 ) قوله : زيد أبو عبد الله قال يعقوب بن شيبة : ثقة من أهل الفقه والعلم كان عالما بالتفسير له فيه كتاب توفي سنة 136 هـ كذا في " الإسعاف "
    ( 2 ) أسلم مولى عمر ثقة مخضرم مات سنة 87 هـ كذا في " الإسعاف " وغيره
    ( 3 ) أي المذي
    ( 4 ) من الحدور ضد الصعود
    ( 5 ) تصغير الخرزة وهو الجوهرة وفي رواية عنه مثل الجمانة وهي اللؤلؤة
    ( 6 ) الذي خرج منه المذي
    ( 7 ) قوله : موضع المذي يشير إلى أن المراد بغسل الفرج هو موضع المذي لا غسل الفرج كاملا ( قد ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد إلى غسل موضع النجاسة من الذكر وعن مالك وأحمد رواية غسل كل الذكر وعن أحمد رواية ودوب غسل الذكر والإنثيين كما في " المغني " ( 1 / 166 ) و " شرح المهذب " ( 2 / 144 ) ) وإنما أطلق بناء على أنه غالبا يتفرق في مواضع من الذكر فيغسل كله احتياطا وأما إذا علم موضعه فيكتفي بغسله
    ( 8 ) قوله : ويتوضأ لا رخصة لأحد من علماء المسلمين في المذي الخارج على الصحة وكلهم يوجب الوضوء منه وهي سنة مجمع عليها بلا خلاف فإذا كان خروجه لفساد أو علة فلا وضوء فيه عند مالك ( خلافا للأئمة الثلاثة إذ قالوا بنقض الوضوء إلا أن الشافعي يقول : يتوضأ لكل صلاة وقالت الحنفية : يتوضأ لوقت كل صلاة . انظر ( أوجز المسالك 1 / 267 ) ) ولا عند سلفه وعلماء بلده لأن ما لا يرقأ ولا ينقطع فلا وجه للوضوء منه كذا في " الاستذكار "

    44 - أخبرنا مالك أخبرنا الصلت ( 1 ) بن زييد أنه سأل سليمان ( 2 ) بن يسار عن بلل ( 3 ) يجده فقال : انضح ( 4 ) ما تحت ثوبك ( 5 ) واله ( 6 ) عنه
    قال محمد : وبهذا ( 7 ) نأخذ إذا كثر ذلك ( 8 ) من الإنسان وأدخل الشيطان عليه في الشك وهو قول أبي حنيفة رحمه الله
    _________
    ( 1 ) الصلت بفتح الصاد المهملة وسكون اللام ابن زييد مصغر زيد أو زياد الكندي وثقه العجلي وغيره . قاله الزرقاني
    ( 2 ) أبو أيوب الهلالي المدني
    ( 3 ) أراد به المذي . وفي نسخة : البلل
    ( 4 ) أي اغسل
    ( 5 ) أي إزارك أو سروالك
    ( 6 ) قوله : واله أمر من لهي يلهى كرضي يرضى : اشتغل عنه بغيره دفعا للوسواس وقد قال صلى الله عليه و سلم : " إذا توضأت فانتضح " . رواه ابن ماجه عن أبي هريرة أي لدفع الوسواس حتى إذا أحس ببلل قدر أنه بقية الماء لئلا يشوش الشيطان فكره ويتسلط عليه بالوسوسة
    ( 7 ) أي بنضح الماء والإعراض عنه
    ( 8 ) أي خروج المذي

    11 - ( باب الوضوء مما يشرب منه السباع ( 1 ) وتلغ فيه ) ( 2 )
    45 - أخبرنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد ( 3 ) عن محمد بن إبراهيم ( 4 ) بن الحارث التيمي عن يحيى ( 5 ) بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة ( 6 ) أن عمر ( 7 ) بن الخطاب رضي الله عنه خرج في ركب ( 8 ) فيهم عمرو ( 9 ) بن العاص حتى وردوا حوضا فقال عمرو بن العاص : يا صاحب الحوض هل ترد ( 10 ) حوضك السباع ( 11 ) ؟ فقال عمر بن الخطاب : يا صاحب الحوض لا تخبرنا ( 12 ) فإنا نرد على السباع ( 13 ) وترد علينا ( 14 )
    قال محمد : إذا كان الحوض عظيما إن ( 15 ) حركت ( 16 ) منه ناحية ( 17 ) لم تتحرك به الناحية الأخرى لم يفسد ( 18 ) ذلك الماء ما ولغ فيه من سبع ولا ما وقع فيه من قذر ( 19 ) إلا أن يغلب على ريح أو طعم ( 20 ) فإذا كان حوضا صغيرا إن حركت منه ناحية تحركت الناحية الأخرى فولغ ( 21 ) فيه السباع أو وقع فيه القذر لا يتوضأ ( 22 ) منه ألا يرى ( 23 ) ( 24 ) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كره أن يخبره ونهاه عن ذلك ( 25 ) وهذا كله قول أبي حنيفة رحمه الله ( 26 )
    _________
    ( 1 ) قوله : السباع هي ما يفترس الحيوان ويأكله قهرا كالأسد والنمر والذئب ونحوها كذا في " النهاية "
    ( 2 ) يقال : ولغ يلغ ولغا وولوغا أي شرب منه بلسانه وأكثر ما يكون الولوغ في السباع كذا في " النهاية "
    ( 3 ) قوله : يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري أبو سعيد المدني قاضيها عن أنس وعدي بن ثابت وعلى بن الحسين وعنه وأبو حنيفة ومالك وشعبة قال ابن سعد : ثقة كثير الحديث حجة ثبت مات سنة 143 هـ كذا في " الإسعاف "
    ( 4 ) قوله : محمد بن إبراهيم وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وغيرهم وقال أحمد : في حديثه شيء يروي مناكير مات سنة 120 هـ وهو راوي حديث : " إنما الأعمال بالنيات " في رواية محمد بن الحسن كذا في " الإسعاف "
    ( 5 ) ثقة من التابعين مات سنة 104 هـ روى له مسلم والأربعة قاله الزرقاني
    ( 6 ) قوله : بلتعة بفتح الباء وسكون اللام بعده تاء فوقية مثناة مفتوحة ثم عين مهملة
    ( 7 ) منقطع فإن يحيى لم يدرك عمر
    ( 8 ) الركب اسم جمع كنفر ورهط وقيل هو جمع راكب كصاحب وصحب
    ( 9 ) قوله : فيهم عمرو بن العاص هو عمرو - بالفتح - ابن العاص بن وائل السهمي الصحابي أسلم عام الحديبية وولي إمرة مصر مرتين ومات بها سنة نيف وأربعين وقيل : بعد الخمسين كذا ذكره الزرقاني في " شرح المرطأ " وقال هو في " شرح المواهب اللدنية " : العاص بالياء وحذفها والصحيح الأول عند أهل العربية وهو قول الجمهور كما قال النووي وغيره
    وفي " تبصير المنتبه " : قال النحاس : سمعت الأخفش يقول : سمعت المبرد يقول : هو بالياء لا يجوز حذفها وقد لهجت العامة بحذفها قال النحاس : هذا مخالف لجميع النحاة يعني أنه من الأسماء المنقوصة فيجوز فيه إثبات الياء وحذفها والمبرد لم يخالف النحويين في هذا وإنما زعم أنه سمي العاصي لأنه أعيص بالسيف أي : أقام السيف مقام العصا وليس هو من العصيان كذا حكاه الآمدي هنا قلت : وهذا إن مشى في العاصي بن وائل لكنه لا يطرد لأن النبي صلى الله عليه و سلم غير اسم العاصي بن الأسود والد عبد الله فسماه مطيعا فهذا يدل على أنه من العصيان وقال جماعة : لم يسلم من عصاة قريش غيره فهذا يدل لذلك أيضا
    ( 10 ) قوله : هل ترد أي : هل تأتي إليه فتشرب منه سباع البهائم كالذئب والضبع والثعلب ونحوها فإن سؤرها نجس كسؤر الكلب لاختلاطه بلعاب نجس متولد من لحم حرام أكله ولعله كان حوضا صغيرا يتنجس بملاقاة النجاسة وإلا فلو كان كبيرا لما سأل ومعنى قوله " لا تخبرنا " أي : ولو كنت تعلم أنه ترده السباع لأنا نحن لا نعلم ذلك فالماء طاهر عندنا فلو استعملناه استعملنا ماء طاهرا كذا في " الحديقة الندية " لعبد الغني النابلسي شرح " الطريقة المحمدية " للبركلي
    ( 11 ) لأجل الشرب حتى تمتنع منه
    ( 12 ) قوله : لا تخبرنا الأظهر أن يحمل على إرادة عدم التنجيس وبقاء الماء على طهارته الأصلية ويدل عليه سؤال الصحابي وإلا فيكون عبثا ثم تعليله بقوله : " فإنا " إشارة إلى أن هذا الحال من ضرورات السفر وما كلفنا بالتحقيق فلو فتحنا هذا الباب على أنفسنا لوقعنا في مشقة عظيمة كذا في " مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح " لعلي القاري رحمه الله
    ( 13 ) هذا بظاهره يؤيد مذهب مالك أن الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه
    ( 14 ) قوله : وترد ... . إلخ قال ابن الأثير في " جامع الأصول " : زاد رزين قال : زاد بعض الرواة في قول عمر : " وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : لها ما أخذت في بطونها وما بقي فهو لنا طهور وشراب . انتهى . ونظيره ما رواه ابن ماجه عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر وعن الطهارة منها فقال : " لها ما حملت في بطونها ولنا ما غبر ( معناه : " بقي " . انظر مجمع بحار الأنوار 4 / 3 ) طهور " . وروى الدار قطني في سننه عن جابر قيل : يا رسول الله أنتوضأ بما أفضلت الحمر ؟ قال : " نعم وبما أفضلت السباع " . وفي سندهما متكلم فيه
    وبهذه الأحاديث ذهب الشافعية والمالكية إلى أن سؤر السباع طاهر لا يضر مخالطته بالماء وأما أصحابنا الحنفية فقالوا بنجاسته ( سؤر السباع طاهر عند مالك وكذلك عند الشافعي وسؤر سباع الوحش نجس عند الإمام وهما روايتان عن الحنابلة ( أوجز المسالك : 1 / 211 ) ) وحملو أثر عمر على أن غرضه من قوله : " لا تخبرنا " أنك لو أخبرتنا لضاق الحال فلا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا ولا يضرنا ورودها عند عدم علمنا ولا يلزمنا الاستفسار عن ذلك . ولو كان سؤر السبع طاهرا لما منع صاحب الحوض عن الإخبار لأن إخباره حينئذ لا يضر وأما حمله على أن كل ذلك عندنا سواء أخبرتنا أو لم تخبرنا فلا حاجة إلى إخبارك كما ذكره المالكية والشافعية فهو وإن كان محتملا لكن ظاهر سياق الكلام يأباه
    وأما قول ابن عبد البر : المعروف عن عمر في احتياطه في الدين أنه لو كان ولوغ السباع والحمير والكلب يفسد ماء الغدير لسأل عنه ولكنه رأى أنه لا يضر الماء . انتهى . فمنظور فيه بأن مقتضى الاحتياط ليس أن يسأل عن كل أمر عن نجاسته وطهارته فإن في الدين سعة ( قلت : وإذا كان الغدير عظيما فولوغ السباع لا يفسده اتفاقا فلا حجة فيه لهم ما لم يثبت كون الغدير صغيرا )
    ( 15 ) الجملة صفة مبينة لمعنى العظم
    ( 16 ) بصيغة الخطاب العام وما بعده مفعول أو بصيغة المجهول وما بعده فاعل
    ( 17 ) أي : جانبا
    ( 18 ) قوله : لم يفسد أي : لم ينجسه شيء من النجاسات الواقعة فيه لأنه كالماء الجاري لعدم وصول النجاسة من جانب وقع فيه إلى جانب آخر فيجوز الوضوء من الجانب الآخر ووسع متأخرو أصحابنا فجوزوا الوضوء من كل جوانبه إلحاقا له بالجاري
    ( 19 ) بفتحتين أي : عين النجاسة
    ( 20 ) قوله : أو طعم وكذا لون لحديث : " الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه " أخرجه الدارقطني والطحاوي وغيرهما من طريق راشد بن سعد مرسلا فإن هذا الحديث محمول عند أصحابنا على الماء الجاري أو ما في حكمه
    ( 21 ) أي : شربت منه بلسانها
    ( 22 ) قوله : لا يتوضأ منه لاختلاط النجاسة به وقد قال الله تعالى : { ويحرم عليهم الخبائث } ( الأعراف : آية 157 ) والنجاسة من الخبائث ولم يفرق بين حالتي انفرادها واختلاطها فوجب تحريم استعمال كل ما تيقنا فيه اختلاط النجاسة وورد في السنة : " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه " ومعلوم أن البول في الماء الكثير لا يغير طعمه ولونه وريحه كذا في " البحر الرائق "
    ( 23 ) في نسخة " ألا ترى "
    ( 24 ) قوله : ألا يرى ... إلخ سند لعدم جواز التوضؤ من الحوض الصغير عند وقوع النجاسة فيه بأن عمر منع صاحب الحوض عن الإخبار لئلا يشكل عليه الأمر وما ذلك إلا لأنه لو أخبر به للزمه ( في الأصل : " لزمه " والظاهر " للزمه " ) تركه
    ( 25 ) أي : عن الإخبار
    ( 26 ) قوله : قول أبي حنيفة المذاهب في هذا الباب خمسة عشر :
    الأول : مذهب الظاهرية : أن الماء لا يتنجس مطلقا وإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه لحديث : " الماء طهور لا ينجسه شيء " . أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم
    والثاني : مذهب المالكية : أنه لا يتنجس إلا ما تغير لونه أو طعمه أو ريحه لما مر من حديث فيه الاستثناء
    والثالث : مذهب الشافعية : أنه إن كان قلتين لا يتنجس وإلا يتنجس لحديث : إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث . أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما
    هذه ثلاثة مذهب والباقية لأصحابنا
    الأول : ما ذكره محمد ههنا وهو التحديد بالتحريك وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه القدماء وغلط من نسب إليه غيره
    والثاني : التحديد بالكدرة
    والثالث : التحديد بالصبغ
    والرابع : التحديد بالسبع في السبع
    والخامس : التحديد بالثمانية في الثمانية
    والسادس : عشرين في عشرين
    والسابع : العشر في العشر وهو مذهب جمهور أصحابنا المتأخرين
    والثامن : خمسة عشر في خمسة عشر
    والتاسع : اثنا عشر في اثنا عشر
    وفي المذهب الأول ثلاث روايات : التحريك باليد والتحريك بالغسل والتحريك بالوضوء
    فالمجموع اثنا عشر مذهبا لأصحابنا فإذا ضممته إلى ما تقدم صار المجموع خمسة عشر ولقد خضت في بحار هذه المباحث وطالعت لتحقيقها كتب أصحابنا المبسوطة وكتب غيرهم المعتمدة فوضع لنا ما هو الأرجح منها وهو الثاني ثم الثالث ثم الرباع وهو مذهب قدماء أصحابنا وأئمتنا والباقية مذاهب ضعيفة وقد أشبعنا الكلام فيها في السعاية ( ص 280 )

    12 - ( باب الوضوء بماء البحر ) ( 1 )
    46 - أخبرنا مالك حدثنا صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة بن ( 2 ) الأزرق عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة ( 3 ) : أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : إنا نركب البحر ( 4 ) ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا ( 5 ) ( 6 ) أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : هو ( 7 ) الطهور ( 8 ) ماؤه الحلال ميتته ( 9 )
    قال محمد : وبهذا نأخذ : ماء البحر طهور كغيره ( 10 ) من المياه وهو قول أبي حنيفة رحمه الله والعامة ( 11 )
    _________
    ( 1 ) قوله : بماء البحر قد جاء عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو كراهة الوضوء بماء البحر وليس فيه لأحد حجة مع خلاف السنة وقد روى قتادة عن موسى بن سلمة الهذلي : سألت ابن عباس عن الوضوء بماء البحر قال : هما البحران لا تبالي بأيهما توضأت . كذا في " الاستذكار "
    ( 2 ) في نسخة آل بني
    ( 3 ) قوله : عن أبي هريرة هذا الحديث أخرجه الشافعي من طريق مالك وأصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم والدارقطني والبيهقي وصححه البخاري وتعقبه ابن عبد البر بأنه لو كان صحيحا لأخرجه في صحيحه ورده ابن دقيق العيد وغيره بأنه لم يلتزم استيعاب كل الصحيح ثم حكم ابن عبد البر بصحته لتلقي العلماء له بالقبول . فقبله من حيث المعنى ورده من حيث الإسناد وقد حكم بصحة جملة من الأحاديث التي لا تبلغ درجة هذا ورحج ابن منده صحته وصححه الضياء وابن المنذر والبغوي ومداره على صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة . قال الشافعي : في إسناده من لا أعرفه قال البيهقي : يحتمل أنه يريد سعيدا أو المغيرة أو كليهما مع أنه لم يتفرد به سعيد فقد رواه عن المغيرة يحيى بن سعيد الأنصاري إلا أنه اختلف عليه فرواه ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن رجل من العرب يقال له المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة أن ناسا من بني مدلج أتوا النبي صلى الله عليه و سلم فذكره وقيل : عنه عن المغيرة عن رجل من بني مدلج وقيل : عنه عن المغيرة عن أبيه وقيل : عنه عن المغيرة بن عبد الله أو عبد الله بن المغيرة وقيل عنه عن عبد الله بن المغيرة عن أبيه عن رجل من بني مدلج اسمه عبد الله وقيل عنه عن المغيرة عن عبد الله بن المغيرة عن أبي بردة مرفوعا وقيل : عنه عن المغيرة عن عبد الله المدلجي ذكر هذا كله الدراقطني وقال : أشبهها بالصواب قول مالك فأما المغيرة فقد روى عن أبي داود أنه قال : المغيرة عن أبي بردة معروف وقال ابن عبد البر : وجدت اسمه في مغازي موسى بن نصير ووثقه النسائي فمن قال : إنه مجهول لا يعرف فقد غلط . واما سعيد بن سلمة - بفتحتين - فقد تابع صفوان على روايته له عنه أبو كثير الجلاح رواه عنه الليث بن سعد وعمرو بن الحارث وغيرهما ومن طريق الليث رواه أحمد والحاكم والبيهقي وسياقه أتم واختلف في اسم السائل في هذا الحديث فوقع في بعض الطرق التي ذكرها الدارقطني أن اسمه عبد الله المدلجي وأورده الطبراني في من اسمه عبد وتبعه أبو موسى فقال : اسمه عبد بن زمعة البلوي وقال ابن منيع : بلغني أن اسمه عبد وقيل : عبيد - مصغرا - وقال السمعاني في الأنساب إن اسمه العركي وهو غلط فإنما العركي وصف له وهو ملاح السفينة وقال البغوي : اسمه حميد بن صخر . هذا ملخص ما في : " التلخيص الحبير ( في الأصل : " تلخيص الحبير " وهو تحريف ) في تخريج أحاديث شرح الرافعي الكبير " للحافظ ابن حجر العسقلاني . وفي " إسعاف المبطأ " : صفوان بن سليم - بالضم - المدني الزهري مولاهم الفقيه روى عن مولاه حميد بن عبد الرحمن بن عوف وابن عمر وأنس وجماعة وعنه مالك وزيد بن أسلم ومحمد بن المنكدر والليث والسفيانان قال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث عابدا وقال : هو رجل يستشفى بحديثه وينزل القطر من السماء بذكره مات سنة 184 هـ وسعيد بن سلمة - بفتحتين - المخزومي روى عنه صفوان والجلاح وثقه النسائي والمغيرة بن أبي بردة حجازي من بني عبد الدار وثقه النسائي . انتهى . وقال الترمذي في جامعه : سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال : صحيح فقلت . إن هشيما يقول : فيه المغيرة بن برزة - أي : بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة ثم زاي معجمة - فقال : وهم فيه إنما هو المغيرة بن أبي بردة - أي بضم الباء وسكون الراء المهلمة بعدها دال مهملة . انتهى . وفي الإكمال : سئل أبو زرعة عن اسم والد المغيرة فقال : لا أعرفه . انتهى . وفي " الإلمام بأحاديث الأحكام " لابن دقيق العيد : ذكرنا في كتاب " الإمام " وجوه التعليل التي يعلل بها هذا الحديث وحاصلها راجع إلى الاضطراب في الإسناد . والاختلاف في بعض الرواة ودعوى الجهالة في سعيد بن سلمة لكونه لم يرو عنه إلا صفوان فيما زعم بعضهم وفي المغيرة بن أبي بردة وأيضا فمن العلل الاختلاف في الإسناد والإرسال . ويقدم الأحفظ المرسل على المسند الأقل حفظا
    وهذا الأخير إذا ثبتت عدالة المسند غير قادح على المختار عند أهل الأصول وأما الجهالة المذكورة في سعيد فقد قدمنا من كلام ابن منده ما يقتضي رواية الجلاح عنه مع صفوان وذلك - على المشهور عند المحدثين - يرفع الجهالة عن الراوي وأما المغيرة فقد ذكرنا من كلام ابن منده أيضا موافقة يحيى بن سعيد لسعيد بن سلمة في الرواية عن المغيرة أيضا ووقع لنا ثالث يروي عن المغيرة وهو يزيد بن يحيى القرشي وأما الاختلاف والاضطراب فقد ذكرنا ما قيل في الجواب عنه في " الإمام "
    ( 4 ) الملح لأنه المتوهم فيه لأنه مالح وريحه منتن
    ( 5 ) بكسر الطاء
    ( 6 ) أي : نحن ورفقاؤنا
    ( 7 ) قوله : هو الطهور ... إلخ كذا أخرجه النسائي والترمذي وأبو داود وابن ماجة وابن حبان وفي رواية الدارمي في سننه من حديثه : أتى رجال من بني مدلج فقالوا : يا رسول الله إنا أصحاب هذا البحر نعالج الصيد على رمث فنغرب فيه الليلة والليلتين والثلاث والأربع ونحمل معنا من العذب لشفاهنا فإن نحن توضأنا خشينا على أنفسنا وإن نحن آثرنا بأنفسنا وتوضأنا من البحر وجدنا في أنفسنا من ذلك فقال : " توضؤوا منه فإنه الطاهر ماؤه الحلال ميتته " أخرج نحوه ابن ماجة والحاكم وابن حبان والدارقطني وأحمد وأبو نعيم من حديث جابر والحاكم من حديث علي وعبد الرزاق من حديث أنس والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس وابن عبد البر من حديث الفراسي والدارقطني والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو وابن حبان والدارقطني من حديث أبي بكر
    ( 8 ) أي : الطاهر في ذاته المطهر لغيره
    ( 9 ) قوله : الحلال ميتته قال الرافعي : لما عرف النبي صلى الله عليه و سلم اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه حكم ميتته وقد يبتلى بها راكب البحر فعقب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتة كذا في " التنوير "
    ( 10 ) قوله : كغيره من المياه من ماء السماء والثلج والبرد وغير ذلك وأما كراهة التوضؤ به كما هو منقول عن ابن عمر وابن عمرو فليس لأمر في طهارته بل لأن تحت البحر نارا البحار تسجر يوم القيامة نارا كما ذكره عبد الوهاب الشعراني في " اليواقيت "
    ( 11 ) أي : عامة العلماء

    13 - ( باب المسح ( 1 ) على الخفين )
    47 - أخبرنا مالك أخبرنا ابن شهاب الزهري عن عباد بن زياد ( 2 ) من ولد ( 3 ) المغيرة ( 4 ) بن شعبة : أن النبي صلى الله عليه و سلم ذهب لحاجته ( 5 ) في غزوة تبوك ( 6 ) قال ( 7 ) : فذهبت معه بماء ( 8 ) قال : فجاء النبي صلى الله عليه و سلم ( 9 ) فسكبت ( 10 ) عليه ( 11 ) قال : فغسل وجهه ثم ذهب يخرج ( 12 ) يديه فلم يستطع ( 13 ) من ضيق كمي ( 14 ) جبته ( 15 ) فأخرجهما ( 16 ) من تحت ( 17 ) جبته فغسل يديه ومسح برأسه ( 18 ) ومسح على الخفين ثم جاء ( 19 ) رسول الله صلى الله عليه و سلم وعبد الرحمن بن عوف يؤمهم ( 20 ) قد صلى بهم سجدة ( 21 ) فصلى معهم ( 22 ) رسول الله صلى الله عليه و سلم ( 23 ) ثم صلى الركعة ( 24 ) التي بقيت ففزع الناس ( 25 ) له ثم قال لهم : قد أحسنتم ( 26 )
    _________
    ( 1 ) قوله : المسح على الخفين نقل ابن المنذر عن ابن المبارك : ليس في مسح الخفين عن الصحابة اختلاف فإن كل من روي عنه إنكاره روي عنه إثباته وقال ابن عبد البر : لا أعلم أحدا أنكره إلا مالكا في رواية أنكرها أكثر أصحابه والروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته وموطؤه يشهد للمسح وعليها جمع أصحابه وجميع أهل السنة كذا قال الزرقاني
    ( 2 ) أبو حرب وثقه ابن حبان ولاه معاوية سجستان ومات سنة 100 هـ كذا في " الإسعاف "
    ( 3 ) قوله : من ولد ... إلخ وهم من مالك وإنما هو مولى المغيرة قاله الشافعي ومصعب الزبيري وأبو حاتم والدار قطني وابن عبد البر قال : وانفرد يحيى وعبد الرحمن بن مهدي بوهم ثان فقالا " عن أبيه " ولم يقله من رواة الموطأ غيرهما . وإنما يقولون عن المغيرة بن شعبة ثم هو منقطع فعباد لم يسمع المغيرة ولا رآه وإنما يرويه الزهري عن عباد عن عروة حمزة ابني المغيرة عن المغيرة وربما حدث الزهري عن عرو وحده . قال الدارقطني : فوهم مالك في إسناده في موضعين أحدهما قوله عباد من ولد المغيرة والثاني إسقاطه عروة وحمزة كذا في " تنوير الحوالك "
    وههنا وهم آخر من صاحب هذا الكتاب أو من نساخه وهو إسقاط المغيرة بن شعبة فإن هذا الحديث معروف من حديثه ومروي كذلك في جميع كتب الحديث ونسخ هذا الكتاب على ما رأينا ست نسخ والسابعة التي عليها شرح القاري ليس فيها ذكر المغيرة بل عبارتها عن عباد بن زيد من ولد المغيرة : أن النبي صلى الله عليه و سلم ... . الحديث مع أن نفس عبارة الحديث تشهد بأن القصة مع صحابي لا مع عباد كما يستفاد بسبب سقوط ذكر المغيرة
    ( 4 ) قوله : المغيرة : هو ابن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب الثقفي يكنى أبا عبد الله أو أبا عيسى أسلم عام الخندق وقدم مهاجرا وقيل : أول مشاهده الخندق توفي سنة خمسين بالكوفة كذا في " الاستيعاب "
    ( 5 ) أي : لقضاء حاجة الإنسان
    ( 6 ) قوله : في غزوة تبوك زاد مسلم وأبو داود " قبل الفجر " وكانت غزوة تبوك سنة تسع من الهجرة وهي آخر غزواته صلى الله عليه و سلم وهي من أطراف الشام المقاربة للمدينة وقيل : سميت بذلك لأنه عليه السلام رأى أصحابه يبوكون عين تبوك أي يدخلون فيها القدح ويحركون ليخرج الماء فقال : ما زلتم تبوكونها بوكا
    ( 7 ) أي : الراوي وهو المغيرة
    ( 8 ) قوله : بماء وللبخاري في الجهاد : أنه صلى الله عليه و سلم هو الذي أمره أن يتبعه بالإداوة وأنه انطلق حتى توارى عني فقضى حاجته ثم أقبل فتوضأ وعند أحمد عن المغيرة أن الماء الذي توضأ به أخذه المغيرة من أعرابية من قربة كانت جلد ميتة وأن النبي صلى الله عليه و سلم قال له : سلها إن كانت دبغتها فهو طهورها وأنها قالت : والله دبغتها كذا في " ضياء الساري " شرح " صحيح البخاري " لعبد الله بن سالم البصري المكي
    ( 9 ) بعد قضاء حاجته
    ( 10 ) سكب الماء يسكبه : صبه
    ( 11 ) فيه جواز الاستعانة في الوضوء
    ( 12 ) أي : من كميه
    ( 13 ) قوله : فلم يستطع فيه لبس الضيق من الثياب بل ينبغي أن يكون ذلك في الغزو مستحبا لما في ذلك من التأهب والتأسي برسول الله صلى الله عليه و سلم في لباسه مثل ذلك في السفر وليس به بأس في الحضر وفيه أن العمل الذي لا طول فيه جائز في أثناء الوضوء ولا يلزم من ذلك استئناف الوضوء
    ( 14 ) بضم الكاف
    ( 15 ) هي ما قطع من الثياب مشمرا
    ( 16 ) زاد مسلم : وألقى الجبة على منكبيه
    ( 17 ) أي : من داخلها من طرف الذيل
    ( 18 ) في رواية مسلم : بناصيته
    ( 19 ) قوله : جاء لابن سعد : فأسفر الناس بصلاتهم حتى خافوا الشمس فقدموا عبد الرحمن
    ( 20 ) قوله : يؤمهم فيه أنه إذا خيف فوت وقت الصلاة أو فوت الوقت المختار لم ينتظر الإمام وإن كان فاضلا جدا وقد احتج الشافعي بأن أول الوقت أفضل بهذا الحديث
    ( 21 ) أي : ركعة زاد مسلم وأبو داود : " من صلاة الفجر "
    ( 22 ) زاد مسلم وأبو داود وراء عبد الرحمن بن عوف . قوله : فصلى معهم أخرج ابن سعد في " الطبقات " بسند صحيح عن المغيرة أنه سئل : هل أم النبي صلى الله عليه و سلم أحد من الأمة غير أبي بكر قال : نعم كنا في سفر فلما كان من السحر انطلق وانطلقت معه حتى تبرزنا عن الناس . فنزل عن راحلته فتغيب عني حتى ما أراه فمكث طويلا ثم جاء فصببت عليه فتوضأ ومسح على خفيه ثم ركبنا فأدركنا الناس وقد أقيمت الصلاة فتقدمهم عبد الرحمن بن عوف وقد صلى ركعة وهم في الثانية فذهبت أوذنه فيها فنهاني فصلينا الركعة التي أدركنا وقضينا التي سبقنا فقال النبي صلى الله عليه و سلم حين صلى خلف عبد الرحمن : " ماقبض نبي قط حتى يصلي خلف رجل صالح من أمته " كذا في " التنوير "
    ( 23 ) فيه جواز صلاة الفاضل خلف المفضول
    ( 24 ) قوله : ثم صلى الركعة ... إلخ كان فعله هذا كقوله : " إنما الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه "
    ( 25 ) قوله : ففزع الناس لسبقهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالصلاة وأكثروا التسبيح رجاء أن يشير إليهم ( في الأصل : " بهم " وهو خطأ ) هل يعيدونها أم لا
    ( 26 ) فيه دليل على أنه ينبغي أن يحمد ويشكر كل من بدر إلى أداء فرضه

    48 - أخبرنا مالك : حدثنا سعيد ( 1 ) بن عبد الرحمن بن رقيش ( 2 ) أنه قال : رأيت أنس ( 3 ) بن مالك أتى قباء فبال ثم أتى بماء فتوضأ فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه ثم مسح على الخفين ( 4 ) ثم صلى
    _________
    ( 1 ) الأشعري المدني ثقة من صغار التابعين قاله الزرقاني
    ( 2 ) بضم الراء وبالقاف والشين
    ( 3 ) قوله : رأيت ... إلخ لم يرو عن أحد من الصحابة إنكار المسح على الخفين إلا عن ابن عباس وأبي هريرة وعائشة أما ابن عباس وأبو هريرة فقد جاء عنهما بالأحاديث الحسان خلاف ذلك وموافقة سائر الصحابة ولا أعلم أحدا من الصحابة جاء عنه إنكار المسح على الخفين ممن لم يختلف عنه فيه إلا عائشة ( ولا يثبت عنها أيضا . انظر ( معارف السنن 1 / 332 ) . وقال القاري في ( المرقاة 2 / 78 ) : أما عائشة ففي صحيح مسلم أنها أحالت ذلك على علم علي رضي الله عنه . وفي رواية قالت - وسئلت عنه أعني المسح - : مالي بهذا علم ) كذا في " الاستذكار "
    ( 4 ) في الاستدلال بفعل الصحابة بعده عليه السلام إيماء إلى أن المسح على الخفين ليس من منسوخ الأحكام

    49 - أخبرنا مالك حدثنا نافع وعبد الله بن دينار ( 1 ) : أن عبد الله بن عمر قدم الكوفة على سعد ( 2 ) بن أبي وقاص ( 3 ) وهو أميرها ( 4 ) فرآه عبد الله وهو يمسح على الخفين فأنكر ( 5 ) ذلك عليه فقال له : سل أباك إذا قدمت ( 6 ) عليه فنسي عبد الله أن يسأله حتى قدم ( 7 ) سعد فقال ( 8 ) : أسألت أباك ؟ فقال : لا ( 9 ) فسأله عبد الله فقال ( 10 ) : إذا أدخلت ( 11 ) رجليك في الخفين وهما ( 12 ) طاهرتان ( 13 ) فامسح عليهما قال عبد الله ( 14 ) : وإن جاء أحد من الغائط ( 15 ) ؟ قال : وإن جاء أحدكم من الغائط
    _________
    ( 1 ) أبو عبد الرحمن المدني مولى عبد الله بن عمر وثقه أحمد مات سنة 127 هـ كذا في " الإسعاف "
    ( 2 ) أبو إسحاق أحد العشرة المبشرة مات سنة خمس وخمسين وقيل سنة ست وقيل : سبع وقيل : ثمان وقيل أربع
    ( 3 ) مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب
    ( 4 ) من قبل عمر
    ( 5 ) قوله : فأنكر ذلك عليه فيه أن الصحابي القديم الصحبة قد يخفى عليه من الأمور الجلية في الشرع ما يطلع عليه غيره لأن ابن عمر أنكر المسح على الخفين مع قدم صحبته وكثرة روايته قال الحافظ : ويحتمل أن يكون ابن عمر إنما أنكر المسح في الحضر لا في السفر ومع ذلك فالفائدة بحالها زاد القسطلاني : وأما السفر فقد كان ابن عمر يعلمه كما رواه ابن أبي خيثمة في " تاريخه الكبير " وابن أبي شيبة في " مصنفه " من رواية عاصم عن سالم عنه : رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يمسح على الخفين في السفر كذا في " ضياء الساري "
    ( 6 ) المدينة
    ( 7 ) أي : المدينة
    ( 8 ) لابن عمر
    ( 9 ) قوله : فقال لا وفي رواية لأحمد من وجه آخر : فلما اجتمعنا عند عمر قال لي سعد : سل أباك
    ( 10 ) ولابن خزيمة فقال عمر : كنا ونحن مع نبينا صلى الله عليه و سلم نمسح على خفافنا لا نرى بذلك بأسا
    ( 11 ) قوله : إذا أدخلت ... إلخ قد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه و سلم من حديث الشعبي عن عروة بن المغيرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه و سلم رواه عن الشعبي يونس وابن أبي إسحاق وزكريا بن أبي زائدة وقال الشعبي : شهد لي عروة على أبيه وشهد أبوه على النبي صلى الله عليه و سلم وأجمع الفقهاء على أنه لا يجوز المسح على الخفين إلا لمن لبسهما على طهارة إلا أنهم اختلفوا في من قدم في وضوئه غسل رجليه ولبس خفيه ثم أتم وضوءه هل يمسح عليهما أم لا وهذا إنما يصح على قول من أجاز تقديم أعضاء الوضوء بعضهما على بعض ولم يوجب النسق ولا الترتيب كذا في " الاستذكار "
    ( 12 ) قوله : وهما طاهرتان استدل الشافعية على اشتراط اللبس على طهارة كاملة بأحاديث منها ما في الصحيحين من حديث المغيرة " دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين " . ومحل الخلاف يظهر في مسألتين : إحداهما : إذا أحدث ثم غسل رجليه ثم لبس الخفين ثم مسح عليهما ثم أكمل وضوءه . الثانية : إذا أحدث ثم توضأ فلما غسل إحدى رجليه لبس عليها الخف ثم غسل الأخرى ثم لبس الخف فإن هذا المسح جائز عندنا في الصورتين خلافا لهم وهم يطلقون النقل عن مذهبنا ويقولون : الحنفية لا يشترطون كمال الطهارة في المسح كذا في " نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية " للزيلعي رحمه الله
    ( 13 ) أي : عند وجود الحدث بعد المسح
    ( 14 ) قوله : قال عبد الله وإن جاء أحدنا ... إلخ وفي البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عمر عن سعد : أن النبي صلى الله عليه و سلم مسح على الخفين وابن عمر سأل أباه عن ذلك فقال : نعم إذا حدثك شيئا سعد عن النبي صلى الله عليه و سلم فلا تسأل عنه غيره
    ( 15 ) قوله : من الغائط الغوط عمق الأرض الأبعد ومنه قيل للمطمئن من الأرض غائط ومنه قيل لموضع قضاء الحاجة الغائط لأن العادة أن تقضى في المنخفض من الأرض حيث هو أستر له ثم اتسع فيه حتى صار يطلق على النجو نفسه وقد تكرر في الحديث بمعنى الحدث والمكان كذا في " النهاية "

    50 - أخبرنا مالك أخبرني نافع : أن ابن عمر بال بالسوق ( 1 ) ( 2 ) ثم توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ثم دع

    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    رد: كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 12:42 pm

    - ( باب الاغتسال من الجنابة )

    54 - أخبرنا مالك حدثنا نافع : أن ابن عمر كان إذا اغتسل من الجنابة أفرغ ( 1 ) على يده اليمنى فغسلها ثم غسل فرجه ( 2 ) ومضمض ( 3 ) واستنشق وغسل وجهه ونضح ( 4 ) في عينيه ثم غسل يده اليمنى ثم اليسرى ثم غسل رأسه ثم اغتسل و ( 5 ) أفاض الماء على جلده
    قال محمد : وبهذا ( 6 ) كله نأخذ إلا النضح في العينين فإن ذلك ليس بواجب ( 7 ) على الناس في الجنابة وهو قول أبي حنيفة ومالك بن أنس والعامة
    _________
    ( 1 ) أي صب الماء
    ( 2 ) بشماله
    ( 3 ) بيمينه
    ( 4 ) قوله : ونضح أي رش في عينيه هذا شيء لم يتابع عليه لأن الذي عليه غسل ما ظهر لا ما بطن وله رحمه الله شدائد شذ فيها حمله الورع عليها وفي أكثر الموطآت : سئل مالك عن نضح ابن عمر الماء في عينيه ؟ فقال : ليس على ذلك العمل عندنا كذا في " الاستذكار "
    ( 5 ) عطف تفسير
    ( 6 ) قوله : وبهذا كله نأخذ أي بما أفاده هذا الحديث من الأفعال فبعضها فرائض عندنا كالمضمضة والاستنشاق وغسل سائر البدن وباقيها من تقديم غسل اليدين وتعقيبه بغسل الفرج وإن لم يكن عليه نجاسة والتوضئ غير ذلك سنن
    ( 7 ) قوله : ليس بواجب بل ليس بسنة أيضا ( قال الطحطاوي على " المراقي " : ولا يجب إيصال الماء إلى باطن العينين ولو في الغسل للضرر هذه العلة تنتج الحرمة وبه صرح بعضهم وقالوا : لا يجب غسلها من كحل نجس ولو أعمى لأنه مضر مطلقا وفي ابن أمير الحاج : يجب إيصال الماء إلى أهداب العينين وموقيهما . قلت : وما يخطر في البال - والله أعلم - أن ابن عمر رضي الله عنه استنبطه من قوله صلى الله عليه و سلم : " أشربوا الماء أعينكم " . أخرجه الدارقطني بسند ضعيف كما ذكره ابن رسلان وكأن معنى قوله صلى الله عليه و سلم عند العامة هو تعاهد الماقين لكن ابن عمر رضي الله عنه حمله على ظاهره فكان ينضح في عينيه فتأمل وتشكر ( أوجز المسالك 1 / 283 ) )

    16 - ( باب الرجل تصيبه ( 1 ) الجنابة من الليل )
    55 - أخبرنا مالك أخبرنا عبد الله ( 2 ) بن دينار ( 3 ) عن ابن عمر أن عمر ( 4 ) رضي الله عنه ذكر لرسول الله صلى الله عليه و سلم أنه ( 5 ) تصيبه الجنابة من الليل قال : توضأ ( 6 ) واغسل ذكرك ( 7 ) ونم
    قال محمد : وإن لم يوضأ ولم يغسل ذكره حتى ينام فلا بأس ( 8 ) بذلك أيضا
    _________
    ( 1 ) بالاحتلام أو غيره
    ( 2 ) مولى عبد الله بن عمر
    ( 3 ) قوله : عبد الله بن دينار هكذا رواه مالك في الموطأ باتفاق من روات الموطأ ورواه خارج الموطأ عن نافع بدل عبد الله بن دينار قال أبو علي : والحديث لمالك عنهما جميعا وقال ابن عبد البر : الحديث لمالك عنهما جميعا لكن المحفوظ عن عبد الله بن دينار وحديث نافع غريب . انتهى . وقد رواه عنه كذلك خمسة أو ستة فلا غرابة وإن ساقه الدارقطني فمراده خارج الموطأ فهي غرابة خاصة بالنسبة إلى رواية الموطأ كذا في " الفتح "
    ( 4 ) قوله : أن عمر ذكر مقتضاه أنه من مسند ابن عمر كما هو عند أكثر الرواة ورواه أبو نوح عن مالك فزاد فيه عن عمر وقد بين النسائي سبب ذلك في روايته من طريق ابن عون عن نافع قال : أصاب ابن عمر جنابة فأتى عمر فذكر ذلك له . فأتى عمر النبي صلى الله عليه و سلم فاستأمره فقال : " ليتوضأ ويرقد " وعلى هذا فالضمير في قوله في حديث الباب " أنه يصيبه " يعود إلى ابن عمر لا على عمر وقوله في الجواب " توضأ " يحتمل أن يكون ابن عمر حاضرا فوجه الخطاب إليه كذا قال الزرقاني
    ( 5 ) روى ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابي : إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ فإنه نصف غسل الجنابة كذا في " الفتح "
    ( 6 ) قوله : توضأ قال ابن الجوزي : الحكمة فيه أن الملائكة تبتعد عن الوسخ والريح الكريهة وأن الشياطين تقرب من ذلك
    وقال النووي : اختلف في حكمة هذا الوضوء فقال أصحابنا : لأنه يخفف الحدث وقيل : لعله أن ينشط إلى الغسل إذا بل أعضاءه وقيل : ليبيت على إحدى الطهارتين خشية أن يموت في منامه وأخرج الطبراني في " الكبير " بسند لا بأس به عن ميمونة بنت سعد قلت : يا رسول الله هل يأكل أحدنا وهو جنب ؟ قال : لا حتى يتوضأ قلت : هل يرقد الجنب ؟ قال : ما أحب أن يرقد وهو جنب حتى يتوضأ فإني أخشى أن يتوفى فلا يحضره جبريل . وقال الباجي : لا يبطل هذا الوضوء ببول ولا غائط قلت : يخرج من هذا لغز لطيف فيقال : لنا وضوء لا يبطله الحدث وإنما يبطله الجماع . كذا في " التنوير "
    ( 7 ) قوله : اغسل ذكرك في رواية أبي نوح : ذكرك ثم توضأ ثم نم وهو يرد على من حمله على ظاهره فقال : يجوز تقديم الوضوء على غسل الذكر لأنه ليس بوضوء ينقض بالحدث وإنما هو للتعبد إذ الجنابة أشد من مس الذكر وقال ابن دقيق العيد : جاء الحديث بصيغة الأمر وجاء بصيغة الشرط وهو متمسك لمن قال بوجوبه وقال ابن عبد البر : ذهب الجمهور إلى أنه للاستحباب وذهب أهل الظاهر إلى إيجابه وهو شذوذ وقال ابن العربي : قال مالك والشافعي : لا يجوز للجنب أن ينام قبل أن يتوضأ واستنكر بعض المتأخرين هذا النقل وقال : لم يقل الشافعي بوجوبه ولا يعرف ذلك أصحابه وهو كما قال لكن كلام ابن العربي محمول على أنه أراد نفي الإباحة المستوية الطرفين لا إثبات الوجوب أو أراد وجوب سنة أي متأكد الاستحباب ونقل الطحاوي عن أبي يوسف أنه ذهب إلى عدم الاستحباب وتمسك بما رواه أبو إسحاق السبيعي عن الأسود عن عائشة أنه عليه السلام كان يجنب ثم ينام ولا يمس ماء رواه أبو داود وغيره وتعقب بأن الحفاظ قالوا : إن أبا إسحاق غلط فيه وبأنه لو صح حمل على أنه ترك الوضوء لبيان الجواز لئلا يعتمد وجوبه أو أن معنى قولها ( في الأصل : " قوله " وهو تحريف ) : " لم يمس ماء " أي للغسل وأورد الطحاوي ما يدل على ذلك ثم جنح الطحاوي إلى أن المراد بالوضوء التنظيف واحتج بأن ابن عمر راوي الحديث : كان يتوضأ وهو جنب ولا يغسل رجليه كما رواه مالك في الموطأ عن نافع . وأجيب بأنه ثبت تقييد الوضوء بالصلاة من رواية عائشة فيعتمد ويحمل ترك ابن عمر غسل رجليه على أنه كان لعذر . وقال جمهور العلماء : المراد بالوضوء ههنا الوضوء الشرعي كذا في " الفتح "
    ( 8 ) قوله : فلا بأس بذلك أيضا يشير إلى أنه ليس بضروري حتى لو ترك لزمه إثم بل هو أمر مستحب من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج وهذا هو قول الثوري كما قال ابن عبد البر . قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري : لا بأس أن ينام الجنب على غير وضوء وأحب إليهم أن يتوضأ وقال الليث : لا ينام الجنب حتى يتوضأ رجلا كان أو امرأة ولا أعلم أحدا أوجبه إلا طائفة من أهل الظاهر وسائر الفقهاء لا يوجبونه وأكثرهم يأمرون به ويستحبونه وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وجماعة من الصحابة والتابعين . انتهى ملخصا . فظهر من ههنا أنه لا خلاف في هذه المسألة بين أصحابنا وبين الشافعية وغيرهم ما عدا الظاهرية إلا أن يكون الاستحباب عندهم متأكدا وعند أصحابنا غير متأكد

    56 - قال محمد : أخبرنا أبو حنيفة عن أبي إسحاق السبيعي ( 1 ) عن الأسود ( 2 ) بن يزيد عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصيب ( 3 ) من أهله ثم ينام ولا يمس ماء ( 4 ) فإن استيقظ من آخر الليل عاد ( 5 ) واغتسل
    قال محمد : هذا الحديث أرفق بالناس ( 6 ) وهو قول أبي حنيفة رحمه الله
    _________
    ( 1 ) قوله : عن أبي إسحاق السبيعي هو عمرو بن عبد الله بن عبيد ويقال علي السبيعي نسبه إلى سبيع بالفتح قبيلة من همدان الكوفي ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان وروى عن علي بن أبي طالب والمغيرة بن شعبة وقد رآهما ولم يسمع منهما وعن سليمان بن صرد وزيد بن أرقم والبراء بن عازب وجابر بن سمرة والنعمان بن بشير والأسود بن يزيد النخعي وأخيه عبد الرحمن بن يزيد وابنه عبد الرحمن بن الأسود وسعيد بن جبير والحارث الأعور وغيرهم وعنه ابنه يونس وابن ابنه إسرائيل بن يونس وابن ابنه الآخر يوسف بن اسحق وقتادة وسليمان التيمي ومسعر والثوري وسفيان بن عيينة وآخرون قال أحمد وابن معين والنسائي والعجلي وأبو حاتم : ثقة وله مناقب جمة مبسوطة في " تهذيب التهذيب " وكانت وفاته سنة 128 هـ أو سنة 129 هـ أو سنة 126 هـ أو سنة 127 هـ قاله غير واحد
    ( 2 ) قوله : عن الأسود بن يزيد هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي . نسبة إلى نخع قبيلة بالكوفة روى عن أبي بكر وعمر وحذيفة وبلال وعائشة وأبي محذورة وأبي موسى وابن مسعود وكان فقيها زاهدا مفتيا من أصحابه روى عنه أبو إسحاق السبيعي وإبراهيم النخعي وهو ابن أخته وأبو بردة بن أبي موسى وجماعة وثقه أحمد ويحيى وابن سعد والعجلي توفي بالكوفة سنة 75 هـ وقيل سنة 74 هـ قاله ابن أبي شيبة كذا في " تهذيب التهذيب "
    ( 3 ) أي يجامع
    ( 4 ) ولا يمس ماء ( في نسخة سقطت هذه العبارة ) قال يزيد بن هارون : هذا الحديث خطأ . وقال الترمذي : يريد أن قوله من غير أن يمس ماء خطأ من السبيعي . وقال البيهقي : طعن الحفاظ في هذه اللفظة وتوهموها مأخوة من غير الأسود وأن السبيعي دلس . قال البيهقي : وحديث السبيعي بهذه الزيادة صحيح من جهة الرواية لأنه بين سماعه من الأسود والمدلس إذا بين سماعه ممن روى عنه وكان ثقة فلا وجه لرده . قال النووي : فالحديث صحيح وجوابه من وجهين أحدهما : ما رواه البيهقي عن ابن شريح واستحسنه أن معناه لا يمس ماء للغسل والثاني : أن المراد كان يترك الوضوء في بعض الأحوال لبيان الجواز وهذا عندي حسن أو أحسن كذا في مرقاة الصعود إلى سنن أبي داود للسيوطي
    ( 5 ) إلى الوطء
    ( 6 ) لكن الحديث الأول أصح وأرجح

    17 - ( باب الاغتسال يوم الجمعة ) ( 1 )
    57 - أخبرنا مالك حدثنا نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إذا أتى ( 2 ) أحدكم ( 3 ) الجمعة ( 4 ) فليغتسل ( 5 )
    _________
    ( 1 ) بضم الجيم والميم لغة الحجاز وفتح الميم لغة تميم وإسكانها لغة عقيل
    ( 2 ) أي أراد أن يجيء كما في رواية الليث عن نافع عند مسلم : إذا أراد أحدكم أن يأتي
    ( 3 ) قوله : أحدكم بإضافة أحد إلى ضمير الجمع وذلك يعم الرجال والنساء والصبيان
    ( 4 ) قوله : الجمعة أي الصلاة أو المكان الذي تقام فيه وذكر المجيء لكونه الغالب وإلا فالحكم شامل لمن كان مقيما بالجامع
    ( 5 ) قوله : فليغتسل قال الحافظ ابن حجر : رواية نافع عن ابن عمر لهذا الحديث مشهور ( هكذا في الأصل : والصواب : " مشهورة " ) جدا قد اعتنى بتخريج طرقه أبو عوانة في صحيحه فساقه من طريق سبعين نفسا رووه عن نافع وقد تتبعت ما فاته وجمعت ما وقع لي من طرقه في جزء مفرد فبلغت أسماء من رواه عن نافع مائة وعشرون نفسا

    58 - أخبرنا مالك حدثنا صفوان ( 1 ) بن سليم ( 2 ) عن عطاء ( 3 ) بن يسار عن أبي سعيد ( 4 ) الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : غسل يوم الجمعة ( 5 ) واجب ( 6 ) على كل محتلم ( 7 )
    _________
    ( 1 ) المدني أبو عبد الله الزهري
    ( 2 ) بضم السين
    ( 3 ) قوله : عطاء بن يسار الهلالي أبو محمد المدني عن ابن مسعود وزيد وابن عمر وعنه أبو حنيفة وزيد بن أسلم وآخرون وثقه ابن معين وأبو زرعة والنسائي وغيرهم مات سنة أربع وتسعين وقيل سنة ثلاث ومائة كذا في " الإسعاف "
    ( 4 ) قوله : أبي سعيد اسمه سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة الأنصاري الخدري وخدره وخداره بطنان من الأنصار كان من الحفاظ المكثرين الفضلاء العقلاء مات سنة 74 هـ كذا في " الاستيعاب "
    ( 5 ) قوله : غسل يوم الجمعة ظاهر إضافته لليوم حجة لأن الغسل لليوم لا للجمعة وهو قول جماعة ومذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم أنه للصلاة لا لليوم وقد روى مسلم هذا الحديث بلفظ : " الغسل يوم الجمعة " وكذا رواه الشيخان من وجه آخر عن أبي سعيد قاله الزرقاني
    ( 6 ) قوله : واجب أي متأكد قال ابن عبد البر : ليس المراد أنه واجب فرضا بل هو مؤول أي واجب في السنة أو في المروءة أو في الأخلاق الجميلة كما تقول العرب : وجب حقك
    ( 7 ) قوله : محتلم أي بالغ وهو مجاز لأن الاحتلام يستلزم البلوغ والقرينة المانعة عن الحمل على الحقيقة أن الاحتلام إذا كان معه الإنزال موجب للغسل سواء كان يوم الجمعة أم لا كذا في " الكواكب الدراري "

    59 - أخبرنا مالك حدثنا الزهري عن ابن ( 1 ) السباق ( 2 ) : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ( 4 ) : يا معشر المسلمين ( 5 ) هذا يوم جعله الله تعالى ( 6 ) عيدا للمسلمين فاغتسلوا ( 7 ) ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه ( 8 ) وعليكم ( 9 ) بالسواك ( 10 ) ( 11 )
    _________
    ( 1 ) عبيد المدني الثقفي وثقه ابن حبان
    ( 2 ) بفتح السين المهملة وتشديد الموحدة
    ( 3 ) قوله : أن قال السيوطي : وصله ابن ماجه من طريق صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن ابن السباق عن ابن عباس به . واسم ابن السباق عبيد وهو من ثقات التابعين بالمدينة كذا قاله القاري
    ( 4 ) في جمعة من الجمع
    ( 5 ) قوله : يا معشر المسلمين قال النووي في شرح مسلم : المعشر الطائفة الذين يشملهم وصف فالشباب معشر والشيوخ معشر والنساء معشر والأنبياء معشر وكذا ما أشبهه
    ( 6 ) أي لهذه الأمة خاصة جزم به أبو سعد في " شرف المصطفى " وابن سراقة
    ( 7 ) قوله : فاغتسلوا الأمر عندنا محمول على الندب والفضل بدليل قول عائشة : كان الناس عمال أنفسهم وكانوا يشهدون الجمعة بهيآتهم فقيل لهم : لو اغتسلتم لئلا يؤذي بعضهم بعضا بريحه كذا في " الاستذكار "
    ( 8 ) قوله : أن يمس منه فيه استحباب مس الطيب لمن قدر عليه يوم الجمعة والعيدين وذلك مندوب إليه حسن مرغوب فيه وقد كان أبو هريرة يوجب الطيب ولعله وجوب سنة أو أدب كذا في " الاستذكار "
    ( 9 ) أي الزموه
    ( 10 ) قوله : وعليكم بالسواك العلماء كلهم يندبون إليه ويستحبونه وليس بواجب عندهم قال الشافعي : لو كان واجبا لأمرهم به شق أو لم يشق وقد قال : " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك "
    ( 11 ) قوله : بالسواك قال الرافعي في شرح المسند : السواك فيما حكى ابن دريد من قولهم : سكت الشيء إذا دلكته سوكا

    60 - أخبرنا مالك أخبرني المقبري ( 1 ) عن أبي هريرة أنه قال غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم كغسل الجنابة ( 2 )
    _________
    ( 1 ) قوله : المقبري هو بضم الموحدة وفتحها كان مجاورا للمقبرة فنسب إليها اختلط قبل موته بأربع سنين وكان سماع مالك ونحوه قبله قاله الزرقاني واسمه سعيد بن أبي سعيد كيسان المدني اتفقوا على توثيقه مات سنة ثلاث وعشرين ومائة كذا في " الإسعاف "
    ( 2 ) قوله : كغسل الجنابة قد حكى ابن المنذر عن أبي هريرة وعن عمار بن ياسر وغيرهما الوجوب الحقيقي وهو قول الظاهرية ورواية عن أحمد فلا يؤول قول أبي هريرة بأنه في الصفة لا في الوجوب لأنه مذهبه كذا قال الزرقاني

    61 - أخبرنا مالك أخبرني نافع : أن ابن عمر كان لا يروح ( 1 ) إلى الجمعة إلا اغتسل ( 2 )
    _________
    ( 1 ) أي لا يذهب
    ( 2 ) قوله : إلا اغتسل اقتداء بالنبي صلى الله عليه و سلم فإنه كان يغتسل يوم الجمعة والعيدين ويوم عرفة أخرجه أحمد والطبراني من حديث الفاكه ولأبي داود من حديث عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يغتسل من أربع : من الجنابة ويوم الجمعة ومن الحجامة ومن غسل الميت . وبهذه الأخبار ذهب محققو أصحابنا إلى الاستنان

    62 - أخبرنا مالك أخبرني الزهري عن سالم بن عبد الله ( 1 ) عن أبيه : أن رجلا ( 2 ) من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم دخل المسجد يوم الجمعة و ( 3 ) عمر بن الخطاب يخطب الناس فقال : أية ( 4 ) ساعة هذه ؟ فقال الرجل : انقلبت ( 5 ) من السوق فسمعت النداء ( 6 ) فما زدت ( 7 ) على أن توضأت ثم أقبلت قال عمر : والوضوء ( 8 ) أيضا ( 9 ) وقد علمت ( 10 ) أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يأمر ( 11 ) بالغسل
    قال محمد : الغسل أفضل ( 12 ) يوم الجمعة وليس بواجب ( 13 )
    وفي هذا ( 14 ) آثار كثيرة
    _________
    ( 1 ) ابن عمر بن الخطاب أبو عمر أحد الأئمة الفقهاء السبعة بالمدينة قال مالك : لم يكن أحد في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل مات سنة 106 هـ وقيل سنة سبع
    ( 2 ) قوله : أن رجلا سماه ابن وهب وابن القاسم في روايتهما للموطأ : عثمان بن عفان وقال ابن عبد البر : لا أعلم فيه خلافا قال : وكذا وقع في رواية ابن وهب عن أسامة بن زيد الليثي عن نافع عن ابن عمر ورواية معمر عن الزهري عن عبد الرزاق وفي حديث أبي هريرة في روايته لهذه القصة عند مسلم كذا في " التنوير "
    ( 3 ) الواو حالية
    ( 4 ) بتشديد الياء تأنيث أي استفهام إنكار وتوبيخ على تأخره إلى هذه الساعة ( كان غرض عمر رضي الله عنه التنبيه على ساعات التبكير التي وقع فيها الترغيب لأنها إذا انقصت طوت الملائكة الصحف ولذا بادر عثمان رضي الله عنه إلى الاعتذار )
    ( 5 ) قوله : انقلتب أي رجعت روى أشهب عن مالك قال : إن الصحابة كانوا يكرهون ترك العمل يوم الجمعة على نحو تعظيم اليهود السبت والنصارى الأحد كذا في " التنوير "
    ( 6 ) أي الأذان بين يدي الخطيب
    ( 7 ) أي لم أشتغل بشيء إلا بالوضوء
    ( 8 ) قوله : والوضوء قال النووي : أي توضأت الوضوء فقط قاله الأزهري وقال الحافظ ابن حجر : أي الوضوء أيضا اقتصرت عليه أو اخترته دون الغسل . والمعنى ما اكتفيت بتأخير الوقت وتفويت الفضيلة حتى تركت الغسل واقتصرت على الوضوء . وجوز القرطبي الرفع على أن خبره محذوف أي والوضوء أيضا يقتصر عليه
    ( 9 ) فيه دليل على عربية " أيضا " وقد توقف فيه جمال الدين بن هشام كذا في " مرقاة الصعود "
    ( 10 ) ومع علمك تركت الغسل واكتفيت ( في الأصل : " على الوضوء " وهو تحريف ) بالوضوء
    ( 11 ) قوله : كان يأمر بالغسل استدل بهذا اللفظ وبزجر عمر لعثمان في أثناء الخطبة على ترك الغسل من قال بوجوبه . وأجاب عنه الطحاوي بأن عمر لم يأمر عثمان بالرجوع للغسل وذلك بحضرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان ذلك إجماعا على نفي وجوب الغسل ولولا ذلك ما تركه عثمان ولما سكت عمر من أمره إياه بالرجوع وذكره نحوه ابن خزيمة وابن عبد البر والطبري والخطابي وغيرهم وارتضاه كثير من شراح صحيح البخاري وغيرهم . ولا يخفى ما فيه فإنه إنما ينهض دليلا على من قال باشتراط الغسل لصحة صلاة الجمعة وهم قوم من الظاهرية وأما من قال بوجوبه مستقلا بدون الاشتراط فلا لأن له أن يقول الغسل وإن كان واجبا لكن تركه عثمان لشغله بأمر وضيق وقت فهو معذور في تركه ولا يلزم من تركه أن لا يكون واجبا وإنما لم يأمره عمر بالرجوع لأنه قد وجب عليه أمر آخر وهو سماع الخطبة فلو أمر بالرجوع لزم اختيار الأدنى وترك الأعلى
    وبالجملة وجوب الغسل مقيد بسعة الوقت وعند ضيقه وخوف فوت واجب آخر يسقط وجوبه فالأولى أن يمنع دلالة قصة عمر على الوجوب بأن زجره عثمان على ترك الغسل وترك الخطبة لأجله يحتمل أن يكون لتركه سنة مؤكدة فإن الصحابة كانوا يبالغون في الاهتمام بالسنن
    ( 12 ) قوله : أفضل هذا يشمل الاستنان والاستحباب والأول مختار كثير من أصحابنا والثاني رأي بعض أصحابنا والأول أرجح
    ( 13 ) قوله : وليس بواجب وذهب الظاهرية إلى وجوبه أخذا من ظاهر الأحاديث المارة وبه قال الحسن وعطاء بن أبي رباح والمسيب بن رافع ذكره العيني وهو المروي عن أحمد في رواية والمحكي عن أبي هريرة وعمار بن ياسر كذا قال القسطلاني . وذكر النووي في شرح صحيح مسلم أن ابن المنذر حكى الوجوب عن مالك وكلام مالك في الموطأ وأكثر الروايات عنه ترده . وقال ابن حجر : حكى ابن حزم الوجوب عن عمر وجم غفير من الصحابة ومن بعدهم ثم ساق الرواية عنهم لكن ليس فيها عن أحد منهم التصريح بذلك إلا نادرا وإنما اعتمد ابن حزم في ذلك على أشياء محتملة كقول سعد : ما كنت أظن مسلما يدع الغسل يوم الجمعة
    ( 14 ) أي عدم الوجوب

    63 - قال محمد : أخبرنا الربيع بن صبيح ( 1 ) عن سعيد الرقاشي ( 2 ) عن أنس بن مالك وعن الحسن البصري ( 3 ) كلاهما يرفعه ( 4 ) إلى النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ( 5 ) ومن اغتسل فالغسل أفضل
    _________
    ( 1 ) قوله : أخبرنا الربيع هو الربيع بن صبيح - بفتح أولهما - السعدي البصري صدوق سيئ الحفظ وكان عابدا مجاهدا قال الرامهرمزي : هو أول من صنف الكتب بالبصرة مات سنة ستين بعد المائة كذا في " التقريب " . وذكر في " تهذيب التهذيب " أنه روى عن الحسن البصري وحميد الطويل ويزيد الرقاشي وأبي الزبير وأبي غالب وغيرهم وعنه الثوري وابن المبارك ووكيع وغيرهم قال العجلي وابن عدي : لا بأس به
    ( 2 ) قوله : عن سعيد الرقاشي بفتح الراء المهملة وخفة القاف وآخره شين معجمة نسبة إلى رقاش اسم امرأة كثر ( في الأصل : " كثرت " وهو تحريف ) أولادها حتى صاروا قبيلة وهو بنت سبيعة بن قيس بن ثعلبة وذكره السمعاني وابن الأثير وسعيد هذا لعله سعيد بن عبد الرحمن الرقاشي ذكره الذهبي في " ميزان الاعتدال " وقال : لينه يحيى القطان ووثقه جماعة وقال ابن عدي : توقف فيه ابن القطان ولا أرى به بأسا وقد روي عن ابن سيرين أن عمر بن الخطاب قال : أتقوا الله واتقوا الناس . انتهى فليحرر
    والذي أظن أن هذا من النساخ فإن هذه الرواية بعينها وجدتها في كتاب الحج وفيه : محمد أخبرنا الربيع بن صبيح البصري عن يزيد الرقاشي عن أنس وعن الحسن البصري كلاهما يرفعه ... إلخ وقال الذهبي في " الكاشف " في ترجمته : يزيد بن أبان الرقاشي العابد عن أنس والحسن وعنه صالح المري وحماد بن سلمة ضعيف . انتهى . وذكر في " تهذيب التهذيب " في ترجمة الربيع : يزيد الرقاشي من شيوخه وليس لسعيد فيه ذكر ( زاد في نسخة ) [ وقال أبو عيسى الترمذي في آخر شمائله - عندما روى حديثا من طريق يزيد الفارسي عن ابن عباس - : يزيد الفارسي هو يزيد بن هرمز وهو أقدم من يزيد الرقاشي وروى يزيد الفارسي عن ابن عباس أحاديث ويزيد الرقاشي لم يدرك ابن عباس وهو يزيد بن أبان الرقاشي وهو يروي عن أنس بن مالك ويزيد الفارسي ويزيد الرقاشي كلاهما من أهل البصرة انتهى ]
    ( 3 ) قوله : وعن الحسن البصري هو من أجلة التابعين الحسن بن أبي الحسن يسار أمه مولاة لأم سلمة ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر وقدم من المدينة إلى البصرة بعد مقتل ( في الأصل : " قتل " والصواب : " مقتل " ) عثمان روى عن جماعة من الصحابة وروى عنه جمع من التابعين كان إماما ثقة ذا علم وزهد وورع وعبادة مات في رجب سنة 110 هـ كذا في " جامع الأصول " وله ترجمة طويلة في " تهذيب التهذيب " وغيره
    ( 4 ) وفي نسخة يرفعانه . قوله : كلاهما يرفعه أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال الترمذي : حسن صحيح وقد روي عن الحسن مرسلا وأخرجه أحمد في مسنده والبيهقي في سننه وابن أبي شيبة في مصنفه وأعله بعض المحدثين بأن الحسن لم يسمع من سمرة كما قال ابن حبان في النوع الرابع من القسم الخامس : الحسن لم يسمع من سمرة شيئا وكذا قال ابن معين وشعبة وقال الدارقطني : الحسن اختلف في سماعه عن سمرة والحسن لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة
    والجواب عنه أنه نقل البخاري في أول " تاريخه الوسط " عن على بن المديني أن سماع الحسن من سمرة صحيح . ونقله الترمذي عن البخاري وسكت عليه . واختاره الحاكم في المستدرك والبزار فيقدم إثبات هؤلاء على نفي أولئك وأما مرسله فهو مقبول فإن مراسيل الحسن معتمدة وقد روى هذا الحديث جمع من الصحابة غير سمرة أخرجه أصحاب الكتب المعتمدة وضعف بعضها ينجبر بالبعض منهم أنس أخرجه ابن ماجه عنه مرفوعا : " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت تجزئ عنه الفريضة ومن اغتسل فالغسل أفضل : وأخرجه الطحاوي والبزار والطبراني في " المعجم الوسط " . ومنهم أبو سعيد الخدري أخرج حديثه البيهقي والبزار . ومنهم أبو هريرة أخرج حديثه البزار وابن عدي ومنهم جابر أخرجه عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن عدي ومنهم عبد الرحمن بن سمرة أخرجه الطبراني والعقيلي . ومنهم ابن عباس أخرجه البيهقي
    وبالجملة هذا الحديث له أصل أصيل وهو دال على أن الغسل ليس بواجب وإلا فكيف يكون مجرد الوضوء حسنا واستدل به بعضهم على الاستحباب وهو كذلك لولا ثبوت مواظبة النبي صلى الله عليه و سلم على الغسل يوم الجمعة فإنها دالة على الاستنان
    ( 5 ) قوله : فبها ونعمت قال الأصمعي : معناه فبالسنة أخذ ونعمت السنة وقال أبو حامد : معناه فبالرخصة أخذ لأن السنة الغسل وقال الحافظ أبو الفضل العراقي : أي فبطهارة الوضوء حصل الواجب في التطهير للجمعة ونعمت الخصلة هي أي الطهارة وهو بكسر النون وسكون العين في المشهور وروي بفتح النون وكسر العين وهو الأصل في هذه اللفظة وروي نعمت بفتح النون وكسر العين وفتح التاء أي نعمك الله قال النووي في " شرح المهذب " : هذا تصحيف نبهت عليه لئلا يغتر به كذا في " زهر ( في الأصل : " زهرة الربى " وهو تحريف ) الربى على المجتبى " للسيوطي

    64 - قال محمد : أخبرنا محمد بن أبان ( 1 ) بن صالح عن حماد ( 2 ) عن إبراهيم النخعي قال : سألته عن الغسل يوم الجمعة والغسل من الحجامة والغسل في العيدين ؟ قال : إن اغتسلت فحسن وإن تركت فليس عليك ( 3 ) فقلت له : ألم يقل رسول الله صلى الله عليه و سلم : من راح ( 4 ) إلى الجمعة فليغتسل ( 5 ) ؟ قال : بلى ولكن ليس من الأمور الواجبة وإنما ( 6 ) وهو كقوله تعالى : { وأشهدوا إذا تبايعتم } فمن أشهد فقد أحسن ومن ترك ( 7 ) فليس عليه وكقوله تعالى ( 8 ) : { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض } فمن انتشر فلا بأس ومن جلس فلا بأس
    قال حماد ( 9 ) : ولقد رأيت إبراهيم النخعي يأتي العيدين ( 10 ) وما يغتسل ( 11 )
    _________
    ( 1 ) قوله : محمد بن أبان بن صالح بفتح الألف وخفة الباء الموحدة هو ممن ضعفه جمع من النقاد ففي " ميزان الاعتدال " للذهبي : محمد بن أبان بن صالح القرشي ويقال له الجعفي الكوفي حدث عن زيد بن أسلم وغيره ضعفه أبو داود وابن معين وقال البخاري : ليس بالقوي وقيل كان مرجئا انتهى . وفي " لسان الميزان " للحافظ ابن حجر : قال النسائي : محمد بن صالح القرشي كوفي ليس بثقة . وقال ابن حيان : ضعيف . وقال أحمد : لم يكن ممن يكذب . وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي عنه فقال : ليس بالقوي يكتب حديثه ولا يحتج به وقال البخاري في " التاريخ " : يتكلمون في حفظه لا يعتمد عليه
    ( 2 ) ابن أبي سليمان
    ( 3 ) أي : لا يلزم عليك من تركه شيء
    ( 4 ) أي : ذهب
    ( 5 ) فإنه أمر وظاهر الأمر للوجوب
    ( 6 ) يريد أنه ليس كل أمر في الشرع فهو للزوم والوجوب بل قد يكون الأمر للاستحسان والإباحة
    ( 7 ) قوله : ومن ترك فليس عليه أي : من ترك الإشهاد على المبايعة فليس عليه شيء فإن الأمر للندب والاستحباب لا للإلزام والإيجاب هذا هو قول الجمهور . وقال الضحاك : هو عزم من الله تعالى والإشهاد واجب في صغير الحق وكبيره . كذا نقله البغوي في " معالم التنزيل "
    ( 8 ) قوله : وكقوله تعالى : { فإذا قضيت ... } أي : أديت فإن القضاء يستعمل لمعنى الأداء { الصلاة } أي : صلاة الجمعة { فانتشروا في الأرض } للتجارة والتصرف في حوائجكم { وابتغوا من فضل الله } يعني الرزق وهذا أمر إباحة كقوله تعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا } . وقال ابن عباس : إن شئت فاخرج وإن شئت فاقعد وإن شئت فصل إلى العصر . كذا قال البغوي
    ( 9 ) يريد تأييد قول النخعي بفعل
    ( 10 ) أي : إلى المصلى لصلاة العيدين
    ( 11 ) ظنا منه أنه من الأمور المستحبة فمن ترك فلا حرج

    65 - قال محمد : أخبرنا محمد بن أبان عن ابن جريج ( 1 ) عن عطاء بن أبي رباح قال : كنا جلوسا ( 2 ) عند عبد الله بن عباس فحضرت الصلاة ( 3 ) أي الجمعة فدعا بوضوء ( 4 ) فتوضأ ( 5 ) فقال له بعض أصحابه : ألا تعتسل ؟ قال : اليوم يوم بارد ( 6 ) فتوضأ ( 7 )
    _________
    ( 1 ) قوله : عن ابن جريج بضم الجيم مصغرا آخره جيم أيضا هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي الفقيه ثقة فاضل توفي سنة خمسين بعد المائة أو بعدها كذا في " التقريب " و " الكاشف "
    ( 2 ) أي : جالسين
    ( 3 ) أي : جاء وقتها
    ( 4 ) أي : ماء يتوضأ به
    ( 5 ) أي : أراد أن يتوضأ
    ( 6 ) يورث الغسل فيه الكلفة
    ( 7 ) قوله : فتوضأ تأكيد لتوضأ الأول إن كان الأول على معناه وإن كان على معنى الإرادة فهو تأسيس ويمكن أن يكون معناه فثبت على وضوئه ولم يتوجه إلى الغسل

    66 - قال محمد : أخبرنا سلام ( 1 ) بن سليم ( 2 ) الحنفي ( 3 ) عن منصور عن إبراهيم ( 4 ) قال : كان علقمة بن قيس إذا سافر لم يصل الضحى ( 5 ) ولم يغتسل يوم الجمعة ( 6 )
    _________
    ( 1 ) بفتح الأول وتشديد الثاني
    ( 2 ) بصيغة التصغير
    ( 3 ) نسبة إلى قبيلة بني حنيفة لا إلى الإمام أبي حنيفة كما ظنه القاري
    ( 4 ) أي : النخعي
    ( 5 ) قوله : لم يصل قال القاري : أي : لم يصل الضحى فإنها مستحبة وقد تصدق الله عن المسافر ببعض الفرائض فكيف بالسنة
    ( 6 ) قوله : ولم يغتسل يوم الجمعة فيه دلالة على أن غسل يوم الجمعة لصلاة الجمعة لا لنفس اليوم فيسقط استنانه عمن تسقط عنه صلاة الجمعة كالمسافر وقد اختلف فيه فقيل : إنه لليوم ونسبة إلى الحسن بن زياد صاحب " الهداية " وغيره ونسبة العيني في " شرحه " إلى محمد وداود الظاهري . والثاني وهو الصحيح عند الجمهور أنه للصلاة لظاهر الأحاديث : " إذا جاء أحدكم الجمعة ... " ونحو ذلك . ومنشأ الخلاف أن من لا تجب عليه الجمعة ليس لهم الغسل على القول الأول دون الثاني

    67 - قال محمد : أخبرنا سفيان الثوري ( 1 ) حدثنا منصور ( 2 ) عن مجاهد ( 3 ) قال : من اغتسل يوم الجمعة بعد طلوع الفجر ( 4 ) أجزأه ( 5 ) عن غسل يوم الجمعة
    _________
    ( 1 ) قوله : سفيان الثوري هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي نسبة إلى ثور - بالفتح - بن عبد مناة بن أد بن طانجة قبيلة روى عن جماعة كثير وعنه جماعة غفيرة كما بسطه المزي في " تهذيب الكمال " وذكر في ترجمته : قال شعبة وابن عيينة وأبو عاصم وابن معين : هو أمير المؤمنين في الحديث وقال ابن المبارك : كتبت عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان وقال شعبة : سفيان أحفظ مني وقال ابن مهدي : كان وهب يقدم سفيان في الحفظ على مالك وقال الدوري : رأيت يحيى بن معين لا يقدم على سفيان في زمانه أحدا في الفقه والحديث والزهد وكل شيء مولده سنه 97 هـ وتوفي بالبصرة سنة 161 هـ . انتهى ملخصا
    ( 2 ) أي : ابن المعتمر الكوفي
    ( 3 ) قوله : عن مجاهد هو ابن جبر - بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة - أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي المقرئ المفسر الحافظ سمع سعدا وعائشة وأبا هريرة وابن عباس ولزمه مدة وقرأ عليه القرآن وروى عنه الأعمش ومنصور وابن عون وقتادة وغيرهم قال قتادة : أعلم من بقي بالتفسير مجاهد وقال ابن جريج : لأن أكون سمعت من مجاهد أحب إلي من أهلي ومالي وكان من أعيان الثقات كذا في " تذكرة الحفاظ للذهبي وذكر في التقريب وغيره أن وفاته كانت سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة
    ( 4 ) وأما إن اغتسل قبل طلوع الفجر فظاهر الأخبار أنه لا يكفي في إحراز الفضيلة
    ( 5 ) قوله : أجزأه يشير إلى أنه لا يشترط اتصال الغسل بذهبه إلى المسجد بل لو اغتسل بعد طلوع الفجر الصادق من الجمعة كفى ذلك وقال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " : استدل مالك بالحديث في أنه يعتبر أن يكون الغسل متصلا بالذهاب ووافقه الأوزاعي والليث والجمهور قالوا : يجزئ من بعد الفجر وقال الأثرم : سمعت أحمد بن حنبل سئل عمن اغتسل ثم أحدث هل يكفيه الوضوء ؟ فقال : نعم ولم أر فيه أعلى من حديث ان أبزى . يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه وله صحبة : أنه كان يغتسل يوم الجمعة ثم يحديث فيتوضأ ولا يعيد الغسل . انتهى . وذكر صاحب " خلاصة الفتاوى " و " البناية " وغيرهما : أنه لو اغتسل يوم الجمعة ثم أحدث وصلى بوضوء مستحدث لا ينال ثواب غسل الجمعة عند أبي يوسف وعند الحسن ينال . وفيه نظر بأن هذا الغسل كما هو مقتضى الأحاديث للنظافة ودفع الرائحة لا للطهارة فلا يضر تخلل الحدث وذكر في " الخلاصة " أيضا أنه لو اغتسل قبل الصبح ودام على ذلك حتى صلى به الجمعة ينال فضل الغسل عند أبي يوسف وعند الحسن لا . وفيه نظر ذكره الزيلعي في " شرح الكنز " وهو أنه لا يشترط وجود الاغتسال في ما سن الاغتسال لأجله وإنما يشترط أن يكون متطهرا فينبغي الإجزاء في الصورة المذكورة عند الحسن أيضا . وقد صرح به قاضي خان في " فتاواه "

    68 - قال محمد : أخبرنا عباد بن العوام ( 1 ) أخبرنا يحيى بن سعيد عن عمرة ( 2 ) عن عائشة قالت ( 3 ) : كان الناس عمال أنفسهم ( 4 ) فكانوا يروحون إلى الجمعة ( 5 ) بهيآتهم فكان يقال لهم ( 6 ) : لواغتسلتم ( 7 ) ( 8 )
    _________
    ( 1 ) قوله : أخبرنا عباد ( في نسخة قال محمد : أخبرنا سفيان الثوري عن عباد بن العوام ) بن العوام بتشديد الباء الموحدة والواو قال الذهبي في " تذكرة الحفاظ " : عباد بن العوام الإمام المحدث أبو سهل الواسطي . وثقه أبو داود وغيره قال ابن سعد : كان من نبلاء الرجال في كل أمر وكان يتشيع فحبسه الرشيد زمانا ثم خلى عنه فأقام ببغداد واختلف في وفاته بعد سنة ثمانين ومائة على أقوال : سنة ثلاث أو خمس أو ست أو سبع وهو متفق على الاحتجاج به . انتهى ملخصا
    ( 2 ) قوله : عن عمرة بالفتح . بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة كانت في حجر عائشة وربتها وروت عنها كثيرا من حديثها وعن غيرها ( في الأصل : " وغيرها " والظاهر : " عن غيرها " ) وروى عنها جماعة منهم يحيى بن سعيد الأنصاري وابنه أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن بن حارثة وأبو بكر محمد بن عمرو بن حزم ماتت سنة ثلاث ومائة وهي من التابعيات المشهورات كذا قال ابن الأثير الجزري في " جامع الأصول "
    ( 3 ) قوله : قالت ... إلخ أخرجه أبو داود عنها بلفظ : كان الناس مهان أنفسهم فيروحون إلى الجمعة بهيآتهم فقيل لهم : لو اغتسلتم . وروي عن عكرمة أن ناسا من أهل العراق جاؤوا إلى ابن عباس فقالوا : أترى الغسل يوم الجمعة واجبا ؟ قال : لا ولكنه أطهر وسأخبركم كيف بدء الغسل : كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم وكان مسجدهم ضيقا مقارب السقف فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في يوم حار وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضا فلما وجد رسول الله صلى الله عليه و سلم تلك الريح قال : أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمس أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه قال ابن عباس : ثم جاء الله بالخير ولبسوا غير الصوف وكفوا العمل ووسع مسجدهم وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضا من العرق . وفي رواية النسائي عن عائشة : إنما كان الناس يسكنون العالية فيحضرون الجمعة وبهم وسخ فإذا أصابهم الريح سطعت أرواحهم فيتأذى به الناس فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : أولا : يغتسلون ؟ وفي لفظ مسلم : كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالي فيأتون في العباء ويصيبهم الغبار فيخرج منهم الريح فأتى رسول الله صلى الله عليه و سلم إنسان منهم وهو عندي فقال : لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا . وقال الطحاوي بعد ما روى عن ابن عباس نحو ما مر : فهذا ابن عباس يخبر أن الأمر الذي أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم به لم يكن للوجوب عليهم وإنما كان لعلة ثم ذهبت تلك العلة فذهب الغسل هو أحد من روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه كان يأمر بالغسل وقال بعد رواية قول عائشة : فهذه عائشة تخبر بأن رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما ندبهم إلى الغسل للعلة كما أخبر بها ابن عباس وأنه لم يجعل ذلك عليهم حتما . انتهى
    ( 4 ) أي يعملون بأيديهم لأنفسهم بالمزارعة وغيرها ولم يكن لهم خوادم
    ( 5 ) قوله : إلى الجمعة أي : يذهبون لصلاة الجمعة على هيآتهم ولباسهم المعتاد من غير غسل ولا استعمال طيب ولا تغيير لباس
    ( 6 ) أي : من حضرة الرسالة ( أي من رسول الله صلى الله عليه و سلم )
    ( 7 ) أي : لكان أولى
    ( 8 ) قوله : لو اغتسلتم دل هذا الخبر على أن الغسل إنما يعتد به إذا كان قبل الصلاة فإن اغتسل بعد الصلاة لا يعتد به وقد حكى ابن عبد البر الإجماع عليه وذهب ابن حزم الظاهري ومن تبعه إلى أنه يكتفى بالغسل يوم الجمعة سواء كان قبل الصلاة أو بعدها وهو خلاف الأحاديث الواردة في شرعية الغسل وقد رده ابن حجر في " فتح الباري " بأحسن رد

    18 - ( باب الاغتسال يوم العيدين )

    69 - أخبرنا مالك حدثنا نافع : أن ابن عمر كان يغتسل قبل أن يغدو ( 1 ) ( 2 ) إلى العيد
    _________
    ( 1 ) أي : يذهب بالغداء
    ( 2 ) قوله : قبل أن يغدو استنبط منه صاحب " البحر الرائق " أن غسل العيد للصلاة لا لليوم وذكر الياس زاده في " شرح النقاية " : لم ينقل في هذا الغسل أنه لليوم أو للصلاة . وينبغي أن يكون مثل الجمعة لأن في العيدين أيضا الاجتماع فيستحب الاغتسال دفعا للرائحة الكريهة . انتهى

    70 - أخبرنا مالك أخبرنا ( 1 ) نافع عن ابن عمر : أنه كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو
    قال محمد : الغسل يوم العيد حسن ( 1 ) وليس بواجب وهو قول أبي حنيفة رحمه الله
    _________
    ( 1 ) وفي نسخة : أخبرني
    ( 2 ) قوله : حسن هذا يشتمل الاستنان والاستحباب فمن قال باستنان غسل يوم الجمعة قال باستنان غسل العيدين ومن قال باستحبابه قال باستحبابه . والأرجح هو الأول لما روى ابن ماجه عن الفاكه بن سعد : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى . قال الحافظ ابن حجر في " تخريج أحاديث شرح الوجيز " للرافعي : رواه البزار والبغوي وابن قانع وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند من حديث الفاكه وإسناده ضعيف ورواه البزار من حديث أبي رافع وإسناده ضعيف أيضا وفي باب من الموقوف عن علي رواه الشافعي . وعن ابن عمر رواه مالك وروى البيهقي عن عروة بن الزبير أنه اغتسل للعيد وقال : إنه السنة

    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    رد: كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 12:43 pm

    - ( باب التيمم ( 1 ) بالصعيد )
    71 - أخبرنا مالك أخبرنا نافع أنه أقبل هو وعبد الله بن عمر من الجرف ( 2 ) حتى إذا كان بالمربد ( 3 ) نزل عبد الله بن عمر فتيمم ( 4 ) صعيدا طيبا فمسح وجهه ويديه إلى المرفقين ( 5 ) ثم صلى ( 6 )
    _________
    ( 1 ) قوله : التيمم هو في اللغة القصد وفي الشرع القصد إلى الصعيد لمسح الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة وغيرها
    ( 2 ) بضم فسكون أو بضمتين : موضع على ثلاثة أميال من المدينة
    ( 3 ) قوله : المربد بكسر الميم وسكون الراء وموحدة مفتوحة ودال مهملة على ميل ( قلت : لعله أزيد من ميل وأقل من ميلين فحذف الكسر مرة واعتبر به أخرى لأن المربد مجلس الإبل وفضاء وراء البيوت ترتفق به كذا في " عمدة القاري " وهو لا يكون إلا بقرب المدينة متصلا بها جزم الحافظ في " الفتح " بأنه من المدينة على ميل ( 1 / 374 ) . والميل : هو ثلاث فراسخ بغلبة الظن وفي " الطحطاوي على مراقي الفلاح " ( ص 66 ) : الميل في اللغة منتهى مد البصر ) أو ميلين من المدينة قاله الباجي
    ( 4 ) قوله : فتيمم قال الباجي : فيه التيمم في الحضر لعدم الماء إذ ليس بين الجرف والمدينة مسافة القصر قال محمد بن مسلمة : وإنما تيمم بالمربد لأنه خاف فوات الوقت يعني المستحب وروى في البخاري أنه دخل المدينة والشمس مرتفعة ولم يعد وإلى جوازه في الحضر ذهب مالك وأصحابه وأبو حنيفة والشافعي وقال زفر وأبو يوسف : لا يجوز التيمم في الحضر بحال كذا قال الزرقاني
    ( 5 ) أي : معهما
    ( 6 ) حفظا للوقت

    72 - أخبرنا مالك أخبرنا عبد الرحمن ( 1 ) بن القاسم عن أبيه ( 2 ) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في بعض أسفاره ( 3 ) حتى إذا كنا بالبيداء أو ( 4 ) بذات الجيش انقطع ( 5 ) عقدي ( 6 ) فأقام ( 7 ) رسول الله صلى الله عليه و سلم على التماسه ( 8 ) وأقام الناس وليسوا على ماء ( 9 ) وليس معهم ماء فأتى الناس إلى أبي بكر ( 10 ) فقالوا : ألا ترى إلى ما صنعت عائشة ؟ أقامت ( 11 ) برسول الله صلى الله عليه و سلم وبالناس وليسوا على ماء ( 12 ) وليس معهم ماء قالت : فجاء أبو بكر ( 13 ) رضي الله عنه ورسول الله صلى الله عليه و سلم واضع رأسه على فخذي قد نام فقال : حبست ( 14 ) رسول الله صلى الله عليه و سلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء قالت : فعاتبني وقال ما شاء الله ( 15 ) أن يقول وجعل يطعنني ( 16 ) بيده في خاصرتي ( 17 ) فلا يمنعني من التحرك إلا رأس ( 18 ) رسول الله صلى الله عليه و سلم على فخذي فنام رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى أصبح ( 19 ) على غير ماء فأنزل الله تعالى آية التيمم ( 20 ) فتيمموا ( 21 ) فقال أسيد ( 22 ) ( 23 ) ( 24 ) بن حضير ( 25 ) : ما هي بأول بركتكم ( 26 ) يا آل أبي بكر ( 27 ) قالت : وبعثنا البعير التي كنت عليه ( 28 ) فوجدنا ( 29 ) العقد تحته
    قال محمد : وبهذا نأخذ والتيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين وهو قول أبي حنيفة ( 30 ) رحمه الله
    _________
    ( 1 ) قوله : عبد الرحمن هو ابن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق المدني الفقيه وثقه أحمد وغير واحد مات بالشام سنة 126 هـ كذا في " الإسعاف "
    ( 2 ) قوله : عن أبيه هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق المدني قال ابن سعد : ثقة رفيع عالم فقيه ورع مات سنة ست ومائة على الصحيح كذا قال السيوطي وغيره
    ( 3 ) في نسخة " الأسفار " قوله : في بعض أسفاره قال ابن حجر في " فتح الباري " : قال ابن عبد البر في " التمهيد " : يقال إنه كان في غزاة بني المصطلق وجزم بذلك في " الاستذكار " وسبقه إلى ذلك ابن سعد وابن حبان وغزاة بني المصطلق هي غزاة المريسيع وفيها ( في الأصل : " وفيه " والظاهر : " وفيها " ) وقعت قصة الإفك لعائشة وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها فإن كان ما صرحوا به ثابتا حمل على أنه سقط منها في تلك السفرة مرتين . لاختلاف القصتين كما هو بين في سياقهما واستبعد بعض شيوخنا ذلك قال : لأن المريسيع من ناحية مكة بين قديد والساحل وهذه القصة كانت من ناحية خيبر لقولها في الحديث : حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش وهما بين المدينة وخيبر . جزم به النووي
    قلت : وما جزم به مخالف لما جزم به ابن التين فإنه قال : البيداء هي ذو الحليفة بالقرب من المدينة من طريق مكة وذات الجيش وراء ذي الحليفة وقال أبو عبيد البكري في " معجمه " : البيداء أدنى إلى مكة من ذي الحليفة ثم ساق حديث عائشة ثم ساق حديث ابن عمر قال : بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها : ما أهل رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا من عند المسجد ... الحديث . قال : والبيداء هو الشرف الذي قدام ذي الحليفة في طريق مكة وذات الجيش من المدينة على بريد وبينها وبين العقيق سبعة أميال والعقيق من طريق مكة لا من طريق خيبر فاستقام ما قاله ابن التين
    ( 4 ) الشك من عائشة
    ( 5 ) قوله : انقطع في التفسير من رواية عمرو بن الحارث : سقطت قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة فأناخ رسول الله صلى الله عليه و سلم ونزل وهذا مشعر بأن ذلك كان عند قربهم من المدينة كذا في الفتح
    ( 6 ) قوله عقد بكسر المهملة كل ما يعقد ويعلق في العنق ويسمى قلادة ولأبي داود من حديث عمار أنه كان من جزع ظفار وفي رواية عمرو بن الحارث : سقطت قلادة لي وفي رواية عروة عنها : أنها استعارت قلادة من أسماء فهلكت أي : ضاعت . والجمع بيهما أن إضافة القلادة إلى عائشة لكونها في يدها وتصرفها وإلى أسماء لكونها ملكها كذا في " الفتح "
    ( 7 ) قوله : فأقام فيه اعتناء الإمام بحفظ حقوق المسلمين وإن قلت فقد نقل ابن بطال أن ثمن العقد كان اثني عشر درهما قاله في " الفتح "
    ( 8 ) أي : لأجل طلبه
    ( 9 ) استدل بذلك على جواز الإقامة في المكان الذي لا ماء فيه
    ( 10 ) فيه شكوى المرأة إلى أبيها وأن كان لها زوج
    ( 11 ) أسند الفعل إليها لأنه كان بسببها
    ( 12 ) جملة حالية
    ( 13 ) فيه جواز دخول الرجل على بنته وإن كان زوجها عندها إذا علم رضاه بذلك
    ( 14 ) منعت
    ( 15 ) أي : من كلمات الزجر والعتاب
    ( 16 ) قوله يطعنني بضم العين وكذا جميع ما هو حسي وأما المعنوي فيقال : يطعن بالفتح هذا هو المشهور فيهما وحكي فيهما معا الفتح والضم كذا في " التنوير "
    ( 17 ) خصر الإنسان بفتح المعجمة وسكون المهملة : وسط الإنسان
    ( 18 ) أي كونه واستقراره
    ( 19 ) قوله : حتى أصبح قال بعضهم : ليس معناه بيان غاية النوم إلى الصباح بل بيان غاية فقد الماء إلى الصباح لأنه قيد قوله " حتى أصبح " بقوله : " على غير ماء " أي : آل أمره إلى أن أصبح على غير ماء . وأما رواية عمرو بن الحارث فلفظها : ثم إن النبي صلى الله عليه و سلم استيقظ وحضرت الصبح فإن أعربت الواو حالية كان دليلا على أن الاستيقاظ وقع حال وجود الصباح وهو الظاهر واستدل به على أن طلب الماء لا يجب إلا بعد دخول الوقت لقوله في رواية عمر بعد قوله حضرت الصبح : فالتمس الماء فلم يوجد وعلى أن الوضوء كان واجبا عليهم قبل نزول آية الوضوء ولذا استعظموا نزولهم على غير ماء كذا في " الفتح "
    ( 20 ) قوله : آية التيمم قال ابن العربي : هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء لأنا لا نعلم أي الآيتين عنت وقال ابن بطال : هي آية النساء أو آية المائدة وقال القرطبي : هي آية النساء ووجهه بأن آية المائدة تسمى آية الوضوء وأورد الواحدي في " أسباب النزول " الحديث عند ذكر آية النساء أيضا وخفي على الجميع ما ظهر للبخاري من أن المراد آية المائدة بغير تردد لرواية عمرو بن الحارث إذ صرح فيها بقوله : " فنزلت : { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ... } الآية كذا في " الفتح "
    ( 21 ) يحتمل أن يكون حكاية عن فعل الصحابة ويحتمل أن يكون حكاية لبعض الآية
    ( 22 ) بالتصغير
    ( 23 ) أبو يحيى الأنصاري الصحابي الجليل مات سنة عشرين أو إحدى وعشرين
    ( 24 ) قوله : فقال أسيد إنما قال ما قال دون غيره لأنه كان رأس من بعث في طلب العقد الذي ضاع كذا في " الفتح "
    ( 25 ) بمهملة ثم معجمة مصغرا
    ( 26 ) قوله ما هي بأول بركتكم أي : بل هي مسبوقة بغيرها من البركات وفي رواية هشام بن عروة : فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه خيرا . وهذا يشعر بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك فيقوى قول من ذهب إلى تعدد ضياع العقد وممن جزم بذلك محمد بن حبيب الأخباري فقال : سقط عقد عائشة في عزوة ذات الرقاع وغزوة بني المصطلق . وقد اختلف أهل المغازي في أن أي هاتين الغزوتين كانت أولا وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة : لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع . فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق لأن إسلام أبي هريرة كان سنة سبع ومما يدل على تأخر القصة عن قصة الإفك أيضا ما رواه الطبراني من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت : لما كان من أمر عقدي ما كان وقال أهل الإفك ما قالوا خرجت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة أخرى فسقط أيضا عقدي حتى حبس الناس على التماسه فقال لي أبو بكر : يا بنية في كل سفرة تكونين عناء وبلاء على الناس . فأنزل الله الرخصة في التيمم فقال أبو بكر : إنك لمباركة . وفي إسناده محمد بن حميد الرازي وفيه مقال : كذا في " الفتح "
    ( 27 ) المراد به نفسه وأهله وأتباعه
    ( 28 ) حالة السير
    ( 29 ) ظاهر في أن الذين توجهوا في طلبه أولا لم يجدوه
    ( 30 ) قوله : وهو قول أبي حنيفة وبه قال الثوري والليث بن سعد والشافعي وابن أبي سلمة وغيرهم أنه لا يجزيه إلا ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين . وبه قال مالك إلا أنه لا يرى البلوغ إلى المرفقين فرضا ( روي عن مالك أنه يجعل مسح الكفين مفروضا وما زاد إلى المرفقين سنة عمدة القاري 2 / 172 ) وممن روي عنه التيمم إلى المرفقين : عبد الله بن عمر والشعبي والحسن البصري وسالم بن عبد الله بن عمر وقال الأوزاعي : ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الكوعين وبه قال أحمد وإسحاق بن راهويه وداود والطبراني وقال ابن أبي ليلى والحسن بن حي : التيمم ضربتان يمسح بكل ضربة وجهه وذراعيه . وقال الزهري : يبلغ بالمسح إلا الآباط وروي عنه إلى الكوعين وروي عنه ضربة واحدة كذا ذكره ابن عبد البر . وقد اختلفت الأخبار والآثار في كيفية التيمم : هل هي ضربة أم ضربتان ؟ وهل ضربة اليدين إلى الآباط أو إلى المرفقين أو إلى الكوعين ؟ وباختلافه تفرقت الفقهاء وصار كل إلى ما رواه أو أدى الاجتهاد في نظره ترجيحه والذي يتحقق بعد غموض الفكر وغوص النظر ترجيح تعدد الضربة على توحدها وترجيح افتراض بلوغ مسح اليدين إلى الكوعين واستحباب ما عدا ذلك إلى المرفقين كما حققه ابن حجر في " فتح الباري " والنووي في " شرح صحيح مسلم " وغيرهما والكلام ههنا طويل لا يسعه هذا المقام

    20 - ( باب الرجل يصيب من امرأته أو يباشرها ( 1 ) وهي حائض )
    73 - أخبرنا مالك أخبرنا نافع أن عبد الله بن عمر ( 2 ) أرسل إلى عائشة يسألها هل يباشر ( 3 ) الرجل امرأته وهي حائض ؟ فقالت ( 4 ) : لتشد ( 5 ) إزارها على أسفلها ( 6 ) ثم يباشرها إن شاء ( 7 )
    قال محمد : وبهذا نأخذ لا بأس بذلك ( 8 ) وهو قول أبي حنيفة ( 9 ) والعامة من فقهائنا ( 10 )
    _________
    ( 1 ) مباشرة الرجل امرأته التقاء بشرتيهما إلا الجماع كذا في " إرشاد الساري "
    ( 2 ) قوله : أن عبد الله بن عمر هكذا في أكثر نسخ موطأ محمد وفي رواية يحيى للموطأ : أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أرسل . . الحديث . وهو بضم العين شقيق سالم ثقة مات سنة ست ومائة
    ( 3 ) أي : بالعناق ونحوه
    ( 4 ) قوله : فقالت أفتته بفعله صلى الله عليه و سلم مع أزواجه كما في الصحيحين عنها وعن ميمونة أيضا
    ( 5 ) بكسر اللام وشد الدال المفتوحة أي : لتربط
    ( 6 ) أي : ما بين سرتها وركبتيها
    ( 7 ) أي : أراد
    ( 8 ) أي : بالمباشرة بما فوق الإزار
    ( 9 ) قوله : وهو قول أبي حنيفة قال مالك والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف : له منها ما فوق الإزار وهو قول سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد وحجتهم تواطؤ الآثار عن عائشة وميمونة وأم سلمة عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه كان يأمر إحداهن إذا كانت حائضا أن تشد عليها إزارها ثم يباشرها . وقال سفيان الثوري ومحمد بن الحسن وبعض أصحاب الشافعي : يجتنب موضع الدم . وممن روي عنه هذا المعنى ابن عباس ومسروق بن الأجدع وإبراهيم النخعي وعكرمة وهو قول داود بن علي وحجتهم حديث ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " اصنعوا كل شيء ما خلا النكاح " وفي رواية ما خلا الجماع كذا في " الاستذكار " وفي " فتح الباري " : ذهب كثير من السلف والثوري وأحمد وإسحاق إلى أن الذي يمتنع من الاستمتاع بالحائض الفرج فقط وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية . ورجحه الطحاوي وهو اختيار أصبغ من المالكية وأحد القولين أو الوجهين للشافعية واختاره ابن المنذر وقال النووي : هو الأرجح دليلا لحديث أنس في مسلم : اصنعوا كل شيء إلا النكاح . وحملوا حديث الباب وشبهه على الاستحباب جمعا بين الأدلة ( انظر فتح الملهم ( 1 / 457 ) ففيه بحث نفيس حول هذه المسألة )
    ( 10 ) أي : فقهاء الكوفة

    74 - أخبرنا مالك أخبرني الثقة عندي عن سالم ( 1 ) بن عبد الله وسليمان ( 2 ) بن يسار : أنهما سئلا عن الحائض هل يصيبها ( 3 ) زوجها إذا رأت الطهر قبل أن تغتسل ؟ فقالا : لا حتى تغتسل ( 4 )
    قال محمد : وبهذا نأخذ ( 5 ) لا تباشر حائض عندنا حتى تحل لها الصلاة ( 6 ) أو تجب عليها ( 7 ) وهو قول أبي حنيفة رحمه الله
    _________
    ( 1 ) أحد الفقهاء السبعة
    ( 2 ) أحد السبعة
    ( 3 ) أي يجامعها
    ( 4 ) قوله : لا حتى تغتسل فإن قيل : إن في قول الله عز و جل : { ولا تقربوهن حتى يطهرن } دليلا على أنهن إذا طهرن من المحيض حل ما حرم عليهن من المحيض ( هكذا في الأصل : وفي الاستذكار : ( 2 / 26 ) : " ما حرم منهن من أجل المحيض " ) لأن حتى غاية فما بعدها بخلاف ما قبلها فالجواب أن في قوله تعالى : { فإذا تطهرن } دليلا على تحريم الوطء بعد الطهر حتى يتطهرن بالماء لأن تطهرن تفعلن من الطهارة كذا في " الاستذكار "
    ( 5 ) قوله : وبهذا نأخذ قال مالك وأكثر أهل المدينة : إذا انقطع عنها الدم لم يجز وطيها حتى تغتسل وبه قال الشافعي والطبري وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام كان له أن يطأها قبل الغسل وإن كان انقطاعه قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت الصلاة
    قال أبو عمر : هذا تحكم لا وجه له كذا في " الاستذكار " وظاهر إطلاق محمد ههنا عدم التفصيل لكن المشهور في كتب أصحابنا التفصيل بين ما إذا انقطع الدم لعشرة أيام فيحل وطيها قبل الاغتسال وبين ما إذا انقطع لأقل منه فلا يحل قبل أن تتطهر أو يمضي عليه وقت ذلك ووجهوه بأنه قد قرئ قوله تعالى : { حتى يطهرن } بالتخفيف وبالتشديد والقراءتان كالآيتين فيحمل الأولى على الأول والثاني على الثاني وههنا مذهب آخر وهو أنه يحل الوطئ بمجرد الانقطاع مطلقا لكن بعد إصابة الماء بالوضوء أخرجه ابن جرير عن طاووس ومجاهد قالا : إذا طهرت أمرها بالوضوء وأصاب منها وأخرج ابن المنذر عن مجاهد وعطاء قالا : إذا رأت الطهر فلا بأس أن تستطيب بالماء ويأتيها قبل أن تغتسل
    ( 6 ) بأن تطهر وتغتسل
    ( 7 ) بأن يمضي وقت تقدر فيه أن تغتسل وتشرع في الصلاة

    75 - أخبرنا مالك أخبرنا زيد بن أسلم ( 1 ) ( 2 ) : أن رجلا ( 3 ) سأل النبي صلى الله عليه و سلم ما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟ قال : تشد ( 4 ) عليها ( 5 ) إزارها ثم شأنك ( 6 ) بأعلاها
    قال محمد : هذا قول أبي حنيفة رحمه الله وقد جاء ما هو أرخص ( 7 ) من هذا ( 8 ) عن عائشة أنها قالت ( 9 ) : يجتنب ( 10 ) شعار ( 11 ) الدم وله ما سوى ذلك
    _________
    ( 1 ) كذا أخرجه البيهقي أيضا عن زيد بن أسلم ذكره السيوطي في " الدر المنثور " وكذلك أخرجه الدارمي مرسلا
    ( 2 ) قوله : أخبرنا زيد بن أسلم قال ابن عبد البر : لا أعلم أحدا روى هذا مسندا بهذا اللفظ ومعناه صحيح ثابت
    ( 3 ) قوله : أن رجلا قد روى أبو داود عن عبد الله بن سعد قال : سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟ قال : لك ما فوق الإزار
    وأخرجه أحمد وابن ماجه كذلك وأخرج أحمد وأبو داود عن معاذ بن جبل قال : سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض ؟ قال : " ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل " . وبه علم اسم السائل
    ( 4 ) في نسخة : لتشد ( بفتح التاء وضم الشين المعجمة آخره دال معناه الأمر أوجز المسالك : 1 / 226 )
    ( 5 ) قوله : تشد عليها بفتح التاء وضم الشين والدال خبر معناه الأمر أو أريد به الحدث مجازا أو بتقدير أنه مؤول بالمصدر فإن قلت : كيف يستقيم هذا جوابا عن قوله ما يحل لي ؟ قلت : يستقيم مع قوله : " ثم شأنك بأعلاها " كأنه قيل له : يحل لك ما فوق الإزار وشأنك منصوب بإضمار فعل ويجوز على الابتداء والخبر محذوف تقديره مباح أو جائز كذا في " مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح " لعلي القاري
    ( 6 ) بالنصب أي : دونك
    ( 7 ) أي : أيسر وأسهل
    ( 8 ) أي : مما ذكر من حل ما فوق الإزار
    ( 9 ) قوله : أنها قالت يؤيده ما أخرجه أبو داود والبيهقي عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه و سلم : أنه كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها ثوبا ثم صنع ما أراد . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي عن عائشة : أنها سئلت ما للرجل من امرأته وهي حائض ؟ فقالت ( وفي الأصل : " فقال " وهو تحريف ) : " كل شيء إلا فرجها " وأخرج ابن جرير عن مسروق : قلت لعائشة : ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضا ؟ قالت : كل شيء إلا الجماع . وأخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس والبيهقي وابن حبان عن أنس : أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يواكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت . فسئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك فأنزل الله : { ويسألونك عن المحيض ... } الآية فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح ... " الحديث
    ( 10 ) مجهول أو معروف
    ( 11 ) قوله : شعار بالكسر بمعنى العلامة وبمعنى الثوب الذي يلي الجسد ذكره في " النهاية " والمراد موضع الدم أو الكرسف

    21 - ( باب إذا التقى الختانان ( 1 ) هل يجب الغسل ؟ )
    76 - أخبرنا مالك حدثنا الزهري عن سعيد ( 2 ) بن المسيب ( 3 ) : أن عمر وعثمان ( 4 ) وعائشة كانوا يقولون ( 5 ) : إذا مس ( 6 ) الختان ( 7 ) الختان ( 8 ) فقد وجب الغسل ( 9 )
    _________
    ( 1 ) قوله : الختانان المراد به ختان الرجل وهو مقطع جلدته وخفاض المرأة . وهو مقطع جليدة في أعلى فرجها تشبه عرف الديك بينها وبين مدخل الذكر جلدة رقيقة
    ( 2 ) قوله : عن سعيد بن المسيب أبو محمد المخزومي المدني سيد فقهاء التابعين . قال قتادة : ما رأيت أحدا قط أعلم بالحلال والحرام منه مات سنة ثلاث وتسعين كذا في " الإسعاف "
    ( 3 ) ابن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم
    ( 4 ) قوله : عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي أمير المؤمنين ذو النورين قتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة 35 هـ كذا في " الإسعاف "
    ( 5 ) قوله : كانوا يقولون ... إلخ هذا حديث صحيح عن عثمان بأن الغسل يوجبه التقاء الختانين وهو يدفع حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة أن عطاء بن يسار أخبره أن زيد بن خالد الجهني أخبره أنه سأل عثمان قال : قلت : أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يمن ؟ قال عثمان : يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره سمعته من رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : وسأل ذلك عليا والزبير وطلحة وأبي بن كعب فأمروه بذلك . هذا حديث منكر لا يعرف من مذهب عثمان ولا من مذهب علي ولا مذهب المهاجرين انفرد به يحيى بن أبي كثير وهو ثقة إلا أنه جاء بما شذ فيه وأنكر عليه كذا في " الاستذكار "
    ( 6 ) قوله : إذا مس المراد بالمس والالتقاء في خبر : " إذا التقى ... " المجاوزة كرواية الترمذي : " إذا جاوز " وليس المراد حقيقة المس لأنه لا يتصور عند غيبة الحشفة فلو وقع مس بلا إيلاج لم يجب الغسل بالإجماع
    ( 7 ) أي : موضع القطع من الذكر
    ( 8 ) أي : موضع القطع من فرج الأنثى
    ( 9 ) وإن لم ينزل

    77 - أخبرنا مالك أخبرنا أبو النضر ( 1 ) مولى عمر بن عبيد الله عن أبي سلمة ( 2 ) بن عبد الرحمن : أنه سأل عائشة ما يوجب الغسل ؟ فقالت ( 3 ) : أتدري ما مثلك ( 4 ) يا أبا سلمة ( 5 ) ؟ مثل ( 6 ) الفروج ( 7 ) يسمع الديكة ( 8 ) تصرخ ( 9 ) فيصرخ معها إذا جاوز ( 10 ) الختان الختان فقد وجب الغسل
    _________
    ( 1 ) سالم بن أبي أمية
    ( 2 ) قوله : أبي سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري قيل اسمه عبد الله وقيل إسماعيل وقيل اسمه كنيته وثقه ابن سعد وغيره مات بالمدينة سنة 94 هـ كذا في " الإسعاف "
    ( 3 ) تلاطفه وتعاتبه
    ( 4 ) قوله : ما مثلك ... إلخ فيه دليل على أن أبا سلمة كان عندها ممن لا يقول بذلك وأنه قلد فيه من لا علم له به فعاتبته بذلك لأنها كانت أعلم الناس بذلك المعنى وقد تقدم عن أبي سلمة روايته عن عطاء بن يسار وعن أبي سعيد الخدري مرفوعا : " الماء من الماء " وأن أبا سلمة كان يفعل ذلك فلذلك نفرته عنه قاله ابن عبد البر
    ( 5 ) وكأنه قال : لا فقالت : مثل ...
    ( 6 ) قوله : مثل الفروج قال الباجي : يحتمل معنيين أحدهما أنه كان صبيا قبل البلوغ فسأل عن مسائل الجماع الذي لا يعرفه ولم يبلغ حده والثاني أنه لم يبلغ مبلغ الكلام في العلم
    ( 7 ) قال المجد : كتنور ويضم كسبوح فرخ الدجاج
    ( 8 ) بوزن عنبة جمع ديك ويجمع أيضا على ديوك ذكر الدجاج
    ( 9 ) تصيح
    ( 10 ) بينت الحكم بعد ما زجرته

    78 - أخبرنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد ( 1 ) عن عبد الله بن كعب ( 2 ) مولى عثمان بن عفان : أن محمود ( 3 ) بن لبيد ( 4 ) : سأل زيد ( 5 ) بن ثابت عن الرجل يصيب أهله ثم يكسل ( 6 ) ؟ فقال زيد بن ثابت : يغتسل ( 7 ) فقال له محمود بن لبيد : فإن أبي بن كعب لا يرى الغسل فقال زيد بن ثابت : نزع ( 8 ) قبل أن يموت ( 9 )
    قال محمد : وبهذا نأخذ إذا التقى الختانان و ( 10 ) توارت ( 11 ) الحشفة وجب الغسل أنزل أو لم ينزل وهو قول أبي حنيفة ( 12 ) رحمه الله
    _________
    ( 1 ) ابن قيس الأنصاري . ولقيس صحبة
    ( 2 ) الحميري المدني صدوق روى له مسلم والنسائي قاله الزرقاني
    ( 3 ) قوله : أن محمود بن لبيد الأنصاري الأشهلي من بني عبد الأشهل ولد على عهد النبي صلى الله عليه و سلم وحدث عن النبي صلى الله عليه و سلم بأحاديث وذكره مسلم في الطبقة الثانية من التابعين فلم يصنع شيئا ولا علم منه ما علم غيره مات سنة ست وتسعين كذا في " الاستيعاب "
    ( 4 ) بفتح اللام وكسر الموحدة ابن عقبة بن رافع
    ( 5 ) النجاري المدني أبو سعيد وقيل : أبو خارجة كاتب الوحي أحد من جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم مات سنة 45 هـ وقيل : سنة 48 هـ وقيل : سنة 51 هـ كذا في " الإسعاف "
    ( 6 ) أكسل الرجل إذا جامع ثم أدركه فتور فلم ينزل
    ( 7 ) قوله : يغتسل روى ابن أبي شيبة والطبراني بإسناد حسن عن رفاعة بن رافع قال : كنت عند عمر فقيل له : إن زيد بن ثابت يفتي الناس في المسجد بأنه لا غسل على من يجامع ولم ينزل فقال عمر : علي به فأتي به فقال : يا عدو نفسه أوبلغ من أمرك أن تفتي برأيك ؟ قال : ما فعلت وإنما حدثني عمومتي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : أي عمومتك ؟ قال : أبي بن كعب وأبو أيوب ورفاعة فالتفت عمر إلي قلت : كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فجمع عمر الناس فاتفقوا على أن الماء لا يكون إلا من الماء إلا علي ومعاذ فقالا : إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل فقال عمر : قد اختلفتم وأنتم أهل بدر فقال علي لعمر : سل أزواج النبي صلى الله عليه و سلم فأرسل إلى حفصة فقالت : لا أعلم فأرسل إلى عائشة فقالت : إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل . فتحطم عمر - أي : تغيظ - وقال : لا أوتى بأحد فعله ولم يغتسل إلا أنهكته عقوبة فلعل إفتاء زيد لمحمود بن لبيد كان بعد هذه القصة كذا في شرح الزرقاني
    ( 8 ) أي : أقلع ورجع عنه
    ( 9 ) في رجوعه دليل على أنه قد صح ( في الأصل : " صح " والظاهر : " قد صح " ) عنده أنه منسوخ
    ( 10 ) عطف بياني للالتقاء
    ( 11 ) أي غابت
    ( 12 ) رأس الذكر المختون
    ( 13 ) قوله : وهو قول أبي حنيفة وبه قال مالك والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور والطبري وأبو عبيد وغيرهم من علماء الأمصار وإليه ذهب جمهور أصحاب داود وبعضهم قالوا : لا غسل ما لم ينزل تمسكا بحديث " الماء من الماء " وغيره . واختلف الصحابة فيه فذهب جمع كثير إلى وجوب الغسل وإن لم ينزل . وبعضهم قالوا بالوضوء عند عدم الإنزال ومنهم من رجع عنه فممن قال بوجوب الغسل عائشة وعمر وعثمان وعلي وزيد كما ذكره مالك . وابن عباس وابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة عنهما . وأبو بكر أخرجه عبد الرزاق والنعمان بن بشير وسهل بن سعد وعامة الصحابة والتابعين ذكره ابن عبد البر ولم يختلف في ذلك عن أبي بكر وعمر واختلف فيه عن علي وعثمان وزيد وقد صح عن أبي بن كعب أنه قال : كان ذلك - أي وجوب الوضوء فقط بالإكسال - رخصة في بدء الإسلام ثم نسخ ولذلك رجع عنه أبي بعد ما أفتى به وروى عائشة وأبو هريرة وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وغيرهم مرفوعا : " إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل " ( انظر نصب الراية 1 / 84 أيضا
    قد اتفق الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب على وجوب الغسل بغيبوبة الحشفة وإن لم ينزل وكان فيه خلاف في الصدر الأول فقد روي عن جماعة من الصحابة ومن الأنصار أنهم لم يروا غسلا إلا من الإنزال ثم روي أنهم رجعوا عن ذلك وصح عن عمر أنه قال : من خالف في ذلك جعلته نكالا فانعقد الإجماع في عهده وخالف فيه داود الظاهري ولا عبرة بخلافه عند المحققين كما تجد تحقيقه في " شرح التقريب " للسبكي . وقد وقعت عبارة البخاري في صحيحه موهمة للخلاف حيث قال : قال أبو عبد الله : الغسل أحوط . فأوهم أنه يقول باستحباب الغسل دون الوجوب وهذا مخالف لما أجمع عليه جمهور الأئمة ويحتمل قول البخاري : " الغسل أحوط " يعني في الدين من حديثين تعارضا فقدم الذي يقتضي الاحتياط في الدين وهو باب مشهور في أصول الدين وهو الأشبه لا أنه ذهب إلى الاستحباب والندب . هذا ملخص ما قاله القاضي في " العارضة " . فهكذا وجه القاضي في " العارضة " وقال : والعجيب من البخاري أن يساوي بين حديث عائشة في إيجاب الغسل ... وبين حديث عثمان وأبي في نفي الغسل ... إلخ ثم علل عدم صحة التعلق بحديثهما . وراجع " عمدة القاري " 2 / 77
    والذي اختاره ابن حجر في " فتح الباري " 1 / 275 أن الخلاف كان مشهورا بين التابعين ومن بعدهم لكن الجمهور على إيجاب الغسل وهو الصواب والله أعلم . انتهى كلامه . ولكنه يقول في " التلخيص " ص 49 : لكن انعقد الإجماع أخيرا على إيجاب الغسل قاله القاضي وغيره . اهـ فكأنه هنا غير ما اختاره في " الفتح " وانظر " عمدة القاري " من 2 / 69 ، 2 / 72 ، و 76 و 77 ) ذكر كل ذلك مع زيادات نفيسة ابن عبد البر في " التمهيد " و " الاستذكار " وقد بسط الكلام فيه الطحاوي في " شرح معاني الآثار " وأثبت وجوب الغسل بالالتقاء بالأخبار المرفوعة والآثار الموقوفة فليراجع

    22 - ( باب الرجل ( 1 ) ينام هل ينقض ذلك وضوءه ؟ )
    79 - أخبرنا مالك أخبرنا زيد ( 2 ) بن أسلم قال : إذا نام ( 3 ) أحدكم وهو مضطجع فليتوضأ
    _________
    ( 1 ) قيد اتفاقي فإن الرجل والمرأة في ذلك سواء
    ( 2 ) العدوي وكان من العلماء بالتفسير وله كتاب فيه
    ( 3 ) قوله : قال إذا نام ... إلخ ليحيى : مالك بن زيد بن أسلم : أن عمر بن الخطاب قال : إذا نام أحدكم مضطجعا فليتوضأ

    80 - أخبرنا مالك أخبرني نافع عن ابن عمر : أنه كان ينام وهو قاعد فلا يتوضأ ( 1 )
    قال محمد : وبقول ابن عمر ( 2 ) في الوجهين جميعا نأخذ وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ( 3 )
    _________
    ( 1 ) لأن النوم ليس بحدث وإنما هو سبب وقد كان نومه خفيفا
    ( 2 ) قوله : وبقول ابن عمر ... إلخ فيه أنه لم يذكر قول ابن عمر في الوجه الأول فتأمل كذا قال القاري
    ( 3 ) قوله : وهو قول أبي حنيفة اختلف العلماء فيه فقال مالك : من نام مضطجعا أو ساجدا فليتوضأ ومن نام جالسا فلا إلا أن يطول نومه وهو قول الزهري وربيعة والأوزاعي وأحمد . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا وضوء إلا على من نام مضطجعا أو متوركا وقال أبو يوسف : إن تعمد النوم في السجود فعليه الوضوء . وقال الثوري والحسن بن حي وحماد بن أبي سليمان والنخعي : إنه لا وضوء إلا على من اضطجع وقال الشافعي : على كل نائم الوضوء إلا الجالس وحده . وروي عن أبي موسى الأشعري ما يدل على أن النوم عنده ليس بحدث على أي حال كان كذا ذكره ابن عبد البر
    وقد أجمل في بيان مذهب الحنفية والذي يفهم من كتب أصحابنا أن كل نوم يسترخي فيه المفاصل كالاضطجاع والاستلقاء والنوم على الوجه والبطن ومتكئا على أحد وركيه فهو ناقض وما ليس كذلك فليس بناقض وكذلك النوم قاعدا وساجدا وراكعا وقائما ومن الأخبار المرفوعة المؤيدة لكون النوم من النواقض قوله صلى الله عليه و سلم : " وكاء السه العينان فمن نام فليتوضأ " أخرجه أبو داود وأحمد من حديث علي والطبراني والدارمي من حديث معاوية بألفاظ متقاربة

    23 - ( باب المرأة ترى ( 1 ) في منامها ما يرى الرجل )
    81 - أخبرنا مالك أخبرنا ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن ( 2 ) أم سليم قالت ( 3 ) لرسول الله صلى الله عليه و سلم : يا رسول الله ( 4 ) المرأة ترى في المنام مثل ما يرى الرجل أتغتسل ( 5 ) ؟ فقال ( 6 ) رسول الله صلى الله عليه و سلم : نعم ( 7 ) فلتغتسل فقالت ( 8 ) لها عائشة ( 9 ) : أف لك ( 10 ) وهل ترى ( 11 ) ذلك ( 12 ) المرأة ؟ قال ( 13 ) : فالتفت إليها رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : تربت يمينك ( 14 ) ومن أين يكون الشبه ( 15 ) ؟
    قال محمد : وبهذا نأخذ ( 16 ) وهو قول أبي حنيفة رحمه الله
    _________
    ( 1 ) أي في حكم احتلامها
    ( 2 ) قوله : أن أم سليم قال ابن عبد البر : كذا هو في الموطأ وقال فيه : ابن أبي أويس عن عروة عن أم سليم وكل من روى هذا الحديث عن مالك لم يذكر فيه " عن عائشة " في ما علمت إلا ابن أبي الوزير وعبد الله بن نافع فإنهما روياه عن مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة أن أم سليم انتهى . وقد وصله مسلم وأبو داود من طريق عروة عن عائشة وأم سليم هي بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب واختلف في اسمها فقيل سهلة وقيل رميلة وقيل مليكة وقيل الغميضاء كانت تحت مالك بن النضر أبي أنس بن مالك في الجاهلية فولدت له أنسا فلما أسلمت عرض الإسلام على زوجها فغضب وهلك هناك وخلف عليها بعده أبو طلحة الأنصاري فولدت له عبد الله بن أبي طلحة كذا في " الاستيعاب "
    ( 3 ) ولمسلم عن أنس جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالت له وعائشة عند رسول الله صلى الله عليه و سلم
    ( 4 ) ولأحمد قالت : يا رسول الله إذا رأت المرأة أن زوجها يجامعها في المنام
    ( 5 ) أي أيجب عليها الغسل ؟ وفيه استحباب عدم الحياء في المسائل الشرعية
    ( 6 ) قوله : فقال ... إلخ وعند ابن أبي شيبة فقال : هل تجد شهوة ؟ قالت : لعله قال : هل تجد بللا ؟ قالت : لعله قال : فلتغتسل فلقيتها النسوة فقلن : فضحتينا عند رسول الله قالت : ما كنت لأنتهي حتى أعلم في حل أنا أم في حرام ففيه وجوب الغسل على المرأة بالإنزال ونفى ابن بطال الخلاف فيه لكن رواه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي وإسناده جيد فيدفع استبعاد النووي صحته عنه كذا في شرح الزرقاني
    ( 7 ) إذا رأت ماءا
    ( 8 ) قوله : فقالت قال الولي العراقي : أنكرت مع جواب المصطفى لها لأنه لا يلزم من ذكر حكم الشيء تحققه
    ( 9 ) قوله : عائشة في حديث آخر أن أم سلمة هي القائلة ذلك قال القاضي عياض : يحتمل أن كلتيهما أنكرتا عليها وإن كان أهل الحديث يقولون : إن الصحيح ههنا أم سلمة لا عائشة قال ابن حجر : وهذا جمع حسن لأنه لا يمتنع حضور عائشة وأم سلمة عند النبي صلى الله عليه و سلم في مجلس واحد
    ( 10 ) قوله : أف لك قال عياض : أي استحقارا لك وهي كلمة تستعمل في الاستحقار وأصل الأف وسخ الأظافير وفيه عشر لغات : أف بالكسر والضم والفتح دون تنوين وبالتنوين أيضا وذلك مع ضم الهمزة فهذه ستة . وأفه بالهاء . وإف بكسر الهمزة وفتح الفاء وأف بضم الهمزة وتسكين الفاء وأفى بضم الهمزة والقصر قلت : فيه نحو أربعين لغة حكاها أبو حيان في " الارتشاف " كذا في " التنوير "
    ( 11 ) قوله : وهل ترى قال ابن عبد البر : فيه دليل على أنه ليس كل النساء يحتلمن وإلا لما أنكرت ذلك عائشة وأم سلمة قال : وقد يوجد عدم الاحتلام في بعض الرجال قلت : وأي مانع من أن يكون ذلك خصيصة لأزواج النبي صلى الله عليه و سلم أنهن لا يحتلمن كما أن الأنبياء لا يحتلمون لأن الاحتلام من الشيطان فلم يسلط عليهم وكذلك على أزواجه تكريما له كذا في " التنوير "
    ( 12 ) بكسر الكاف
    ( 13 ) في نسخة : قالت
    ( 14 ) قوله : تربت يمينك قال النووي : في هذه اللفظة خلاف كثير منتشر للسلف والخلف والأصح الأقوى الذي عليه المحققون أنها كلمة معناها افتقرت ولكن العرب اعتادت استعمالها غير قاصدة حقيقة معناها الأصلي فيذكرون تربت يداك وقاتله الله ولا أم لك وثكلته أمه وويل أمه وما أشبهه يقولونها عند إنكارهم الشيء أو الزجر عنه كذا في " زهر الربى على المجتبى " للسيوطي
    ( 15 ) قوله : الشبه بكسر الشين وسكون الباء وشبه بفتحهما لغتان مشهورتان قال النووي : معناه أن الولد متولد من ماء الرجل وماء المرأة فأيهما غلب كان الشبه له وإذا كان للمرأة مني فإنزاله وخروجه ( في الأصل : " فإنزالها وخروجها " وهو خطأ والصواب : " فإنزاله وخروجه " كما في " زهر الربى " 1 / 131 ) منها ممكن كذا في " زهر الربى "
    ( 16 ) قوله : وبهذا نأخذ أي بوجوب الغسل على المرأة إذا رأت مثل ما يرى الرجل ورأت بللا وروي عنه في غير رواية الأصول أنها إذا تذكرت الاحتلام والإنزال والتلذل [ لعله " والتلذذ " فليراجع ؟ ؟ ] ولم تر البلل كان عليها الغسل ( قال ابن المنذر : أجمع كل من يحفظ عنه العلم أن الرجل إذا رأى في منامه أنه احتلم أو جامع ولم يجد بللا أن لا غسل عليه واختلفوا فيمن رأى بللا ولم يتذكر احتلاما فقالت طائفة : يغتسل روينا ذلك عن ابن عباس وعطاء والشعبي وسعيد بن جبير والنخعي وقال أحمد : أحب إلي أن يغتسل إلا رجل به أبردة : وقال أكثر أهل العلم : لا يجب عليه الاغتسال حتى يعلم أنه بلل الماء الدافق وإليه ذهب مالك والشافعي وأبو يوسف وظاهر الباب يؤيد الفريق الأول هذا ملخص ما في " العمدة " 2 / 56 و 57 و " معالم السنن " 1 / 79 ، وراجع " المغني " لابن قدامة 1 / 205 ، فقد قيد البلل بالمني في وجوب الغسل ونسب ذلك إلى مالك والشافعي وهذا خلاف ما في " المعالم " و " العمدة " وهو مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني ) لكن قال شمس الأئمة الحلواني : لا تؤخذ بهذه الرواية ذكره صدر الشريعة وقد عول على تلك الرواية صاحب " الهداية " في مختارات النوازل وفي التجنيس والمزيد لكنه تعويل ضعيف لأن سياق النصوص الواردة في هذه المسألة شاهد على أن وجوب الغسل برؤية البلل لا بمجرد التذكر

    24 - ( باب المستحاضة ( 1 ) )
    82 - أخبرنا مالك حدثنا نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة ( 2 ) زوج النبي صلى الله عليه و سلم : أن امرأة ( 3 ) كانت تهراق ( 4 ) الدم ( 5 ) على عهد رسول الله ( 6 ) صلى الله عليه و سلم فاستفتت ( 7 ) لها أم سلمة ( 8 ) رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : لتنظر الليالي ( 9 ) والأيام ( 10 ) التي كانت تحيض ( 11 ) من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها ( 12 ) فلتترك ( 13 ) الصلاة ( 14 ) قدر ذلك من الشهر فإذا خلفت ( 15 ) ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر ( 16 ) بثوب فلتصل
    قال محمد : وبهذا نأخذ ( 17 ) وتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي ( 18 ) إلى الوقت الآخر وإن سال دمها وهو قول أبي حنيفة رحمه الله
    _________
    ( 1 ) قال الجوهري : استحيضت المرأة أي استمر بها الدم بعد أيامها فهي مستحاضة ( إن الروايات في المستحاضة مختلفة جدا . يشكل الجمع بينها وقد جمع بينها شيخنا في " أوجز المسالك " 1 / 240 ، فارجع إليه )
    ( 2 ) قوله : عن أم سلمة قال ابن عبد البر : هكذا رواه مالك وأيوب ورواه الليث بن سعد وصخر وعبيد الله بن عمر عن نافع عن سليمان أن رجلا أخبره عن أم سلمة وقال النووي في الخلاصة : حديث صحيح رواه مالك والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي بأسانيد على شرط البخاري ومسلم فلم يعرج على دعوى الانقطاع
    ( 3 ) قوله : أن امرأة قال الباجي : يقال هي فاطمة بنت أبي حبيش وقد بين ذلك حماد بن زيد وسفيان بن عيينة في حديثهما عن أيوب عن سليمان بن يسار قلت : وكذا هو مبين في " سنن أبي داود " من رواية وهيب عن أيوب كذا في " التنوير "
    ( 4 ) قوله : تهراق قال الباجي : الهاء في " هراق " بدل من همزة " أراق " يقال أراق الماء يريقه وهراقه يهريقه هراقة كذا في " التنوير "
    ( 5 ) منصوب أي تهراق هي الدم وهي منصوبة على التمييز قال الباجي : ويجوز رفعه على تقدير تهراق دماؤها
    ( 6 ) أي في زمانه
    ( 7 ) بأمرها لذلك ففي رواية الدارقطني : فأمرت فاطمة أن تسأل لها
    ( 8 ) وإنما لم تستفت بنفسها للحياء
    ( 9 ) قوله : لتنظر الليالي والأيام ... إلخ احتج به من قال إن المستحاضة المعتادة ترد لعادتها ميزت أم لا وافق تمييزها عادتها أم لا وهو مذهب أبي حنيفة وأحد قولي الشافعي وأشهر الروايتين عن أحمد . وأصح قولي الشافعي وهو مذهب مالك أنها ترد لعادتها إذا لم تكن مميزة وإلا ردت إلى تمييزها ويدل له قوله صلى الله عليه و سلم في حديث فاطمة : " إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف " رواه أبو داود . وأجابوا عن هذا الحديث باحتمال أنه صلى الله عليه و سلم علم أنها غير مميزة فحكم عليها بذلك ولعلها كانت لها أحوال كانت في بعضها مميزة وفي بعضها ليست بمميزة كذا قال الزرقاني
    ( 10 ) قوله : والأيام قد يستنبط منه أن أقل مدة الحيض ثلاثة وأكثرة عشرة لأن أقل ما يطلق عليه لفظ الأيام ثلاثة وأكثره عشرة وأما ما دون ثلاثة فيقال يومان وفوق عشرة يقع التمييز يوما وهو استنباط لطيف لفظي
    ( 11 ) أي في تلك الأيام
    ( 12 ) أي من الاستحاضة
    ( 13 ) قوله : فلتترك الصلاة فيه دلالة على ترك الصلاة للحائض ولا قضاء عليها وهذا أمر إجماعي خلافا للخوارج ذكره ابن عبد البر
    ( 14 ) والصوم ونحوهما
    ( 15 ) أي تركت أيام الحيض التي كانت تعهد وراءها
    ( 16 ) قوله : ثم لتستثفر قال في النهاية : هو أن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطنا وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها هو مأخوذ من ثفر الدابة الذي يجعل تحت ذنبها
    ( 17 ) قوله : وبهذا نأخذ أي بوجوب الغسل مرة عند ذهاب الأيام المعهودة وقال قوم : يجب عليها أن تغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا والمغرب والعشاء غسلا واحدا وللصبح غسلا واحدا وروي مثله عن علي وابن عباس وقال آخرون : تغتسل في كل يوم مرة في أي وقت شاءت روي ذلك عن علي وقال قوم تغتسل من ظهر إلى ظهر ولكل وجهة هو موليها وقد بسط الكلام فيه ابن عبد البر في " التمهيد " وحمل أصحابنا الأخبار الواردة في الغسل لكل صلاة ونحو ذلك على الاستحباب بدليل الأخبار الدالة على كفاية الغسل الواحد
    ( 18 ) ما شاءت من الفرائض والنوافل

    83 - أخبرنا مالك أخبرنا سمي ( 1 ) مولى أبي بكر بن عبد الرحمن أن القعقاع ( 2 ) بن حكيم وزيد بن أسلم أرسلاه ( 3 ) إلى سعيد بن المسيب يسأله عن المستحاضة كيف تغتسل ؟ فقال سعيد : تغتسل من طهر إلى طهر ( 4 ) وتتوضأ لكل صلاة ( 5 ) فإن غلبها الدم استثفرت بثوب ( 6 )
    قال محمد : تغتسل إذا مضت أيام أقرائها ( 7 ) ثم تتوضأ لكل صلاة ( 8 ) وتصلي حتى تأتيها أيام أقرائها فتدع ( 9 ) الصلاة فإذا مضت اغتسلت غسلا واحدا ثم توضأت لكل وقت صلاة وتصلي حتى يدخل الوقت الآخر ( 10 ) ما دامت ترى الدم ( 11 ) وهو قول أبي حنيفة رحمه الله والعامة من فقهائنا
    _________
    ( 1 ) أبو عبد الله القرشي المخزومي المدني وثقه أحمد وأبو حاتم كذا في " الإسعاف "
    ( 2 ) الكناني المدني وثقه أحمد ويحيى وغيرهما كذا في " الإسعاف "
    ( 3 ) فيه جواز إرسال رسول للاستفتاء من العالم وقبول خبر الواحد
    ( 4 ) قوله : من طهر إلى طهر قال ابن سيد الناس : اختلف فيه فمنهم من رواه بالطاء المهملة ومنهم من رواه بالظاء المعجمة وقال ابن العراقي : المروي إنما هو بالإعجام وأما الإهمال فليس رواية مجزوما بها وقال ابن عبد البر : قال مالك : ما أرى الذي حدثني به من ظهر إلا وقد وهم قال أبو عمر : ليس ذلك بوهم لأنه صحيح عن سعيد معروف من مذهبه . وقد رواه كذلك السفيانان عن سمي به بالإعجام وقال الخطابي : ما أحسن ما قاله مالك لأنه لا معنى للاغتسال في وقت صلاة الظهر إلى مثلها من الغد ولا أعلمه قولا لأحد وتعقبه ابن العربي بأن له معنى لأنه إذا سقط لأجل المشقة اغتسالها لكل صلاة فلا أقل من الاغتسال مرة في كل يوم للتنظيف وقال ابن العراقي : قوله لا أعلمه قولا لأحد فيه نظر لأن أبا داود نقله عن جماعة من الصحابة والتابعين كذا في " شرح الزرقاني "
    ( 5 ) قوله : لكل صلاة أي : لوقت كل صلاة فاللام للوقت كما في قوله تعالى : { أقم الصلاة لدلوك الشمس } أي : وقت دلوكها
    ( 6 ) رواه أبو داود بلفظ : " استذفرت بثوب " فقيل : قلب الثاء ذالا وقيل معناه فلتستعمل طيبا
    ( 7 ) قوله : أقرائها بالفتح جمع قرء بالفتح ويجمع على قروء أيضا وهو من الأضداد يقع على الطهر وإليه ذهب الشافعي وأهل الحجاز في قوله تعالى : { ثلاثة قروء } وعلى الحيض وإليه ذهب أبو حنيفة وأهل العراق كذا في " النهاية " لابن الأثير الجزري والمراد هاهنا بأيام أقرائها أيام حيضها كما في حديث : " تدع الصلاة أيام أقرائها "
    ( 8 ) قوله : لكل صلاة أي : لوقت كل صلاة كما مر ويأتي ويصلي ما شاء من الفرائض والنوافل وبه قال الأوزاعي والليث وأحمد ذكره عن أحمد أبو الخطاب في " الهداية " وفي " مغني ابن قدامة " : تتوضأ لكل صلاة وبه قال الشافعي وأبو ثور وقال ابن تيمية : هذه رواية عن أحمد وقال مالك : لا يجب الوضوء على المستحاضة ومن به سلس البول ونحوه وهو قول ربيعة وعكرمة وأيوب وإنما هو مستحب لكل صلاة عنده كذا ذكره العيني في " البناية " وقال ابن عبد البر في " الاستذكار " : ممن أوجب الوضوء لكل صلاة سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والليث والشافعي والأوزاعي . انتهى . وفيه مسامحة حيث سوى بين مذهبي ( في الأصل : " مذاهب " والظاهر : " مذهبي " ) أبي حنيفة والشافعي وليس كذلك كما عرفت . أما الذين قالوا بالوضوء لكل صلاة فاستدلوا بظاهر قوله صلى الله عليه و سلم : توضئي لكل صلاة وصلي " . أخرجه أبو داود في حديث فاطمة بنت أبي حبيش وهو معلق في صحيح البخاري ومخرج في سنن ابن ماجه وصحيح ابن حبان وجامع الترمذي بألفاظ متقاربة وأخرج أبو يعلى والبيهقي عن جابر أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة . وأما أصحابنا فاستندوا بقوله صلى الله عليه و سلم : " المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة " رواه أبو حنيفة . وذكر ابن قدامة في " المغني " في بعض ألفاظ حديث فاطمة : " وتوضئي لوقت كل صلاة " وروى أبو عبد الله بن بطة بإسناده عن حمنة بنت جحش أن النبي صلى الله عليه و سلم أمرها أن تغتسل لوقت كل صلاة كذا ذكره العيني وقالوا : الأول محتمل لاحتمال أن يراد بقوله : " لكل صلاة " وقت كل صلاة والثاني : محكم فأخذنا به وقواه الطحاوي بأن الحدث إما خروج خارج وإما خروج الوقت كما في مسح الخفين ولم نعهد الفراغ من الصلاة حدثا فرجحنا هذا الأمر المختلف فيه إلى الأمر المجمع عليه
    ( 9 ) أي : تترك
    ( 10 ) قوله : حتى يدخل الوقت الآخر ظاهره أن الناقض هو دخول الوقت الآخر فلو توضأت في وقت الصبح ينبغي أن تجوز به الصلاة إلى أن يدخل وقت الظهر لكن المذكور في كتب أصحابنا المعتمدة أن الناقض هو خروج الوقت فحسب عند أبي حنيفة ومحمد ودخوله فحسب عند زفر وأيهما كان عند أبي يوسف
    ( 11 ) أي : المتوالي فإذا ذهب ذلك عاد الحكم المقرر للكل

    84 - أخبرنا مالك أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه قال : ليس على المستحاضة ( 1 ) أن تغتسل إلا غسلا واحدا ( 2 ) ثم تتوضأ ( 3 ) بعد ذلك للصلاة
    _________
    ( 1 ) أي : لا يجب عليها
    ( 2 ) عند القضاء : المدة التي كانت تحيض فيها
    ( 3 ) وجوبا عند الجمهور واستحبابا عند مالك

    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    رد: كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 12:44 pm

    ( باب المرأة ترى الصفرة والكدرة ( 1 ) ( 2 ) )
    85 - أخبرنا مالك أخبرنا علقمة ( 3 ) ( 4 ) بن أبي علقمة عن أمه ( 5 ) مولاة عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلم أنها قالت : كان النساء يبعثن ( 6 ) إلى عائشة بالدرجة ( 7 ) ( 8 ) فيها الكرسف ( 9 ) فيه الصفرة من الحيض فتقول : لا تعجلن ( 10 ) حتى ترين ( 11 ) القصة البيضاء . تريد ( 12 ) بذلك ( 13 ) الطهر من الحيض
    قال محمد : وبهذا نأخذ لا تطهر المرأة ما دامت ترى حمرة أو صفرة أو كدرة ( 14 ) حتى ترى البياض ( 15 ) خالصا وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ( 16 )
    _________
    ( 1 ) بضم الكاف : هي التي لونها كلون الماء الكدر قاله العيني
    ( 2 ) وفي نسخة : أو الكدرة
    ( 3 ) مات سنة بضع وثلاثين ومائة
    ( 4 ) المدني . وثقه أبو داود والنسائي وابن معين واسم أبيه هلال كذا في " الإسعاف "
    ( 5 ) اسمها مرجانة وثقها ابن حبان كذا في " الإسعاف "
    ( 6 ) قوله : كان النساء يبعثن ... إلخ في هذا الحديث من الفوائد :
    جواز معاينة كرسف المرأة للمرأة يؤخذ ذلك من بعثهن الكرسف لرؤية عائشة
    وأنه ينبغي للنساء الاستفتاء في أمورهن من أعلمهن
    وجواز الحياء في مثل هذه الأمور من الرجال إذا لم يحتج إليه ولذلك بعثن الكرسف إلى عائشة لا إلى رجال الصحابة
    وجواز وضع كرسف في ظرف
    وعدم التعجيل في أداء العبادة قبل أوانه بحيث يفوت شرط من شروطه
    وجواز التعليم بالإشارة حيث لم يخل بالمقصود
    وغير ذلك مما لا يخفى على الماهر
    ( 7 ) قوله : بالدرجة بضم دال فسكون حقة تضع المرأة فيها طيبها ونحوه والحقة بالضم : وعاء من خشب وقال الشيخ ابن حجر في " فتح الباري " : الدرجة بكسر أوله وفتح الراء والجيم جمع درج بضم فسكون قال ابن بطال : كذا يرويه أصحاب الحديث وضبطه ابن عبد البر في " الموطأ " بضم وسكون وقال : إنه تأنيث درج
    ( 8 ) المراد ما تحتشي به المرأة من قطنة وغيرها لتعرف هل بقي من أثر الحيض شيء أم لا
    ( 9 ) بضم الكاف والسين المهملة بينهما راء مهملة هو القطن
    ( 10 ) بالتاء والياء خطابا وغيبة
    ( 11 ) قوله : ترين القصة بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة : الجص هي لغة حجاز . وفي الحديث : " الحائض لا تغتسل حتى ترى القصة البيضاء " أي : حتى تخرج القطنة التي تحشى ( في الأصل : " تجيء " والظاهر : " تحشى " ) كأنها جصة لا تخالطها صفرة يعني أفتت عائشة للمستفتيات ( في الأصل : " للمتنقبات " وهو تحريف ) عن وقت الطهارة عن الحيض بأنه لا بد من رؤيتهن القطنة شبيهة بالجصة كذا في " الكواكب الدراري " و " فتح الباري " وذكر العيني في " البناية " أن القصة هي الجصة شبهت عائشة الرطوبة الصافية بعد الحيض بالجص وقيل : القصة شيء يشبه الخيط الأبيض يخرج من قبل النساء في آخر أيامهن يكون علامة لطهرهن
    ( 12 ) أي : عائشة
    ( 13 ) أي : برؤية القصة البيضاء
    ( 14 ) قوله : أو كدرة خرجت قبل الدم أو بعده خلافا لأبي يوسف في كدرة خرجت قبل الدم وبه قال أبو ثور وابن المنذر حكاه العيني
    ( 15 ) قوله : حتى ترى البياض لقول عائشة حتى ترين القصة البيضاء فجعلت علامة الطهر البياض الخالص . فعلم أن ما سواه حيض ومثله لا يعرف إلا سماعا لأنه ليس مما يهتدي إليه العقل
    وقد ذكر ها هنا ثلاثة ألوان وترك ثلاثة أخرى وهي الخضرة والسواد والتربية
    والكل حيض إذا كانت في أيام الحيض عندنا . أما كون الصفرة حيضا فقد ثبت من أثر عائشة . وأما كون السواد حيضا فثبت من قوله صلى الله عليه و سلم لفاطمة : " إذا كانت دم الحيضة فإنه دم أسود يعرف فأمسكي عن الصلاة " . أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما . وأما الحمرة فهي أصل لون الدم ووقع في رواية العقيلي عن عائشة : " دم الحيض أحمر قاني ودم الاستحاضة كغسالة اللحم " ذكره العيني . وأما الخضرة فاختلفوا فيه والصحيح أن المرأة إذا كانت من ذوات الأقراء يكون حيضا وكذا الكدرة والتربية . وعند أبي يوسف الكدرة ليس بحيض إلا بعد الدم
    ( 16 ) قوله : وهو قول أبي حنيفة رأيت في " الاستذكار " : أما قول الشافعي والليث بن سعد فهو أن الصفرة والكدرة لا تعد حيضا وهو قول أبي حنيفة ومحمد . انتهى . وأظن أن كلمة " لا " من زيادة الناسخ

    86 - أخبرنا مالك أخبرنا عبد الله ( 1 ) بن أبي بكر ( 2 ) عن عمته ( 3 ) عن ابنة ( 4 ) زيد بن ثابت : أنه ( 5 ) بلغها ( 6 ) أن ( 7 ) نساء كن يدعون ( 8 ) بالمصابيح ( 9 ) من جوف الليل فينظرن إلى الطهر ( 10 ) فكانت ( 11 ) تعيب ( 12 ) عليهن ( 13 ) وتقول ( 14 ) : ما كان النساء ( 15 ) يصنعن هذا
    _________
    ( 1 ) وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن سعد مات سنة 135 هـ وقيل : سنة 136 هـ كذا في " الإسعاف "
    ( 2 ) ابن محمد بن عمرو بن حزم
    ( 3 ) قوله : عن عمته قال ابن الحذاء : هي عمرة بنت حزم عمة جد عبد الله بن أبي بكر وقيل لها عمته مجازا قلت : لكنها صحابية قديمة روى عنها جابر الصحابي ففي روايتها عن بنت زيد بعد فإن كانت ثابتة فرواية عبد الله عنها منقطعة لأنه لم يدركها ويحتمل أن يكون المراد عمته الحقيقية وهي أم عمرو أو أم كلثوم كذا في " الفتح "
    ( 4 ) قوله : عن ابنة زيد ذكروا أن لزيد من البنات حسنة وعمرة وأم كلثوم وغيرهن . ولم أر الرواية لواحدة إلا لأم كلثوم زوج سالم بن عبد الله بن عمر فكأنها هي المبهمة ها هنا وزعم بعض الشراح أنها أم سعد لأن ابن عبد البر ذكرها في الصحابة . وليس في ذكره لها دليل على المدعى لأنه لم يقل إنها صاحبة هذه القصة كذا في " الفتح "
    ( 5 ) ضمير شأن
    ( 6 ) أي : عمة عبد الله أو ابنة زيد
    ( 7 ) فاعل لبلغ
    ( 8 ) أي : يطلبن
    ( 9 ) السرج
    ( 10 ) أي : إلى ما يدل على الطهر
    ( 11 ) ابنة زيد
    ( 12 ) قوله : تعيب . فإن قلت : لم عابت وفعلهن يدل على حرصهن بالطاعة قلت : لأن فعلهن يقتضي الحرج وهو مذموم لأن جوف الليل ليس إلا وقت الاستراحة كذا في " الكواكب الدراري "
    ( 13 ) قوله : عليهن يحتمل أن يكون العيب لكون الليل لا يتبين به البياض الخالص من غيره فيحسبن أنهن طهرن وليس كذلك فيصلين قبل الطهر
    ( 14 ) قوله : وتقول ما كان النساء ... إلخ تشير إلى أن ما يفعلن لو كان فيه خير لابتدرت إليه نساء الصحابة فإنهن كن ممن يتسارع إلى الخيرات فإذا لم يفعلن علم أنه لا خير فيه وليس في الدين حرج وإنما يجب النظر إلى الطهر إذا حانت الصلاة لا في جوف الليل
    ويستنبط من الحديث جواز العيب على من ابتدع أمرا ليس له أصل وجواز الاستدلال بنفي شيء مع عموم البلوى في زمن الصحابة على عدم كونه خيرا والتنبيه على حسن الاقتداء بالسلف وجواز إسراج السرج بالليل
    ( 15 ) اللام للعهد أي : نساء الصحابة

    26 - ( باب المرأة تغسل بعض أعضاء الرجل وهي حائض )

    87 - أخبرنا مالك أخبرنا نافع : أن ابن عمر كان تغسل جواريه ( 1 ) رجليه ويعطينه الخمرة ( 2 ) وهن حيض ( 3 )
    قال محمد : لا بأس ( 4 ) بذلك وهو قول أبي حنيفة رحمه الله
    _________
    ( 1 ) جمع جارية بمعنى الأمة والبنت ( قوله كان يغسل جواريه رجليه : لعله كان لشغل أو ضعف أو لبيان الجواز إلا أنه يشكل عليه ما تقدم في الوضوء من القبلة أن ابن عمر كان يقول : جسها بيده من الملامسة ويحتمل أنه رضي الله عنه كان يفرق بين ملامسة الرجل المرأة وملامسة المرأة الرجل كما هو مقتضى ألفاظ الأثرين لكن لم أره عند أحد أو يقال : إنه يرى الملامسة الناقضة مقيدة بالشهوة كما هو مذهب بعضهم وإلا فبين عموم الأثرين تعارض كما لا يخفى . أوجز المسالك 1 / 308 )
    ( 2 ) قوله : الخمرة بضم الخاء المعجمة وسكون الميم سجادة صغيرة منسوجة من سعف النخل مأخوذة من الخمر بمعنى التغطية لأنها تغطي جبهة المصلي من الأرض هذا حاصل ما في الضياء . وأغرب ابن بطال حيث قال : فإن كان كبيرا قدر الرجل أو أكبر يقال له حصير لا خمرة . انتهى . وغرابته لا تخفى كذا قال القاري
    ( 3 ) جمع الحائض حيض وحوائض
    ( 4 ) قوله : لا بأس بذلك لأن أعضاء الحائض طاهرة ولذلك لا يكره مضاجعتها ولا الاستمتاع بها بما فوق السرة ولا يكره وضع يدها في شيء من المائعات وغسلها رأس زوجها وترجيله وطبخها وعجنها وغير ذلك من الصنائع . وسؤرها وعرقها طاهران وكل هذا متفق عليه وقد نقل أبو جعفر محمد بن جرير الطبري إجماع المسلمين في ذلك كذا ذكره النووي في " شرح صحيح مسلم "

    88 - أخبرنا مالك ( 1 ) أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : كنت ( 2 ) أرجل ( 3 ) رأس ( 4 ) رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا حائض ( 5 )
    قال محمد : لا بأس بذلك وهو قول أبي حنيفة رحمه الله والعامة من فقهائنا
    _________
    ( 1 ) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي والبخاري من طريق مالك
    ( 2 ) قوله : كنت : في ترجيل عائشة لرأس رسول الله صلى الله عليه و سلم وهي حائض دليل على طهارة الحائض وأنه ليس موضع منها نجسا غير موضع الحيض وفي ترجيله صلى الله عليه و سلم لشعره وسواكه وأخذه من شاربه ونحو ذلك دليل على أنه ليس من السنة والشريعة ما خالف النظافة وحسن الهيئة في اللباس والزينة . ويدل على أن قوله صلى الله عليه و سلم : " البذاذة من الإيمان " أراد به طرح الشهرة في اللباس والإسراف فيه الداعي إلى التبختر والبطر لتصح معاني الآثار ولا تتضاد كذا في " الاستذكار "
    ( 3 ) بضم الهمزة وشدة الجيم : أمشط
    ( 4 ) قوله : رأس أي : شعر رأس فهو من مجاز الحذف ومن إطلاق المحل على الحال مجازا
    ( 5 ) قوله : وأنا حائض فيه تفسير لقوله تعالى : { فاعتزلوا النساء في المحيض } لأن اعتزالهن يحتمل أن يكون بأن لا يجتمع معهن ولا يقربهن ويحتمل أن يكون اعتزال الوطئ خاصة فأتت السنة بما في الحديث أنه أراد به الجماع

    27 - ( باب الرجل يغتسل أو يتوضأ بسؤر المرأة ( 1 ) )
    89 - أخبرنا مالك حدثنا نافع عن ابن عمر أنه قال : لا بأس بأن يغتسل ( 2 ) الرجل بفضل وضوء المرأة ( 3 ) ما لم تكن ( 4 ) جنبا أو حائضا
    قال محمد : لا بأس بفضل وضوء المرأة وغسلها وسؤرها وإن كانت جنبا أو حائضا ( 5 )
    بلغنا أن النبي صلى الله عليه و سلم ( 6 ) كان يغتسل هو وعائشة من إناء واحد ليتنازعان ( 7 ) الغسل ( 8 ) جميعا فهو ( 9 ) فضل غسل المرأة الجنب وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ( 10 )
    _________
    ( 1 ) قوله : بسؤر المرأة بضم السين وهمز العين اسم للبقية من سأر يسأر كفتح يفتح أفضل فضلة ذكره العيني
    ( 2 ) في نسخة : يتوضأ
    ( 3 ) أي : ما فضل من الماء بعدما توضأت المرأة منه
    ( 4 ) قوله : ما لم تكن جنبا أو حائضا يخالفه ما ورد عن عائشة : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم من إناء واحد ونحن جنبان . وورد عنها : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم من إناء واحد فيبادرني حتى أقول : دع لي دع لي ونحن جنبان . وعن أم سلمة : أنها كانت تغتسل ورسول الله صلى الله عليه و سلم من الجنابة . وعن ميمونة : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم اغتسل من فضل ماء اغتسلت به من الجنابة . وعن عائشة : كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه و سلم فيضع فاه على موضع في فيشرب . وأتعرق العرق وأنا حائض ثم أناوله فيضع فاه على موضع في . أخرجها مسلم وأصحاب السنن وغيرهم
    إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على طهارة سؤر الحائض والجنب وطهارة فضل وضوئهما وغسلهما . وقول الصحابي إذا خالف فعل النبي صلى الله عليه و سلم أو قوله فالحجة في المرفوع ويعذر بأنه لعله لم يبلغه ذلك أو ترجح عنده دليل آخر فلذلك أعرض أكثر العلماء في هذا الباب عن قول ابن عمر وأخذوا بالأحاديث المجوزة
    ( 5 ) قوله : وإن كانت جنبا أو حائضا قال العيني في " البناية " : ممن قال بطهارة سؤر الجنب الحسن البصري ومجاهد والزهري ومالك والأوزاعي والثوري وأحمد والشافعي وروي عن النخعي أنه كره فضل شرب الحائض وروى عن جابر أنه سئل عن سؤر الحائض هل يتوضأ منه للصلاة ؟ قال : لا ذكره ابن المنذر في " الإشراف " ( وفي الأصل : " الإشراق " وهو تحريف . ذكر فؤاد سزكين " كتاب الإشراف في اختلاف العلماء على مذاهب أهل العلم على مذاهب الأشراف " لابن المنذر . انظر : تاريخ التراث العربي 2 / 185 )
    ( 6 ) قوله : بلغنا ... إلخ يشير إلى أن تقليد الصحابي واجب وقوله حجة عندنا ما لم ينفه شيء من السنة وقد صرح به ابن الهمام في كتاب الجمعة من " فتح القدير " وها هنا قد نفى قول ابن عمر ورود سنة فالعبرة بالسنة لا به
    ( 7 ) فيبادرها فتقول : دع لي دع لي أخرجه مسلم وفي رواية الطحاوي : ابق لي ابق لي . وفي نسخة : يتنازعان
    ( 8 ) قوله : الغسل بفتح الغين فهو مصدر أي : يتبادران فيه ويجوز أن يكون بضم الغين أي : في مائها أو استعماله
    ( 9 ) في نسخة : فهذا
    ( 10 ) وهو قول الجمهور

    28 - ( باب الوضوء بسؤر الهرة )

    90 - أخبرنا مالك أخبرنا إسحاق ( 1 ) بن عبد الله بن أبي طلحة ( 2 ) أن امرأته حميدة ( 3 ) ( 4 ) ابنة ( 5 ) عبيد بن رفاعة أخبرته عن خالتها ( 6 ) كبشة ( 7 ) ( 8 ) ابنة كعب بن مالك وكانت تحت ابن أبي قتادة ( 9 ) : أن أبا قتادة ( 10 ) أمرها فسكبت ( 11 ) له وضوءا ( 12 ) فجاءت هرة فشربت منه فأصغى ( 13 ) لها الإناء فشربت قالت كبشة : فرآني أنظر ( 14 ) إليه فقال : أتعجبين يا ابنة أخي ( 15 ) ؟ قالت : قلت : نعم قال : إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إنها ليست بنجس ( 16 ) إنها من الطوافين ( 17 ) عليكم و ( 18 ) الطوافات ( 19 )
    قال محمد : لا بأس ( 20 ) بأن يتوضأ بفضل سؤر الهرة وغيره أحب ( 20 ) إلينا منه وهو قول أبي حنيفة ( 21 ) رحمه الله
    _________
    ( 1 ) وثقه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وقال ابن معين : ثقة حجة مات سنة 134 هـ كذا في " الإسعاف "
    ( 2 ) زيد بن سهل الأنصاري
    ( 3 ) الأنصارية الزرقية أم يحيى المدنية وثقها ابن حبان كذا في " الإسعاف "
    ( 4 ) قوله : حميدة بضم الحاء المهملة وفتح الميم عند رواة الموطأ إلا يحيى الليثي فقال : بفتح الحاء وكسر الميم نبه عليه أبو عمر ( في الأصل : " أبو عمرو " وهو تحريف . ) قاله الزرقاني
    ( 5 ) قوله : ابنة عبيد بن رفاعة قال يحيى : بنت أبي عبيدة بن فروة وهو غلط منه وأما سائر رواة الموطأ فيقولون : بنت عبيد بن رفاعة إلا أن زيد بن الحباب قال فيه عن مالك : بنت عبيد بن رافع والصواب رفاعة بن رافع الأنصاري قاله ابن عبد البر
    ( 6 ) قوله : عن خالتها قال ابن مندة : حميدة وخالتها كبشة لا يعرف لهما رواية إلا في هذا الحديث ومحلهما محل الجهالة ولا يثبت هذا الخبر من وجه من الوجوه . ونقل الزيلعي عن تقي الدين بن دقيق العيد : أنه إذا لم يعرف لهما رواية فلعل طريق من صححه أن يكون اعتمد على إخراج مالك لروايتهما مع شهرته بالتثبت . انتهى . وقال العيني : لا نسلم ذلك فإن لحميدة حديثا آخر في تشميت العاطس رواه أبو داود ولها ثالث رواه أبو نعيم ورورى عنها إسحاق بن عبد الله وهو ثقة وأما كبشة فيقال : إنها صحابية فإن ثبت فلا يضر الجهل بها
    ( 7 ) وثقها ابن حبان
    ( 8 ) قوله : كبشة بفتح الكاف والشين المعجمة بينهما موحدة الأنصارية
    قال ابن حبان : لها صحبة . وتبعه ( في الأصل : " تبعها " وهو تحريف ) المستغفري قاله الزرقاني ( مثله في التقريب أيضا 2 / 612 ، وفيه 2 / 595 : " حميدة بنت عبيد بن رفاعة الأنصارية مقبولة " . وفي تهذيب التهذيب 2 / 412 ، ذكرها ابن حبان في الثقات )
    ( 9 ) قوله : ابن أبي قتادة عبد الله بن أبي قتادة المدني الثقة التابعي المتوفى سنة 95 هـ . وقال ابن سعد : تزوجها ثابت بن أبي قتادة فولدت له . وفي رواية ابن المبارك عن مالك : وكانت امرأة أبي قتادة قال ابن عبد البر : وهو وهم منه وإنما هي امرأة ابنه قاله الزرقاني
    ( 10 ) قيل : اسمه الحارث وقيل : النعمان . وقيل : عمرو بن ربعي السلمي شهد أحدا وما بعدها مات سنة 94 هـ كذا في " الإسعاف "
    ( 11 ) قوله : فسكبت قال الرافعي : يقال سكب يسكب سكبا أي : صب فسكب سكوبا أي : انصب
    ( 12 ) الماء الذي يتوضأ به
    ( 13 ) بالغين المعجمة أي : أمال
    ( 14 ) انظر المنكر أو المتعجب
    ( 15 ) من حيث الصحبة لأن أباها صحابي مثله وسلمى من قبيلته
    ( 16 ) قوله : بنجس قرئ بكسر الجيم وقال المنذري ثم النووي ثم ابن دقيق العيد ثم ابن سيد الناس : بفتح الجيم من النجاسة كذا في " زهر الربى على المجتبى "
    ( 17 ) قوله : من الطوافين قال الخطابي : هذا يتأول على وجهين أحدهما أنه شبهها بخدم البيت ومن يطوف على أهله للخدمة ومعالجة المهنة والثاني : أن يكون شبهها بمن يطوف للحاجة والمسألة يريد أن الأجر في مؤاساتها كالأجر في مؤاساة من يطوف للحاجة كذا في " مرقاة الصعود "
    ( 18 ) قوله : والطوافات ورد في بعض الروايات أو الطوافات بكلمة " أو " . قال ابن ملك : هو للشك من الراوي وقال ابن حجر : ليست للشك لوروده بالواو في روايات أخر بل هي للتنويع كذا في " مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح "
    ( 19 ) قوله : الطوافات الطوافون هم بنو آدم يدخل بعضهم على بعض بالتكرار والطوافات هي المواشي التي يكثر وجودها عند الناس مثل الغنم والبقر والإبل جعل النبي صلى الله عليه و سلم الهرة من القبيلتين لكثرة طوافها واختلاطها ( في الأصل : " طوافه واختلاطه " وهو تحريف ) كذا ذكره العيني في " البناية " وفي الحديث من الفوائد :
    جواز استخدام زوجة ابنه
    وإصغاء الإناء للهرة وغيرها من الحيوانات فإن في كل ذات كبد رطبة أجرا كما ورد به الخبر
    وجواز إطلاق ما يطلق على المحارم على امرأة الإبن
    ويستنبط من قوله صلى الله عليه و سلم : " فإنها من الطوافين " عدم نجاسة سؤر جميع سواكن البيوت لوجود هذه العلة فيها
    ( 20 ) قوله : لا بأس لأن سؤر الهرة ليس بنجس فلا بأس بشربه والوضوء منه وهو مذهب عباس وعلي وابن عباس وابن عمر وعائشة وأبي قتادة والحسن والحسين واختلف فيه عن أبي هريرة فروى عطاء عنه : أن الهر كالكلب يغسل منه الإناء سبعا وروى أبو صالح عنه : أن السنور من أهل البيت كذا ذكره ابن عبد البر وقال : لا نعلم أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم روى عنه في الهر أنه لا يتوضأ بسؤره إلا أبا هريرة على اختلاف عنه . انتهى
    قلت : قد علمت ما لم يعلمه فقد أخرج الطحاوي في " شرح معاني الآثار " عن يزيد بن سنان نا أبو بكر الحنفي نا عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر أنه كان لا يتوضأ بفضل الكلب والهر وما سوى ذلك فليس به بأس . وأخرج أيضا عن ابن أبي داود نا الربيع بن يحيى نا شعبة عن واقد بن محمد عن نافع عن ابن عمر أنه قال : لا توضؤوا من سؤر الحمار ولا الكلب ولا السنور . وأما التابعون ومن بعدهم فاختلفوا فيه أيضا بعد اتفاقهم على أن سؤر الهرة ليس بنجس إلا ما يستفاد مما حكاه صاحب " رحمة الأمة في اختلاف الأئمة " عن الأوزاعي والثوري أن سؤر ما لا يؤكل لحمه نجس غير الآدمي فإنه يقتضي أن يكون سؤر الهرة نجسا عندهما . والأحاديث الواردة في ذلك تردهما ومن عداهما بعدما اتفقوا على الطهارة منهم : من كره سؤر الهرة وهو قول أبي حنيفة ومحمد وبه قال طاووس وابن سيرين وابن أبي ليلى ويحيى الأنصاري حكاه عنهم العيني وبه أخذ الطحاوي ( شرح معاني الآثار : 1 / 12 ) حيث روى عن إبراهيم بن مرزوق نا وهب بن جرير نا هشام بن أبي عبد الله عن قتادة عن سعيد قال : إذا ولغ السنور في الإناء فاغسله مرتين أو ثلاثا . ثم روى عن محمد بن خزيمة نا حجاج نا حماد عن قتادة عن الحسن وسعيد بن المسيب في السنور يلغ في الإناء قال أحدهما : يغسله مرة وقال الآخر : يغسله مرتين . ثم روى عن سليمان بن سعيد نا الخصيب بن ناصح ( في الأصل : " الحصب بن نافع " وهو تحريف . وفي " تهذيب التهذيب " 3 / 143 : الخصيب بن ناصح الحارثي البصري ت 208 ) نا هشام عن قتادة قال : كان سعيد بن المسيب والحسن يقولان : اغسل الإناء ثلاثا ثلاثا يعني من سؤر الهرة . ثم روى عن روح العطار نا سعيد بن كثير بن عفير حدثني يحيى أنه سأل يحيى بن سعيد عما لا يتوضأ بفضله من الدواب فقال : الكلب والخنزير والهرة ثم قال بعد ما ذكر دليلا عقليا على الكراهة : فبهذا نأخذ وهو قول أبي حنيفة . انتهى . ومنهم من طهر من غير كراهة وهو قول مالك وغيره من أهل المدينة والليث وغيره من أهل مصر والأوزاعي وغيره من أهل الشام والثوري ومن وافقه من أهل العراق والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد وعلقمة وعكرمة وإبراهيم وعطاء بن يسار والحسن في ما روى عنه الأشعث والثوري في ما روى عنه أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي كذا ذكره ابن عبد البر وبه قال أبو يوسف حكاه العيني والطحاوي وهو رواية عن محمد ذكره الزاهدي في " شرح مختصر القدوري " والطحاوي
    ( 21 ) قوله : أحب ظاهر كلامه أن الكراهة في سؤر الهرة تنزيهية وهو ظاهر كلامه في " كتاب الآثار " حيث روى عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم في السنور يشرب في الإناء قال : هي من أهل البيت لا بأس بشرب فضلها فسألته أيتطهر بفضلها للصلاة ؟ فقال : إن الله قد رخص الماء . ولم يأمره ولم ينهه ثم قال : قال أبو حنيفة : غيره أحب إلي منه وإن توضأ به أجزاه وإن شربه فلا بأس به وبقول أبي حنيفة نأخذ . انتهى
    وبه صرح جمع من أصحابنا فقال الزاهدي في " المجتبى " : الأصح أن كراهة سؤره عندهما كراهة تنزيه وقال أبو يوسف لا يكره وعن محمد مثله . انتهى . وقال يوسف بن عمر الصوفي في " جامع المضمرات " نقلا عن الخلاصة : سؤر حشرات البيت كالحية والفأرة والسنور مكروه كراهة تنزيه وهو الأصح . انتهى
    وفي " البناية " : اختلفوا في تعليل الكراهة فقال الطحاوي : كون كراهة سؤر الهرة لأجل أن لحمها حرام لأنها عدت من السباع وهو أقرب إلى التحريم وقال الكرخي : لأجل عدم تجانبها النجاسة وهو يدل على أن سؤرها مكروه كراهة تنزيه وهو الأصح والأقرب إلى موافقة الحديث . انتهى ملخصا . قلت : لقد صدق في قوله إنه أقرب إلى موافقة الحديث وأشار به إلى أن القول بعدم الكراهة أوفق بالأحاديث : منها حديث أبي قتادة الذي أخرجه مالك ومن طريقه أخرجه الترمذي وقال : حسن صحيح وأبو داود ولفظه : أن أبا قتادة دخل فسكبت له وضوءا فجاءت هرة فشربت منه فأصغى لها الإناء ... الحديث . وابن ماجه ولفظ عن كبشة وكانت تحت بعض ولد أبي قتادة : أنها صبت لأبي قتادة ماء يتوضأ به فجاءت هرة تشرب فأصغى لها الإناء فجعلت أنظر إليه فقال : يا ابنة أخي أتعجبين ؟ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إنها ليست بنجس هي من الطوافين أو الطوافات " . والنسائي والدارمي في سننه وابن حبان في النوع السادس والستين من القسم الثالث من صحيحه والحاكم والدارقطني والبيهقي والشافعي وأبو يعلى وابن خزيمة وابن منده في صحيحهما
    ومنها ما أخرجه أبو داود من طريق داود بن صالح بن دينار التمار عن أمه أن مولاتها أرسلتها بهريسة إلى عائشة فوجدتها تصلي فأشارت إلى أن ضعيها فجاءت هرة فأكلت منها فلما انصرفت أكلت من حيث أكلت الهرة وقالت : إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم " وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يتوضأ بفضلها وأخرجه الدارقطني وقال : تفرد به عبد الرحمن الدراوردي عن داود بن صالح بهذه الألفاظ
    ومنها ما أخرجه الدارقطني من حديث حارثة وقال : إنه لا بأس به عن عمرة عن عائشة قالت : كنت أتوضأ أنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم من إناء واحد وقد أصابت الهرة منه قبل ذلك . وكذلك أخرجه ابن ماجه وأخرجه الخطيب من وجه آخر وفيه سلمة بن المغيرة ضعيف قاله ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي وأخرجه الطحاوي عن عمرة عن عائشة : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه و سلم من الإناء الواحد وقد أصابت الهرة منه قبل ذلك
    ومنها ما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه عن عائشة قالت : إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : " إنها ليست بنجس إنها كبعض أهل البيت " . أخرجه عن سليمان بن مشافع بن شيبة الحجبي قال : سمعت منصور بن صفية بنت شيبة يحدث عن أمه صفية عن عائشة . ورواه الحاكم في " المستدرك " وقال : على شرط الشيخين ورواه الدارقطني بلفظ : كبعض متاع البيت
    ومنها ما أخرجه الطحاوي عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصغي الإناء للهر ويتوضأ بفضلها . وفي إسناده صالح بن حسان البصري المديني متروك قاله العيني . وأخرجه الدارقطني عن يعقوب بن إبراهيم عن عبد ربه بن سعيد عن أبيه عن عروة عن عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم تمر به الهرة فيصغي لها الإناء فتشرب ثم يتوضأ بفضلها وضعف عبد ربه . وعن محمد بن عمر الواقدي نا عبد الحميد بن عمران بن أبي أنس عن أبيه عن عروة عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصغي للهرة الإناء حتى تشرب منه ثم يتوضأ بفضلها . قال ابن الهمام في " فتح القدير " : ضعفه الدارقطني بالواقدي وقال ابن دقيق العيد في " الإمام " : جمع شيخنا أبو الفتح ( هو ابن سيد الناس في كتابه " عيون الأثر " 1 / 17 - 21 ، وقال الإمام ابن الهمام في " فتح القدير " 5 / 49 : الواقدي عندنا حسن الحديث . ولكن انتقد عليه المحدثون . " المغني " 2 / 619 ) ابن سيد الناس في أول كتابه " المغازي والسير " من ضعفه ومن وثقه ورجح توثيقه وذكر الأجوبة عما قيل فيه . انتهى
    ومنها ما أخرجه ابن شاهين في " الناسخ والمنسوخ " من طريق محمد بن إسحاق عن صالح عن جابر كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصغي الإناء للسنور يلغ فيه ثم يتوضأ من فضله ومنها ما أخرجه الطبراني في ( معجمه الصغير ) نا عبد الله بن محمد بن الحسن الأصبهاني نا جعفر بن عنبسة الكوفي نا عمرو بن حفص المكي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن أنس : خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أرض بالمدينة يقال لها بطحان فقال : " يا أنس اسكب لي وضوءا " فسكبت له فلما أقبل أتى الإناء وقد أتى هر فولغ في الإناء فوقف له وقفة حتى شرب الهر ثم سألته فقال : " يا أنس إن الهر من متاع البيت لن يقذر شيئا ولن ينجسه "
    ( 22 ) قوله : وهو قول أبي حنيفة قال ابن نصر ( في الأصل : " أبو نصر المروزي " وهو تحريف . وفي " سير أعلام النبلاء " : 14 / 33 : محمد بن نصر الحجاج المروزي أبو عبد الله ت 294 هـ ) المروزي : خالفه أصحابه فقالوا : لا بأس به . انتهى . قال ابن عبد البر : ليس كذلك وإنما خالفه من أصحابه أبو يوسف وأما محمد وزفر والحسن بن زياد وغيرهم فإنهم يقولون بقول أبي حنيفة ويحتجون لذلك بما يروون عن أبي هريرة وابن عمر أنهما كرها الوضوء بسؤر الهر وهو قول ابن أبي ليلى ولا أعلم لمن كره سؤر السنور حجة أحسن من أنه لم يبلغه حديث قتادة أو لم يصح عنده . انتهى ملخصا
    قلت : الكراهة التنزيهية بسبب غلبة اختلاطها النجاسة لا تنافي حديث أبي قتادة وغيره نعم يشكل الأمر على من اختار كراهة التحريم وأما كراهة التنزيه فأمر سهل

    29 - ( باب الأذان والتثويب ( 1 ) )
    91 - أخبرنا مالك أخبرنا ابن شهاب عن عطاء ( 2 ) بن يزيد الليثي عن أبي سعيد ( 3 ) الخدري ( 4 ) أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إذا سمعتم ( 5 ) النداء ( 6 ) فقولوا ( 7 ) مثل ( 8 ) ما يقول المؤذن ( 9 )
    قال مالك بلغنا ( 10 ) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاءه المؤذن يؤذنه ( 11 ) لصلاة الصبح فوجده نائما فقال المؤذن ( 12 ) : الصلاة خير من النوم فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح
    _________
    ( 1 ) هو الإعلام بعد الإعلام
    ( 2 ) قوله : عطاء المدني من ثقات التابعين ورجال الجميع مات سنة خمس أو سبع ومائة واسم أبيه يزيد كذا في " الإسعاف " و " التقريب " وفي بعض النسخ : زيد
    ( 3 ) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري شهد ما بعد أحد ومات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين وقيل أربع وسبعين كذا في " جامع الأصول "
    ( 4 ) قوله : الخدري بضم الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة نسبة إلى خدرة وهو الأبجر بفتح الألف وسكون الباء الموحدة وفتح الجيم ثم راء مهملة . ابن عوف بن الحارث بن الخزرج وبنو خدرة قبيلة من الأنصار الخزرجيين منسوبة إلى خدرة ومنهم أبو سعيد الخدري كذا في " أنساب " السمعاني
    و " جامع الأصول "
    ( 5 ) قوله : إذا سمعتم ظاهره أنه لو لم يسمع لصمم أو بعد لا إجابة عليه وبه صرح النووي في " شرح المهذب "
    ( 6 ) أي : الأذان سمي به لأنه نداء ودعاء إلى الصلاة
    ( 7 ) قوله : فقولوا استدل به على وجوب إجابة المؤذن حكاه الطحاوي عن قوم من السلف وبه قال الحنفية والظاهرية وابن وهب واستدل الجمهور بحديث مسلم وغيره : أنه صلى الله عليه و سلم سمع مؤذنا فلما كبر قال : على الفطرة فلما تشهد قال : خرج من النار . فلما قال صلى الله عليه و سلم غير ما قال المؤذن علم أن الأمر للاستحباب . وتعقب بأنه ليس في الحديث أنه لم يقل مثل ما قال فيجوز أنه قاله ولم ينقله الراوي اكتفاء بالعادة قاله الزرقاني
    ( 8 ) قوله : مثل ما يقول ظاهره أنه يقول مثله في جميع الكلمات لكن حديث عمر وحديث معاوية في البخاري وغيره دل على أنه يستثنى من ذلك ( حي على الصلاة حي على الفلاح ) فيقول بدلهما : لا حول ولا قوة إلا بالله وهو المشهور عند الجمهور وقال ابن الهمام في " فتح القدير " : الحوقلة في الحيعلتين وإن خالفت ظاهر قوله : فقولوا مثل ما يقول المؤذن لكنه ورد فيه حديث مفسر كذلك عن عمر رواه مسلم . فحملوا ذلك العام على ما سوى هاتين الكلمتين وهو غير جار على قاعدتنا لأن عندنا المخصص الأول ما لم يكن متصلا به لا يخصص بل يعارض فيجري فيه حكم المعارضة أو يقدم العام والحق هو الأول . انتهى
    ثم قال : قد رأينا من مشائخ السلوك من يجمع بينهما ليعمل بالحديثين . انتهى
    قلت : الجمع حسن عملا بالحديثين
    وذكر بعض أصحابنا مكان حي على الفلاح ( ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ) ذكره في " المحيط " وغيره لكن لا أصل له في الأحاديث ولا أعلم من أين اخترعوه وقد نبه على ذلك المحدث عبد الحق الدهلوي في " شرح سفر السعادة "
    ( 9 ) قوله : المؤذن ادعى ابن وضاح أن هذا مدرج وأن الحديث انتهى بقوله : ما يقول . وتعقب بأن الإدراج لا يثبت بمجرد الدعوى كذا في " شرح الزرقاني "
    ( 10 ) قوله : بلغنا قال ابن عبد البر : لا أعلم أنه روي من وجه يحتج به وتعلم صحته وإنما فيه حديث هشام بن عروة عن رجل يقال له إسماعيل لا أعرفه ذكر ابن أبي شيبة : نا عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن رجل يقال له إسماعيل قال : جاء المؤذن يؤذن عمر لصلاة الصبح فقال : الصلاة خير من النوم فأعجب به عمر وقال للمؤذن : أقرها في أذانك . انتهى . ورده الزرقاني بأنه قد أخرجه الدارقطني في السنن من طريق وكيع في مصنفه عن العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر وأخرج أيضا عن سفيان عن محمد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه قال لمؤذنه : إذا بلغت حي على الفلاح في الفجر فقل : الصلاة خير من النوم . انتهى . قلت : وها هنا أخبار وآثار أخر تدل على صحة ما أمر به عمر من تقرير هذه الزيادة في الأذان فذكر ابن أبي شيبة : نا أبو خالد الأحمر عن حجاج عن عطاء كان أبو محذورة يؤذن لرسول الله صلى الله عليه و سلم ولأبي بكر وعمر وكان يقول في أذانه : الصلاة خير من النوم . قال : ونا حفص بن غياث عن طلحة عن سويد عن بلال وعن حجاج عن عطاء عن أبي محذورة : أنهما كانا يثوبان في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم . قال : ونا وكيع عن سفيان عن عمران بن مسلم عن سويد : أنه أرسل إلى مؤذنه إذا بلغت حي على الفلاح فقل : الصلاة خير من النوم فإنه أذان بلال . وذكر ابن المبارك وعبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب : أن بلالا أذن ذات ليلة ثم جاء يؤذن للنبي صلى الله عليه و سلم فنادى الصلاة خير من النوم فأقرت في صلاة الصبح . وفي " شرح معاني الآثار " للطحاوي : كره قوم أن يقال في أذان الصبح الصلاة خير من النوم واحتجوا بحديث عبد الله بن زيد في الأذان الذي أمره رسول الله صلى الله عليه و سلم بتعليمه بلالا وخالفهم في ذلك آخرون فاستحبوا أن يقال ذلك في التأذين وكان من الحجة لهم أنه وإن لم يكن في تأذين عبد الله فقد علمه رسول الله صلى الله عليه و سلم أبا محذورة بعد ذلك وأمره أن يجعله في أذان الصبح : نا علي بن معبد نا روح بن عبادة نا ابن جريج أخبرني عثمان بن السائب عن أم عبد الملك بن أبي محذورة عن أبي محذورة : أن النبي صلى الله عليه و سلم علمه في الأذان الأول من الصبح الصلاة خير من النوم . نا علي نا الهيثم بن خالد نا أبو بكرة بن عياش عن عبد العزيز بن رفيع سمعت أبا محذورة قال : كنت غلاما صبيا فقال لي رسول الله صلى الله عليه و سلم قل : الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم . قال أبو جعفر : فلما علم رسول الله صلى الله عليه و سلم أبا محذورة ذلك كان ذلك زيادة على ما في حديث عبد الله بن زيد ووجب استعمالها وقد استعمل ذلك أصحابه من بعده . نا ابن شيبة نا أبو نعيم نا سفيان عن محمد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر قال : كان في الأذان الأول بعد حي على الفلاح الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم . نا علي بن شيبة نا يحيى بن يحيى نا هيثم عن ابن عون عن محمد بن سيرين عن أنس قال : كان التثويب في صلاة الغداة إذا قال المؤذن حي على الفلاح قال : الصلاة خير من النوم . فهذا ابن عمر وأنس يخبران أن ذلك مما كان المؤذن يؤذن به في أذان الصبح فثبت بذلك ما ذكرناه . وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد . انتهى كلامه . وفي سنن النسائي عن أبي محذورة : كنت أؤذن لرسول الله صلى الله عليه و سلم وكنت أقول في أذان الفجر : حي على الفلاح الصلاة خير من النوم الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله . وفي " معجم الطبراني " عن بلال أنه أتى رسول الله صلى الله عليه و سلم يوما يؤذنه لصلاة الصبح فوجده راقدا فقال : الصلاة خير من النوم مرتين فقال : رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما أحسن هذا يا بلال اجعله في أذانك . وروى ابن خزيمة والبيهقي عن ابن سيرين قال : من السنة أن يقول المؤذن في أذان الفجر حي على الفلاح قال : الصلاة خير من النوم ( قلت : إسناده صحيح . رواه الدارقطني 1 / 243 )
    ( 11 ) أي يخبره من الإيذان أو من التأذين
    ( 12 ) قوله : فقال المؤذن ... إلخ يستنبط من هذا الأثر أمور :
    أحدها : جواز التثويب وهو الإعلام بعد الإعلام لأمراء المؤمنين وبه قال أبو يوسف واستبعده محمد لأن الناس سواسية في أمر الجماعة ويدفع استبعاده بما روي في الصحاح أن بلالا كان يؤذن الفجر ثم يأتي رسول الله صلى الله عليه و سلم على باب الحجرة فيؤذنه بصلاة الصبح وكذا في غير صلاة الفجر . لكن قد يخدش ذلك بما أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة عن مجاهد أن أبا محذورة قال : الصلاة الصلاة فقال عمر : ويحك أمجنون أنت ؟ أما كان في دعائك الذي دعوتنا ما نأتيك ؟ وقد حققت الأمر في هذه المسألة في رسالتي " التحقيق العجيب في التثويب "
    وثانيها : جواز النوم بعد طلوع الصبح أحيانا
    وثالثها : كون الصلاة خير من النوم في نداء الصبح
    ورابعها : كون ذلك بأمر عمر . وقد يستشكل هذا بأن دخوله في نداء الصبح كان بأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم لبلال وكان ذلك شائعا في أذان بلال وأذان أبي محذورة وغيرهما من المؤذنين في عصر رسول الله صلى الله عليه و سلم كما هو مخرج في سنن ابن ماجه وجامع الترمذي وأبي داود ومعجم الطبراني ومعاني الآثار وغيرهما وقد فصلته في رسالتي المذكورة فما معنى جعله في نداء الصبح بأمر عمر ؟ وأجيب عنه بوجوه : أحدها : أنه من ضروب الموافقة ذكره الطيبي في " حواشي المشكاة : ورده علي القاري بأن هذا كان في زمان خلافة عمر ويبعد عدم وصوله إليه سابقا
    وثانيها : أنه لعله بلغه ثم نسيه فأمره وفيه بعد أيضا
    وثالثها : أن معنى أمره أن يجعلها في نداء الصبح أن يبقيها فيه ولا يجاوزها إلى غيره . قال ابن عبد البر : المعنى فيه عندي والله أعلم أنه قال : اجعل هذا في الصبح لا ها هنا كأنه كره أن يكون نداء الفجر عند باب الأمير كما أحدثه الأمراء وإنما حملني على هذا التأويل وإن كان الظاهر من الخبر خلافه لأن قول المؤذن الصلاة خير من النوم أشهر عند العلماء والعامة من أن يظن بعمر أنه جهل ما سن رسول الله صلى الله عليه و سلم وأمر به مؤذنه بالمدينة بلالا وبمكة أبا محذورة

    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    رد: كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 12:46 pm

    - أخبرنا مالك أخبرنا نافع عن ابن عمر : أنه كان يكبر في النداء ( 1 ) ثلاثا ( 2 ) ويتشهد ثلاثا وكان أحيانا ( 3 ) إذا قال حي على الفلاح قال على إثرها ( 4 ) حي على خير العمل ( 5 )
    قال محمد : الصلاة خير من النوم يكون ذلك في نداء الصبح بعد الفراغ ( 6 ) من النداء ولا يجب ( 7 ) أن يزاد في النداء ما لم يكن منه ( 8 )
    _________
    ( 1 ) أي : الأذان
    ( 2 ) قوله : ثلاثا اختلفت الروايات في عدد التكبير والتشهد ففي بعضها ورد التكبير في ابتداء الأذان أربع مرات وفي بعضها مرتين والأول هو المشهور في بدء الأذان وأذان بلال وغيره وبه قال الجمهور والشافعي وأحمد وأبو حنيفة ومالك اختار الثاني
    وأما الشهادتان فورد في المشاهير أن كلا منهما مرتين مرتين وبه أخذ أبو حنيفة ومن وافقه وورد في أذان أبي محذورة الترجيع وهو أن يخفض صوته بهما ثم يرفع وبه أخذ الشافعي ومن وافقه وأما فعل ابن عمر من تثليث التشهد والتكبير فلم أطلع له في المرفوع أصلا ولعله لبيان الجواز
    ( 3 ) فيه إشارة إلى أنه ليس بسنة بل هو لبيان الجواز
    ( 4 ) بكسر الهمزة أي : على عقبها
    ( 5 ) قوله : حي على خير العمل أخرجه البيهقي كذلك عن عبد الوهاب بن عطاء عن مالك عن نافع وعن الليث بن سعد عن ابن عمر : أنه كان إذا قال حي على الفلاح قال على إثرها : حي على خير العمل قال البيهقي : لم يثبت هذا اللفظ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في ما علم بلالا ولا أبا محذورة ونحن نكره الزيادة فيه . وروى البيهقي أيضا عن عبد الله بن محمد بن عمار وعمر ابني سعد بن عمر بن سعد عن آبائهم عن أجدادهم عن بلال : أنه كان ينادي بالصبح فيقول : حي على خير العمل فأمره رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجعل مكانها الصلاة خير من النوم وترك حي على خير العمل . قال ابن دقيق العيد : رجاله مجهولون يحتاج إلى كشف أحوالهم كذا في " تخريج أحاديث الهداية " للزيلعي . وقال النووي في " شرح المهذب " : يكره أن يقال في الأذان : حي على خير العمل لأنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم والزيادة في الأذان مكروهة عندنا . انتهى . وفي " منهاج السنة " لأحمد بن عبد الحليم الشهير بابن تيمية : هم أي الروافض زادوا في الأذان شعارا لم يكن يعرف على عهد النبي صلى الله عليه و سلم وهي حي على خير العمل وغاية ما ينقل إن صح النقل أن بعض الصحابة كابن عمر كان يقول ذلك أحيانا على سبيل التوكيد كما كان بعضهم يقول بين النداءين : حي على الصلاة حي على الفلاح وهذا يسمى نداء الأمراء وبعضهم يسميه التثويب ورخص فيه بعضهم وكرهه أكثر العلماء ورووا عن عمر وابنه وغيرهما كراهة ذلك ونحن نعلم بالاضطرار أن الأذان الذين كان يؤذنه بلال وابن أم مكتوم في مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمدينة وأبو محذورة بمكة وسعد القرظي في قباء لم يكن في آذانهم هذا الشعار الرافضي ولو كان فيه لنقله المسلمون ولم يهملوه كما نقلوا ما هو أيسر منه فلما لم يكن في الذين نقلوا الأذان من ذكر هذه الزيادة علم أنها بدعة باطله وهؤلاء الأربعة كانوا يؤذنون بأمر النبي صلى الله عليه و سلم ومنه تعلموا الأذان وكانوا يؤذنون في أفضل المساجد مسجد مكة والمدينة ومسجد قباء وأذانهم متواتر عند العامة والخاصة . انتهى كلامه
    ( 6 ) قوله : بعد الفراغ من النداء فيه أنه قد ثبت هذه الزيادة في الأذان بأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم وتعارف ذلك المؤذنون من غير نكير ففي حديث أبي محذورة في قصة تعليم النبي صلى الله عليه و سلم الأذان له قال فيه : إذا كنت في أذان الصبح فقلت : حي على الفلاح فقل : الصلاة خير من النوم مرتين . أخرجه أبو داود وابن حبان مطولا وفي سنده محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة وهو غير معروف الحال والحارث بن عبيد وفيه مقال . وقال بقي بن مخلد : نا يحيى بن عبد الحميد نا أبو بكر بن عياش ثني عبد العزيز بن رفيع سمعت أبا محذورة يقول : كنت غلاما صبيا أذنت بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم الفجر يوم حنين فلما انتهيت إلى حي على الفلاح قال : ألحق فيها الصلاة خير من النوم . ورواه النسائي من وجه آخر وصححه ابن حزم . وروى الترمذي وابن ماجه وأحمد من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " لا تثوبن في شيء من الصلاة إلا صلاة الفجر " . وفي سنده الملائي وهو ضعيف مع الانقطاع بين عبد الرحمن وبلال . ورواه الدارقطني من طريق آخر عن عبد الرحمن وفيه أبو سعد البقال ( في نسخة : " أبو سعيد البقال " وهو تحريف . وهو سعيد بن المرزبان العبسي أبو سعد البقال الكوفي ت 140 هـ . انظر : " تهذيب التهذيب " 4 / 79 ) وهو ضعيف . وروى ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي عن أنس قال : من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر : حي على الفلاح قال : الصلاة خير من النوم . وصححه ابن السكن ولفظه : كان التثويب في صلاة الغداة إذا قال المؤذن : حي على الفلاح . وروى ابن ماجه من حديث ابن المسيب عن بلال قال : أنه أتى النبي صلى الله عليه و سلم يؤذنه لصلاة الفجر فقيل هو نائم فقال : الصلاة خير من النوم مرتين فأقرت في تأذين الفجر فثبت الأمر على ذلك . وفيه انقطاع مع ثقة رجاله . وذكره ابن السكن من طريق آخر عن بلال وهو في معجم الطبراني من طريق الأزدي عن حفص بن عمر عن بلال وهو منقطع أيضا . ورواه البيهقي في " المعرفة " من هذا الطريق فقال : عن الزهري عن حفص بن عمر بن سعد المؤذن : أن سعدا كان يؤذن قال حفص : فحدثني أهلي أن بلالا فذكره . وروى ابن ماجه عن سالم عن أبيه قصة اهتمامهم بما يجمعون به الناس قبل أن يشرع الأذان وفي آخره زاد بلال في نداء صلاة الغداة الصلاة خير من النوم فأقرها رسول الله صلى الله عليه و سلم . وإسناده ضعيف جدا . وروى السراج والطبراني والبيهقي من حديث ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر قال : كان الأذان الأول بعد حي على الفلاح الصلاة خير من النوم مرتين وسنده حسن . هذا ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني في " تخريج أحاديث شرح الرافعي " ( 1 / 201 )
    وفي الباب أخبار وآثار أخر قد مر نبذ منها فيثبت بضم بعضها ببعض - وإن كان طرق بعضها ضعيفة - كون هذه الزيادة في أذان الصبح لا بعده هو مذهب الكافة
    ( 7 ) قوله : ولا يجب هكذا بالجيم في الأصل والمعنى لا ينبغي والظاهر أنه تصحيف " لا يحب " أي : لا يستحسن كذا قال القاري
    ( 8 ) قوله : ما لم يكن منه يشير إلى حديث " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وكأنه أشار إلى أن الصلاة خير من النوم ليس من الأذان أو إلى أن حي على خير العمل ليس من الأذان أي : من الأذان المعروف بين مؤذني رسول الله صلى الله عليه و سلم المأثور عنه فإن كان المراد هو الأول كما يقتضيه ضم جملة ولا يجب ... إلخ بقوله : يكون في نداء الصبح بعد الفراغ من النداء فقد عرفت ما فيه من أن زيادة الصلاة خير من النوم وإن لم تكن في حديث بدء الأذان لكنها ثبت الأمر بها بعد ذلك فليست زيادته زيادة ما ليس منه . وإن كان المراد هو الثاني وهو الأولى بأن يجعل قوله ولا يجب إلى آخره بيانا لعدم زيادة حي على خير العمل فيخدشه ما أخرجه الحافظ أبو الشيخ بن حيان ( في الأصل : " ابن حبان " وفي " سير أعلام النبلاء " 16 / 267 ، و " طبقات الحفاظ " ص 381 : " ابن حيان " هو أبو محمد عبد الله بن جعفر بن حيان الأصبهاني المعروف بأبي الشيخ ت 369 هـ ) في كتاب " الأذان " عن سعد القرظ قال : كان بلال ينادي بالصبح فيقول : حي على خير العمل فأمره رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يجعل مكانها الصلاة خير من النوم وترك حي على خير العمل . ذكره الشيخ عبد الحق الدهلوي في " فتح المنان " وقد مر من رواية البيهقي مثله وذكر نور الدين علي الحلبي في كتابه " إنسان العيون في سيرة النبي المأمون " نقل عن ابن عمر وعن علي بن الحسين أنهما كانا يقولان في أذانهما بعد حي على الفلاح حي على خير العمل . انتهى . فإن هذه الأخبار تدل على أن لهذه الزيادة أصلا في الشرع فلم تكن مما ليس منه ويمكن أن يقال : إن رواية البيهقي وأبي الشيخ قد تكلم في طريقهما فإن كانت ثابتة دلت على هجران هذه الزيادة وإقامة الصلاة خير من النوم مقامه فصارت بعد تلك الإقامة مما ليس منه وأما فعل ابن عمر وغيره فلم يكن دائما بل أحيانا لبيان الجواز ولو ثبت عن واحد منهما دوامه أو عن غيرهما فالأذان المعروف عن مؤذني رسول الله صلى الله عليه و سلم الثابت بتعليمه الخالي عن هذه الزيادة يقدم عليه فافهم فإن المقام حقيق بالتأمل

    30 - ( باب المشي إلى الصلاة وفضل المساجد )

    93 - أخبرنا مالك حدثنا علاء بن عبد الرحمن ( 1 ) بن يعقوب عن أبيه ( 2 ) أنه سمع أبا هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إذ ثوب بالصلاة ( 3 ) فلا تأتوها تسعون ( 4 ) وأتوها وعليكم السكينة ( 5 ) فما أدركتم ( 6 ) فصلوا وما فاتكم ( 7 ) فأتموا ( 8 ) فإن أحدكم في صلاة ما كان ( 9 ) يعمد ( 10 ) إلى الصلاة
    قال محمد : لا تعجلن ( 11 ) بركوع ولا افتتاح حتى تصل ( 12 ) إلى الصف وتقوم فيه وهو قول أبي حنيفة رحمه الله
    _________
    ( 1 ) هو تابعي كابنه
    ( 2 ) هو عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني قال النسائي : ليس به بأس . وابنه العلاء أبو شبل - بالكسر - المدني صدوق كذا في " الإسعاف " و " التقريب "
    ( 3 ) قوله : إذا ثوب أي : أقيم وأصل ثاب رجع يقال : ثاب إلى المريض جسمه فكأن المؤذن رجع إلى ضرب من الأذان للصلاة وقد جاء هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ : " إذا أقيمت الصلاة " وهو يبين أن التثويب ها هنا الإقامة وهي رواية الصحيحين من وجه آخر عن أبي هريرة وفي رواية لهما أيضا : " إذا سمعتم الإقامة " . وهي أخص من قوله في حديث أبي قتادة عندهما أيضا : " إذا أتيتم الصلاة "
    ( 4 ) قوله : تسعون السعي ها هنا المشي على الأقدام بسرعة والاشتداد فيه وهو مشهور في اللغة ومنه السعي بين الصفا والمروة وقد يكون السعي في كلام العرب العمل بدليل قوله تعالى : { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها } وقوله تعالى : { إن سعيكم لشتى } ونحو هذا كثير قاله ابن عبد البر
    ( 5 ) بالرفع على أنها جملة في موضع الحال وضبطه القرطبي بالنصب على الإغراء
    ( 6 ) قوله : فما أدركتم فصلوا جواب شرط محذوف أي : إذا فعلتم ما أمرتكم به من السكينة فما أدركتم ... إلخ
    ( 7 ) قوله : وما فاتكم فأتموا قال الحازمي في كتاب " الناسخ والمنسوخ " : أخبرنا محمد بن عمر بن أحمد الحافظ أنا الحسن بن أحمد القاري أنا أبو نعيم نا سليمان بن أحمد نا أبو زرعة نا يحيى بن صالح نا فليح عن زيد بن أبي أنيسة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال : كنا نأتي الصلاة أو يجيء رجل وقد سبق بشيء من الصلاة أشار إليه الذي يليه : قد سبقت بكذا وكذا فيقضي قال : فكنا بين راكع وساجد وقائم وقاعد فجئت يوما وقد سبقت ببعض الصلاة وأشير إلي بالذي سبقت به فقلت : لا أجده على حال إلا كنت عليها فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه و سلم قمت وصليت فاستقبل رسول الله صلى الله عليه و سلم على الناس وقال : من القائل كذا وكذا قالوا : معاذ بن جبل فقال : " قد سن لكم معاذ فاقتدوا به إذا جاء أحدكم وقد سبق بشيء من الصلاة فليصل مع الإمام بصلاته فإذا فرغ الإمام فليقض ما سبقه به " . قال الشافعي : إذا سبق الإمام الرجل الركعة فجاء الرجل فركع تلك الركعة لنفسه ثم دخل مع الإمام في صلاته حتى يكملها فصلاته فاسدة وعليه أن يعيد الصلاة ولا يجوز أن يبتدئ الصلاة لنفسه ثم يأتم بغيره وهذا منسوخ قد كان المسلمون يصنعونه حتى جاء عبد الله بن مسعود أو معاذ بن جبل وقد سبقه النبي صلى الله عليه و سلم بشيء من الصلاة فدخل معه ثم قام يقضي فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " إن ابن مسعود - أو معاذا - سن لكم فاتبعوها "
    ( 8 ) قوله : فأتموا فيه دليل على أن ما أدركه فهو أول صلاته وقد ذكر في " التمهيد " من قال في هذا الحديث " فاقضوا "
    وهذان اللفظان تأولهما العلماء في ما يدركه المصلى من صلاته مع الإمام هل هو أول صلاته أو آخرها ؟ ولذلك اختلفت أقوالهم فيها ( أوجز المسالك 2 / 12 ) فأما مالك فاختلفت الرواية عنه فروى سحنون عن جماعة من أصحاب مالك عنه أن ما أدراك فهو أول صلاته ويقضي ما فاته وهذا هو المشهور من مذهبه وهو قول الأوزاعي والشافعي ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل وداود والطبري وروى أشهب عن مالك أن ما أدرك فهو آخر صلاته وهو قول أبي حنيفة والثوري والحسن بن حي وذكر الطحاوي عن محمد عن أبي حنيفة أن الذي يقضى هو أول صلاته ولم يحك خلافا . وأما السلف فروي عن عمر وعلي وأبي الدرداء : ما أدركت فاجعله آخر صلاتك وليست الأسانيد عنهم بالقوية وعن ابن عمر ومجاهد وابن سيرين مثل ذلك وصح عن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ما أدركت فاجعله أول صلاتك واحتج القائلون بأن ما أدرك فهو أول صلاته بقوله صلى الله عليه و سلم : " ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " قالوا : والتمام هو الآخر واحتج الآخرون بقوله : " وما فاتكم فاقضوا " فالذي يقضيه هو الفائت كذا في " الاستذكار "
    ( 9 ) قوله : ما كان يعمد إلى الصلاة يدل على أن الماشي إلى الصلاة كالمنتظر لها وهما من الفضل سواء بالمصلي إن شاء الله تعالى على ظاهر الآثار وهذا يسير في فضل الله ورحمته لعباده كما أنه من غلبه نوم عن صلاة كانت عادة له كتب له أجر صلاة وكان نومه عليه صدقة كذا قال ابن عبد البر
    ( 10 ) بكسر الميم أي : يقصد
    ( 11 ) أيها المصلي
    ( 12 ) قوله : حتى تصل إلى الصف وتقوم فيه استنبط من النهي عن الإتيان ساعيا وكون عامد الصلاة في الصلاة من حيث الثواب وذلك لأن العجلة في الاشتراك قبل الوصول إلى الصف يفوت كثرة الخطا وامتداد زمان العمد إلى الصلاة مع لزوم قيامه خلف صف مع غير إتمامه وقد ورد فيه نص صريح هو ما أخرجه البخاري وغيره عن أبي بكرة أنه دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه و سلم راكع فركع دون الصف ثم دب حتى انتهى إلى الصف فلما سلم قال : " إني سمعت نفسا عاليا فأيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف فقال أبو بكرة : أنا يا رسول الله خشيت أن تفوتني الركعة فركعت دون الصف ثم لحقت بالصف فقال النبي صلى الله عليه و سلم : " زادك الله حرصا ولا تعد " . قال الزيلعي في " تخريج أحاديث الهداية " : إرشاد إلى المستقبل بما هو أفضل منه ولو لم يكن مجزئا لأمره بالإعادة والنهي إنما وقع عن السرعة والعجلة إلى الصلاة كأنه أحب له أن يدخل الصف ولو فاتته الركعة ولا يعمل بالركوع دون الصف يدل عليه ما رواه البخاري في كتابه المفرد في " القراءة خلف الإمام " : ولا تعد صل ما أدركت واقض ما سبقت . فهذه الزيادة دلت على ذلك ويقويها حديث : وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا

    94 - أخبرنا مالك حدثنا نافع : أن ابن عمر سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي ( 1 )
    قال محمد : وهذا ( 2 ) لا بأس به ما لم يجهد نفسه ( 3 )
    _________
    ( 1 ) قوله : فأسرع المشي وروي عنه أنه كان يهرول إلى الصلاة وعن ابن مسعود أنه قال : لو قرأت : { فاسعوا إلى ذكر الله } لسعيت حتى يسقط ردائي وكان يقرأ : { فامضوا إلى ذكر الله } وهي قراءة عمر أيضا . وعن ابن مسعود أيضا : أحق ما سعينا إليه الصلاة . وعن الأسود بن يزيد وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن يزيد أنهم كانوا يهرولون إلى الصلاة
    فهؤلاء كلهم ذهبوا إلى أن من خاف فوت الوقت سعى ومن لم يخف مشى على هيأة وقد روي عن ابن مسعود خلاف ذلك أنه قال : إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا وروى عنه أبو الأحوص أنه قال : لقد رأيتنا وإنا لنقارب بين الخطا . وروى ثابت عن أنس قال : خرجت مع زيد بن ثابت إلى المسجد فأسرعت المشي فحبسني . وعن أبي ذر قال : إذا أقيمت الصلاة فامش إليها كما كنت تمشي فصل ما أدركت واقض ما سبقك
    وهذه الآثار كلها مذكورة بطرقها في " التمهيد " وقد اختلف السلف في هذا الباب كما ترى وعلى القول بظاهر حديث النبي صلى الله عليه و سلم في هذا الباب جمهور العلماء وجماعة الفقهاء كذا في " الاستذكار "
    ( 2 ) أي الإسراع
    ( 3 ) قوله : ما لم يجهد نفسه أي : لا يكلف نفسه ولا يحمل عليه مشقة ويشير بقوله لا بأس به إلى الجواز وإلى أن النهي عن الإتيان ساعيا في الحديث المرفوع ليس نهي تحريم بل نهي استحباب إرشادا إلى الأليق الأفضل

    95 - أخبرنا مالك أخبرنا سمي ( 1 ) أنه سمع أبا بكر ( 2 ) يعني ابن عبد الرحمن ( 3 ) يقول : من غدا ( 4 ) أو راح ( 5 ) إلى المسجد لا يريد غيره ليتعلم خيرا أو يعلمه ثم رجع إلى بيته الذي خرج منه كان ( 6 ) كالمجاهد في سبيل الله رجع ( 7 ) غانما
    _________
    ( 1 ) مولى أبي بكر
    ( 2 ) قوله : أبا بكر قيل اسمه محمد وقيل : أبو بكر وكنيته أبو عبد الرحمن والصحيح أن اسمه وكنيته واحد وكان مكفوفا وثقه العجلي وغيره مات سنة 93 هـ كذا في " الإسعاف "
    ( 3 ) ابن الحارث بن هشام
    ( 4 ) ذهب وقت الغداة أول النهار
    ( 5 ) من الزوال
    ( 6 ) في الثواب
    ( 7 ) إلى بيته بعد الفراغ من الجهاد وأخذ الغنيمة

    31 - ( باب الرجل يصلي وقد أخذ ( 1 ) المؤذن في الإقامة )
    96 - أخبرنا مالك أخبرنا شريك ( 2 ) بن عبد الله بن أبي نمير ( 3 ) أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال ( 4 ) : سمع قوم ( 5 ) الإقامة فقالوا يصلون فخرج عليهم النبي صلى الله عليه و سلم فقال : أصلاتان ( 6 ) معا ( 7 ) ؟
    قال محمد : يكره ( 8 ) إذا أقيمت الصلاة أن يصلي الرجل تطوعا ( 9 ) غير ركعتي الفجر ( 10 ) خاصة فإنه لا بأس بأن يصليهما الرجل ( 11 ) إن ( 12 ) أخذ المؤذن في الإقامة وكذلك ينبغي وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ( 13 )
    _________
    ( 1 ) أي شرع
    ( 2 ) قوله : شريك بن عبد الله بن أبي نمر أبو عبد الله المدني وثقه ابن سعد وأبو داود وقال ابن معين والنسائي : لا بأس به وقال ابن عدي : إذا روى عنه ثقة فلا بأس به كذا في " هدي ( في الأصل : " الهدي الساري " وهو تحريف ) الساري " مقدمة " فتح الباري " للحافظ ابن حجر
    ( 3 ) قوله : أبي نمير بضم النون وفتح الميم مصغرا كذا وجدناه في بعض النسخ وفي نسخة يحيى " أبي نمر " وضبطه الزرقاني بفتح النون وكسر الميم
    ( 4 ) قوله : قال ابن عبد البر لم يختلف الرواة عن مالك في إرسال هذا الحديث إلا الوليد بن مسلم فإنه رواه عن مالك عن شريك عن أنس . ورواه الدراوردي عن شريك فأسنده عن أبي سلمة عن عائشة . ثم أخرجه ابن عبد البر من الطريقين وقال : قد روي هذا الحديث بهذا المعنى من حديث عبد الله بن سرجس وابن بحينة وأبي هريرة
    ( 5 ) أي : بعض من كان في المسجد النبوي
    ( 6 ) قوله : أصلاتان معا قال ابن عبد البر : قوله هذا وقوله في حديث ابن بحينة : " أتصليهما أربعا " وفي حديث ابن سرجس : " أيتهما صلاتك " كل هذا إنكار منه لذلك الفعل
    ( 7 ) أي : أتجمعون الصلاتين معا
    ( 8 ) قوله : يكره لما أخرجه مسلم وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعا : " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " وفي رواية للطحاوي : " إلا التي أقيمت لها " وفي رواية ابن عدي قيل : يا رسول الله ولا ركعتي الفجر ؟ قال : ولا ركعتي الفجر وإسناده حسن قاله الزرقاني . وقد يعارض هذه الزيادة بما روي : " إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة إلا ركعتي الصبح " لكنه من رواية عباد بن كثير وحجاج بن نصير وهما ضعيفان ذكره الشوكاني
    ( 9 ) أي : نفلا أو سنة فإن الكل يسمى تطوعا لكونه زائدا على الفرائض
    ( 10 ) قوله : غير ركعتي الفجر أي : الركعتين اللتين تصليان قبل فرض الصبح لما روي عن عبد الله بن أبي موسى عن أبيه : دعا سعيد بن العاص أبا موسى وحذيفة وابن مسعود قبل أن يصلي الغداة فلما خرجوا من عنده أقيمت الصلاة فجلس عبد الله بن مسعود إلى أسطوانة من المسجد يصلي ركعتين ثم دخل المسجد ودخل في الصلاة . وعن أبي مخلد : دخلت مع ابن عمر وابن عباس والإمام يصلي فأما ابن عمر فقد دخل في الصف وأما ابن عباس فصلى ركعتين ثم دخل مع الإمام فلما سلم الإمام قعد ابن عمر فلما طلعت الشمس ركع ركعتين . وعن محمد بن كعب : خرج ابن عمر من بيته فأقيمت صلاة الصبح فركع ركعتين قبل أن يدخل المسجد وهو في الطريق ثم دخل المسجد فصلى الصبح مع الناس . وعن زيد بن أسلم أن ابن عمر جاء والإمام يصلي صلاة الصبح ولم يكن صلى الركعتين قبل صلاة الصبح فصلاهما في حجرة حفصة ثم صلى مع الإمام . وعن أبي الدرداء : أنه كان يدخل المسجد والناس صفوف في صلاة الفجر فيصلي الركعتين في ناحية ثم يدخل مع القوم في الصلاة . أخرج هذه الآثار الطحاوي في " شرح معاني الآثار " وأخرج أيضا عن مسروق وأبي عثمان النهدي والحسن إجازة أداء ركعتي الفجر إذا أقيمت الصلاة . وذكر أن معنى فلا صلاة إلا المكتوبة : النهي عن أداء التطوع في موضع الفرض فإنه يلزم حينئذ الوصل وبسط الكلام فيه . لكن لا يخفى على الماهر أن ظاهر الأخبار المرفوعة هو المنع من ذلك حديث أبي سلمة المذكور في الكتاب فإن القصة المذكورة فيه قد وقعت في صلاة الصبح كما صرح به الشراح ووقع في موطأ يحيى بعد هذه الرواية : وذلك في صلاة الصبح في الركعتين اللتين قبل الصبح . ومن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن مالك بن بحينة : مر النبي صلى الله عليه و سلم برجل وقد أقيمت الصلاة يصلي ركعتين فلما انصرف لاث به الناس فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : آلصبح أربعا ؟ آلصبح أربعا ؟ قال القسطلاني : الرجل هو عبد الله الراوي كما عند أحمد بلفظ : أن النبي صلى الله عليه و سلم مر به وهو يصلي . ولا يعارضه ما عند ابن حبان وابن خزيمة أنه ابن عباس لأنهما واقعتان . انتهى
    وأخرج الطحاوي عن عبد الله بن سرجس أن رجلا جاء ورسول الله صلى الله عليه و سلم في صلاة الصبح فركع ركعتين خلف الناس ثم دخل مع النبي صلى الله عليه و سلم فلما قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم صلاته قال : يا فلان أجعلت صلاتك التي صليت معنا أو التي صليت وحدك ؟ وكذلك أخرجه أبو داود وغيره . وحمل الطحاوي هذه الأخبار على أنهم صلوا في الصفوف لا فصل بينهم وبين المصلين بالجماعة فلذلك زجرهم النبي صلى الله عليه و سلم لكنه حمل من غير دليل معتد به بل سياق بعض الروايات يخالفه
    ( 11 ) خارج المسجد أو في ناحية المسجد خارج الصفوف
    ( 12 ) وصلية
    ( 13 ) وبه قال أبو يوسف ذكره الطحاوي

    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    رد: كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 12:47 pm

    - ( باب تسوية ( 1 ) الصف ( 2 ) )
    97 - أخبرنا مالك أخبرنا نافع عن ابن عمر : أن عمر بن الخطاب كان يأمر ( 3 ) رجالا ( 4 ) بتسوية الصفوف فإذا جاؤوه فأخبروه بتسويتها كبر ( 5 ) بعد
    _________
    ( 1 ) هو اعتدال القامة بها على سمت واحد ( ويستحب للإمام تسوية الصفوف كذا في المغني 1 / 458 ، ولعله متفق عند الكل ويكره تركها وراجع للتفصيل فتح الباري 2 / 175 ، وعمدة القاري 2 / 789 )
    ( 2 ) قوله : تسوية الصف قال ابن حزم بوجوب تسوية الصفوف لقول النبي صلى الله عليه و سلم : " لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم " متفق عليه لكن ما رواه البخاري : " سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة " يصرفه إلى السنة وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك
    ( 3 ) قوله : كان يأمر قال الباجي : مقتضاه أنه وكل من يسوي الناس في الصفوف وهو مندوب
    ( 4 ) أي : من أصحابه
    ( 5 ) أي قال : الله أكبر

    98 - أخبرنا مالك أخبرنا أبو سهيل بن مالك ( 1 ) وأبو النضر مولى عمر بن عبيد الله عن مالك بن أبي عامر الأنصاري ( 2 ) : أن عثمان بن عفان كان يقول في خطبته : إذا قامت الصلاة فاعدلوا ( 3 ) الصفوف وحاذوا ( 4 ) بالمناكب فإن اعتدال الصفوف من تمام الصلاة ( 5 ) . ثم لا يكبر حتى يأتيه رجال قد وكلهم ( 6 ) بتسوية الصفوف فيخبرونه أن قد استوت فيكبر
    قال محمد : ينبغي للقوم إذا قال المؤذن حي على الفلاح أن يقوموا ( 6 ) إلى الصلاة ( 7 ) فيصفوا ويسووا ( 8 ) الصفوف ويحاذوا ( 9 ) بين المناكب فإذا أقام ( 10 ) الموذن الصلاة كبر الإمام وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله -
    _________
    ( 1 ) قوله : أبو سهيل بن مالك هو عم مالك بن أنس اسمه نافع وثقه أحمد وأبو حاتم والنسائي كذا في " الإسعاف "
    ( 2 ) الأصبحي من كبار التابعين ثقة روى له الجميع مات سنة 74 هـ على الصحيح وهو جد الإمام مالك والد أبي سهيل كذا قال السيوطي وغيره
    ( 3 ) أي : سووا
    ( 4 ) قوله : حاذوا أي : قابلوا المناكب بأن لا يكون بعضها متقدما وبعضها متأخرا وهو المراد بقول أنس : ( كان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه ) وقول النعمان بن بشير : ( رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه ) ( زعم بعض الناس أنه على الحقيقة وليس الأمر كذلك بل المراد بذلك مبالغة الراوي في تعديل الصف وسد الخلل كما فتح الباري 2 / 176 ، والعمدة 2 / 294 . وهذا يرد على الذين يدعون العمل بالسنة في بلادنا حيث يجتهدون في إلزاق كعابهم بكعاب القائمين في الصف ويفرجون جدا للتفريج بين قدميهم مما يؤدي إلى تكلف وتصنع وقد وقعوا فيه لعدم تنبههم للغرض ولجمودهم بظاهر الألفاظ ( معارف السنن ) 1 / 292 ) ذكرهما البخاري في صحيحه
    ( 5 ) أي : من كمال صلاة الجماعة
    ( 6 ) بخفة الكاف وتشديدها
    ( 7 ) في " ن " : يقدموا
    ( 8 ) قوله : أن يقوموا إلى الصلاة اختلفوا فيه : فقال الشافعي والجمهور : يقومون عند الفراغ من الإقامة وهو قول أبي حنيفة وعن مالك : يقومون عند أولها وفي " الموطأ " أنه يرى ذلك على طاقة الناس فإن فيهم الثقيل والخفيف كذا ذكره القسطلاني في " إرشاد الساري " وفي " الاستذكار " : قد ذكرنا في " التمهيد " بالأسانيد عن عمرو بن مهاجر : رأيت عمر بن عبد العزيز ومحمد بن مسلم الزهري وسليمان بن حبيب يقومون إلى الصلاة في أول نداء ( في الاستذكار 2 / 103 ، بدله ( بدء ) ) من الإقامة قال : وكان عمر بن عبد العزيز إذا قال المؤذن : قد قامت الصلاة عدل الصفوف بيده عن يمينه وعن يساره فإذا فرغ كبر وعن أبي يعلى ( في الأصل أبي العلاء . وهو تحريف ) : رأيت أنس بن مالك إذا قيل : قد قامت الصلاة قام فوثب وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا لم يكن معهم الإمام في المسجد فإنهم لا يقومون حتى يروا الإمام لحديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه و سلم : " إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني " وهو قول الشافعي وداود وإذا كان معهم فإنهم يقومون إذا قال : حي على الفلاح . انتهى ملخصا ( الاستذكار 2 / 103 - 104 )
    ( 9 ) من تسوية
    ( 10 ) من المحاذاة أي : يقابلوا بين مناكبهم
    ( 11 ) فإذا أقام أي : قال : قد قامت الصلاة وهو محتمل لأمرين : الشروع فيه والفراغ منه وذكر في " جامع الرموز " عن " المحيط " و " الخلاصة " أن الأول قول الطرفين والثاني قول أبي يوسف والصحيح هو الأول كما في " المحيط " والأصح هو الثاني كما في " الخلاصة " . قلت : روى أبو داود عن أبي أمامة أن بلالا أخذ في الإقامة فلما أن قال : قد قامت الصلاة قال رسول الله : أقامها الله وأدامها وقال في سائر الإقامة كنحو حديث ابن عمر في الأذان أي : أجاب كل كلمة بمثلها إلا الحيعلتين . فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه و سلم كبر بعدما تمت الإقامة بجميع كلماتها . وأخرج ابن عبد البر في " الاستذكار " عن بلال أنه قال لرسول الله صلى الله عليه و سلم : لا تسبقني بآمين ( السنن الكبرى للبيهقي 2 / 23 ) وقال : فيه دليل على أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يكبر ويقرأ وبلال في إقامة الصلاة ( الاستذكار 2 / 105 ) . انتهى
    وفيه نظر لا يخفى والأمر في هذا الباب واسع ليس له حد مضيق في الشرع واختلاف العلماء في ذلك لاختيار الأفضل بحسب ما لاح لهم ( وذهب عامة العلماء إلى أنه يستحب أن لا يكبر الإمام حتى يفرغ المؤذن من الإقامة ومذهب الشافعي وطائفة أنه يستحب أن لا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة وهو قول أبي يوسف وعن مالك : السنة في الشروع في الصلاة بعد الإقامة وبداية استواء الصف وقال أحمد : إذا قال المؤذن : قد قامت الصلاة يقوم . وقال أبو حنيفة ومحمد : يقومون في الصف إذا قال : حي على الصلاة فإذا قال : قد قامت الصلاة كبر الإمام لأنه أمين الشرع وقد أخبر بقيامها فيجب تصديقه وإذا لم يكن الإمام في المسجد فقد ذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه كذا في " عمدة القاري " 5 / 676 )

    33 - ( باب افتتاح ( 1 ) الصلاة )
    99 - أخبرنا مالك حدثنا الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر قال : كان ( 2 ) رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا افتتح ( 3 ) الصلاة ( 4 ) رفع ( 5 ) يديه ( 6 ) حذاء ( 7 ) منكبيه وإذا كبر ( 8 ) للركوع رفع يديه ( 9 ) وإذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه ثم قال : سمع الله ( 10 ) لمن حمده ثم قال ( 11 ) : ربنا ولك الحمد ( 12 )
    _________
    ( 1 ) أي : ابتدائها
    ( 2 ) قوله : كان ... . إلخ هذا أحد الأحاديث الأربعة التي رفها سالم عن أبيه ووقفها نافع عن ابن عمر والقول فيها قول سالم والثاني : " من باع عبدا وله مال ... " جعله نافع عن ابن عمر عن عمر والثالث : " الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة " والرابع : " في ما سقت السماء والعيون أو كان بعلا العشر وما سقي بالنضح نصف العشر " . كذا في " التنوير "
    ( 3 ) قال ابن المنذرك لم يختلف أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يرفع يديه إذا افتتح نقله ابن دقيق العيد في " الإمام "
    ( 4 ) قوله : افتتح الصلاة ( قال الباجي : افتتاح الصلاة يكون بالنطق ولا يكون بمجرد النية لمن يقدر على النطق . أوجز المسالك 2 / 41 ) : استند به صاحب " البحر " أن وقت الرفع قبل التكبير وفيه نظر لأنه يحتمل أن يكون معناه إذا كبر رفع يديه لأن افتتاح الصلاة إنما هو بالتكبير نعم إن كان المراد بالافتتاح إرادة الافتتاح لتم الاستشهاد
    ( 5 ) هذا مستحب عند جمهور العلماء لا واجب كما قال الأوزاعي والحميدي وابن خزيمة وداود وبعض الشافعية والمالكية
    ( 6 ) قوله : رفع يديه معنى رفع اليدين عند الافتتاح وغيره خضوع واستكانة وابتهال وتعظيم الله تعالى واتباع لسنة نبيه صلى الله عليه و سلم ( الاستذكار 2 / 122 )
    ( 7 ) بالكسر : أي : مقابله
    ( 8 ) قوله : إذا كبر ... إلخ رواه يحيى ولم يذكر فيه الرفع عند الانحطاط إلى الركوع وتابعه على ذلك جماعة من الرواة للموطأ عن مالك ورواه جماعة عن مالك فذكروا فيه الرفع عند الانحطاط وهو الصواب وكذلك رواه سائر من رواه من أصحاب ابن شهاب عنه ( في الأوجز 2 / 44 ، قال ابن عبد البر : هو الصواب . قلت : هو وهم منه وكذلك " إن سائر من رواه عن ابن شهاب ذكره " سهو منه فإن الحديث أخرجه الزبيدي عن الزهري عند أبي داود وليس فيه ذكر الرفع عند الركوع وأيضا لم يختلف فيه على الزهري فقط بل اختلف سالم ونافع على ابن عمر رضي الله عنهما كما لا يخفى على من سهر الليالي في تفحص كتب الحديث ) . كذا في " التنوير "
    ( 9 ) أي : حذو منكبيه
    ( 10 ) معنى سمع ها هنا : أجاب
    ( 11 ) قوله : ثم قال قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وجماعة من أهل الحديث : إن الإمام يقول : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد وحجتهم حديث ابن عمر : ورواه أبو سعيد الخدري وعبد الله بن أبي أوفى وأبو هريرة وقال جماعة : يقتصر على سمع الله لمن حمده وحجتهم حديث أنس : عن النبي صلى الله عليه و سلم : فإذا رفع الإمام فارفعوا : وإذا قال : سمع الله لمن حمده فقولوا : ربنا ولك الحمد . كذا في " الاستذكار " ( 2 / 128 )
    ( 12 ) قوله : ربنا ولك الحمد قال الرافعي : روينا في حديث ابن عمر : ربنا لك الحمد بإسقاط الواو وبإثباتها والروايتان معا صحيحتان . انتهى
    قلت : الرواية بإثبات الواو متفق عليها وأما بإسقاطها ففي صحيح أبي عوانة : وقال الأصمعي : سألت أبا عمرو بن العلاء عن الواو في : " ربنا ولك الحمد " فقال : زائدة وقال النووي : يحتمل أنها عاطفة على محذوف أي : أطعنا لك وحمدناك ولك الحمد كذا في " التلخيص ( في الأصل : " تلخيص الحبير " وهو تحريف ) الحبير في تخريج أحاديث الشرح الكبير " للحافظ ابن حجر وعند البخاري عن المقبري عن أبي هريرة : كان رسول الله إذا قال : سمع الله لمن حمده قال : اللهم ربنا ولك الحمد . وعند أبي داود الطيالسي عن ابن أبي ذئب عنه : كان إذا رفع رأسه من الركوع قال : اللهم ربنا لك الحمد كذا في " ضياء الساري " ( هو شرح على البخاري للشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي المتوفى سنة 1134 . مقدمة " لامع الدراري " ص 457 )

    100 - أخبرنا مالك حدثنا نافع أن عبد الله بن عمر : كان ( 1 ) إذا ابتدأ الصلاة رفع يديه حذو منكبيه وإذا رفع رأسه من الركوع ( 2 ) رفعهما دون ذلك ( 3 )
    _________
    ( 1 ) قوله : كان ... إلخ الثابت عن ابن عمر بالأسانيد الصحيحة هو أنه كان يرفع عند الافتتاح وعند الرفع من الركوع وعند الركوع حسبما رواه مرفوعا وأخرج الطحاوي بسنده عن أبي بكر بن أبي عياش عن حصين عن مجاهد قال : صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى ثم قال الطحاوي : فلا يكون هذا من ابن عمر إلا وقد ثبت عنده نسخ ما رأى النبي صلى الله عليه و سلم . انتهى
    وفيه نظر لوجوه : أحدها : أنه سند معلول لا يوازي الأسانيد الصحيحة فقد أخرجه البيهقي من الطريق المذكور في كتاب " المعرفة " وأسند عن البخاري أنه قال : ابن عياش قد اختلط بآخره وقد رواه الربيع وليث وطاووس وسالم ونافع وأبو الزبير ومحارب بن دثار وغيرهم قالوا : رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كبر وإذا رفع وكان أبو بكر بن عياش يرويه قديما عن حصين عن إبراهيم عن ابن مسعود مرسلا موقوفا : أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يرفعهما بعد . وهذا هو المحفوظ عن ابن عياش والأول خطأ فاحش لمخالفته الثقات عن ابن عمر . انتهى . وثانيها : أنه لو ثبت عن ابن عمر ترك ذلك فلا يثبت منه نسخ فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم الثابت بالطرق الصحيحة عن الجمع العظيم إلا إذا كان فيه تصريح عن النبي صلى الله عليه و سلم وإذ ليس فليس . وثالثها : أن ترك ابن عمر لعله يكون لبيان الجواز فلا يلزم منه النسخ
    ( 2 ) في نسخة : ركوعه
    ( 3 ) قوله : دون ذلك يعارضه قول ابن جريج : قلت لنافع أكان ابن عمر يجعل الأولى أرفعهن ؟ قال : لا . ذكره أبو داود

    101 - أخبرنا مالك حدثنا وهب بن كيسان ( 1 ) عن جابر بن عبد الله الأنصاري : أنه يعلمهم ( 2 ) التكبير في الصلاة أمرنا ( 3 ) أن نكبر كلما خفضنا ورفعنا
    _________
    ( 1 ) هو أبو نعيم المدني وثقه النسائي وابن سعد مات سنة 127 هـ كذا في " الإسعاف "
    ( 2 ) أي : أصحابه التابعين وفي نسخة : كان يعلمهم
    ( 3 ) بيان للتعليم

    102 - أخبرنا مالك أخبرني ابن شهاب الزهري عن علي بن الحسين ( 1 ) بن علي بن أبي طالب أنه قال ( 2 ) : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يكبر كلما ( 3 ) خفض وكلما رفع فلم تزل تلك صلاته حتى لقي ( 4 ) الله عز و جل
    _________
    ( 1 ) هو أبو الحسين زين العابدين قال ابن سعد : كان ثقة مأمونا كثير الأحاديث مات سنة 92 هـ كذا في " الإسعاف "
    ( 2 ) قوله : أنه قال ... إلخ قال ابن عبد البر : لا أعلم خلافا من رواة الموطأ في إرسال هذا الحديث . رواه عبد الوهاب بن عطاء عن مالك عن ابن شهاب عن علي بن حسين عن أبيه موصولا : ورواه عبد الرحمن بن خالد عن أبيه عن مالك عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن علي ولا يصح فيه إلا ما في " الموطأ " مرسلا
    ( 3 ) ظاهر الحديث عمومه في جميع الانتقالات لكن خص منه الرفع من الركوع بالإجماع
    ( 4 ) بارتحاله من الدنيا

    103 - أخبرنا مالك أخبرنا ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه أخبره أن أبا هريرة : كان يصلي بهم فكبر كلما خفض ورفع ثم انصرف ( 1 ) قال : والله إني ( 2 ) لأشبهكم ( 3 ) صلاة برسول الله صلى الله عليه و سلم
    _________
    ( 1 ) من الصلاة
    ( 2 ) قال الرافعي : هذه الكلمة مع الفعل المأتي به نازلة منزلة حكاية فعله صلى الله عليه و سلم
    ( 3 ) قوله : لأشبهكم ... إلخ هذا يدلك على أن التكبير في الخفض والرفع لم يكن مستعملا عندهم ولا ظاهرا فيهم كذا في " الاستذكار "

    104 - أخبرنا مالك أخبرني نعيم المجمر ( 1 ) وأبو جعفر القارئ ( 2 ) أن أبا هريرة : كان يصلي بهم فكبر كلما خفض وفع قال أبو جعفر : وكان يرفع يديه حين يكبر ويفتح ( 3 ) الصلاة
    قال محمد : السنة أن يكبر الرجل في صلاته كلما خفض ( 4 ) وكلما رفع وإذا انحط ( 5 ) للسجود كبر وإذا انحط ( 6 ) للسجود الثاني كبر . فأما رفع اليدين في الصلاة فإنه يرفع اليدين ( 7 ) حذو الأذنين ( 8 ) في ابتداء الصلاة ( 9 ) مرة واحدة ثم لا يرفع ( 10 ) في شيء من الصلاة ( 11 ) بعد ذلك وهذا كله قول أبي حنيفة ( 12 ) - رحمه الله تعالى - وفي ذلك ( 13 ) آثار كثيرة ( 14 )
    _________
    ( 1 ) هو نعيم المجمر بن عبد الله أبو عبد الله المدني وثقه ابن معين وأبو حاتم وغيرهما
    ( 2 ) أبو جعفر القارئ : اسمه يزيد بن القعقاع المدني المخزومي وقيل : جندب بن فيروز وقيل : فيروز ثقة مات سنة سبع وعشرين ومائة وقيل : سنة ثلاثين كذا قال الزرقاني
    ( 3 ) في نسخة : يفتتح
    ( 4 ) كلما خفض وكلما رفع لما أخرجه الترمذي والنسائي من حديث ابن مسعود : كان النبي صلى الله عليه و سلم يكبر في كل خفض ورفع وقيام وقعود وأبو بكر وعمر . وأخرجه أحمد والدارمي وإسحاق بن راهويه والطبراني وابن أبي شيبة . وفي " الصحيحين " من حديث أبي هريرة : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول : سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ثم يقول وهو قائم : ربنا ولك الحمد ثم يكبر حين يهوي ساجدا ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يسجد ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس وفي " الصحيحين " عن عمران بن حصين أنه صلى خلف علي بن أبي طالب بالبصرة فقال : ذكرنا هذا الرجل صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكر أنه كان يكبر كلما رفع وكلما خفض وفي الباب عن أبي موسى عند أحمد والطحاوي وابن عمر عند أحمد والنسائي وعبد الله بن زيد عند سعيد بن منصور ووائل بن حجر عند ابن حبان وجابر عند البزار وغيرهم عند غيرهم
    ( 5 ) قوله : وإذا انحط ... إلخ مصرح به لكونه محل الخلاف أخذا مما أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن أبزى أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان لا يتم التكبير قال أبو داود : ومعناه إذا رفع رأسه من الركوع وأراد أن يسجد لم يكبر وإذا قام من السجود لم يكبر . وأخرجه الطحاوي في " شرح معاني الآثار " وقال : فذهب قوم إلى هذا فكانوا لا يكبرون في الصلاة إذا خفضوا ويكبرون إذا رفعوا وكذلك كان بنو أمية يفعلون ذلك ( في الأصل : " يفعل ذلك " ) وخالفهم في ذلك آخرون فكبروا في الخفض والرفع جميعا فذهبوا في ذلك إلى ما تواترت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه و سلم . انتهى . ثم أخرج عن عبد الله بن مسعود قال : أنا رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يكبر في كل خفض ورفع . وأخرج عن عكرمة قال : صلى بنا أبو هريرة فكان يكبر إذا رفع وإذا خفض فأتيت ابن عباس فأخبرته فقال : أوليس سنة أبي القاسم صلى الله عليه و سلم ؟ وأخرج عن أبي موسى قال : ذكرنا علي صلاة كنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إما نسيناها وإما تركناها عمدا كان يكبر كلما خفض ورفع وكلما سجد . وأخرج عن أنس : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو بكر وعمر يتمون التكبير يكبرون إذا سجدوا وإذا رفعوا وإذا قاموا من الركعة . وأخرج عن أبي هريرة نحو ما أخرجه مالك ثم قال الطحاوي ( 1 / 130 ) : فكانت هذه الآثار المروية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في التكبير في كل خفض ورفع أظهر من حديث عبد الرحمن بن أبزى ( ضعف الحافظ في الفتح 2 / 223 حديث عبد الرحمن بن أبزى وقال : وقد نفى البخاري في " التاريخ " عن أبي داود الطيالسي أنه قال : هذا عندنا باطل وقال الطبري والبزار : تفرد به الحسن بن عمران وهو مجهول : قال : وأجيب على تقدير صحته بأنه فعل ذلك لبيان الجواز أو المراد لم يتم الجهر به أو لم يمده . اهـ ) وأكثر تواترا وقد عمل بها أبو بكر وعمر وعلي وتواتر بها العمل إلى يومنا هذا . انتهى كلامه . وفي " الوسائل إلى معرفة الأوائل " للسيوطي : أول من نقص التكبير معاوية كان إذا قال : سمع الله لمن حمده انحط إلى السجود ولم يكبر أسنده العسكري عن الشعبي . وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم أنه قال : أول من نقص زياد . انتهى . وفي " الاستذكار " بعد ذكر حديث أبي هريرة وحديث أبي موسى : ( إما نسيناها وإما تركناها عمدا ) وغير ذلك . هذا يدلك على أن التكبير في غير الإحرام لم يتلقه السلف من الصحابة والتابعين على الوجوب ولا على أنه من مؤكدات السنن بل قد قال قوم من أهل العلم : إن التكبير هو إذن بحركات الإمام وشعار الصلاة وليس بسنة إلا في الجماعة ولهذا ذكر مالك في هذا الباب حديثه عن علي بن حسين وأبي هريرة مرفوعين وعن ابن عمر وجابر فعلهما ليبين بذلك أن التكبير في كل خفض ورفع سنة مسنونة وإن لم يعمل بها بعض الصحابة فالحجة في السنة لا في ما خالفها . انتهى ملخصا ( الاستذكار 2 / 131 )
    ( 6 ) أي : انخفض
    ( 7 ) من دون مطأطأة الرأس عند التكبير كما يفعله بعض الناس فإنه بدعة ذكره محمد بن محمد الشهير بابن أمير الحاج في " حلبة المجلي شرح منية المصلي " ( في الأصل : " حلية المحلي " وهو تحريف )
    ( 8 ) قوله : حذو الأذنين لما روى مسلم عن وائل أنه رأى النبي صلى الله عليه و سلم رفع يديه حين دخل في الصلاة حيال أذنيه ثم التحف بثوبه ... الحديث . وأخرج أحمد وإسحاق بن راهويه والدارقطني والطحاوي عن البراء : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا صلى رفع يديه حتى تكون إبهاماه حذاء أذنيه . وأخرج الحاكم - وقال : صحيح على شرط الشيخين - والدارقطني والبيهقي عن أنس : رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم كبر فحاذى بإبهاميه أذنيه ... الحديث . وأخرج أبو داود ومسلم والنسائي وغيرهم عن مالك بن الحويرث : رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يرفع يديه إذا كبر وإذا رفع رأسه من الركوع حتى يبلغ بهما فروع أذنيه . ويعارض هذه الأحاديث رواية ابن عمر التي أخرجها مالك وأبو داود والنسائي ومسلم والطحاوي وغيرهم . وأخرج الجماعة إلا مسلما من حديث أبي حميد الساعدي : " رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه " . وأخرج أبو داود والطحاوي من حديث علي نحوه . وباختلاف الآثار اختلف العلماء فاختار الشافعي وأصحابه كما هو المشهور حذو المنكبين واختار أصحابنا حذو الأذنين وسلك الطحاوي على أن الرفع حذو المنكبين كان لعذر حيث أخرج عن وائل : أتيت النبي صلى الله عليه و سلم فرأيته يرفع يديه حذاء أذنيه إذا كبر وإذا ركع وإذا سجد ثم أتيته من العام المقبل وعليهم الأكسية والبرانس فكانوا يرفعون أيديهم فيها وأشار شريك الراوي عن عاصم عن كليب عن وائل إلى صدره ثم قال الطحاوي : فأخبر وائل في حديثه هذا أن رفعهم إلى مناكبهم إنما كان لأن أيديهم تحت ثيابهم فعملنا بالروايتين فجعلنا الرفع إذا كانت اليدان تحت الثياب لعلة البرد إلى منتهى ما يستطاع إليه الرفع وهو المنكبان وإذا كانا باديتين رفعهما إلى الأذنين وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد . انتهى . وقال العيني في " البناية " : لا حاجة إلى هذه التكلفات وقد صح الخبر في ما قلنا وفي ما قاله الشافعي فاختار الشافعي حديث أبي حميد واختار أصحابنا حديث وائل وغيره وقد قال أبو عمر ( في الأصل : " أبو عمرو " وهو تحريف ) بن عبد البر : اختلفت الآثار عن النبي صلى الله عليه و سلم وعن الصحابة ومن بعدهم فروي عنه عليه السلام الرفع فوق الأذنين وروي عنه أنه كان يرفع حذاء الأذنين وروي عنه حذو منكبيه وروي عنه إلى صدره وكلها آثار مشهورة محفوظة وهذا يدل على التوسعة في ذلك . انتهى ( قال الشيخ في الأوجز 2 / 42 : الاختلاف فيه كأنه لفظي لأن ابن الهمام من الحنفية قال : لا تعارض بين الروايتين ) وفي " شرح مسند الإمام " لعلي القاري : الأظهر أنه صلى الله عليه و سلم كان يرفع يديه من غير تقييد إلى هيئة خاصة فأحيانا كان يرفع إلى حيال منكبيه وأحيانا إلى شحمتي أذنيه . انتهى
    ( 9 ) قوله : في ابتداء الصلاة إما قبل التكبير كما أخرجه النسائي عن ابن عمر : رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه ثم يكبر . وأخرج ابن حبان عن أبي حميد : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قام إلى الصلاة استقبل القبلة ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم قال : الله أكبر . وإما مع التكبير كما أخرجه أبو داود عن وائل : أنه رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم يرفع يديه مع التكبير . وإما بعد التكبير كما أخرجه مسلم عن أبي قلابة : أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ثم رفع يديه وحدث أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يفعل هكذا . والكل واسع ثابت إلا أنه رجح أكثر مشائخنا ( والأصح عند الشافعية والمالكية المقارنة وفي المغني عند الحنابلة المقارنة كذا في الأوجز 2 / 43 ) تقديم الرفع
    ( 10 ) قوله : ثم لا يرفع : ولو رفع لا تفسد صلاته كما في " الذخيرة " وفتاوى الولوالجي وغيرهما من الكتب المعتمدة وحكى بعض أصحابنا عن مكحول النسفي أنه روي عن أبي حنيفة فساد الصلاة به واغتر بهذه الرواية أمير الكاتب الإتقاني صاحب " غاية البيان " فاختار الفساد وقد رد عليه السبكي في عصره أحسن رد كما ذكره ابن حجر في " الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة " وصنف محمود بن أحمد بن مسعود القونوي الحنفي رسالة نفيسة في إبطال قول الفساد وحقق فيها أن رواية مكحول شاذة مردودة وأنه رجل مجهول لا عبرة لروايته وقد فصلت في هذا الباب تفصيلا حسن في ترجمة مكحول في كتاب : " طبقات الحنفية " المسمى بالفوائد البهية في تراجم الحنفية فليرجع إليه
    ( 11 ) أي : في جزء من أجزاء الصلاة
    ( 12 ) قوله : قول أبي حنيفة ووافقه في عدم الرفع إلا مرة الثوري والحسن بن حي وسائر فقهاء الكوفة قديما وحديثا وهو قول ابن مسعود وأصحابه وقال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي : لا نعلم مصرا من الأمصار تركوا بإجماعهم رفع اليدين عند الخفض والرفع إلا أهل الكوفة واختلفت الرواية فيه عن مالك فمرة قال : يرفع ومرة قال : لا يرفع وعليه جمهور أصحابه وقال الأوزاعي والشافعي وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور وابن راهويه ومحمد بن جرير الطبري وجماعة أهل الحديث بالرفع إلا أن منهم من يرفع عند السجود أيضا ومنهم من لا يرفع عنده . وروي الرفع في الرفع والخفض عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر وأبو موسى وأبو سعيد الخدري وأبو الدرداء وأنس وابن عباس وجابر وروى الرفع عن النبي صلى الله عليه و سلم نحو ثلاثة وعشرين رجلا من الصحابة كما ذكره جماعة من أهل الحديث كذا في " الاستذكار " ( 2 / 123 - 125 ) لابن عبد البر . وذكر السيوطي في رسالته " الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة " أن حديث الرفع متواتر ( قال في " نيل الفرقدين " ص 22 : إن الرفع متواتر إسنادا وعملا ولا يشك فيه ولم ينسخ ولا حرف منه وإنما بقي الكلام في الأفضلية وصرح أبو بكر الجصاص في " أحكام القرآن " أنه من الاختلاف المباح وفي ص 123 : حكى ذلك من الحافظ أبي عمر ( أي : ابن عبد البر ) من المالكية ومن الحافظ ابن تيمية والحافظ ابن القيم من الحنابلة . وأما الترك فأحاديثه قليلة ومع هذا هو ثابت بلا مرية وهو متواتر عملا لا إسنادا عند أهل الكوفة وقد كان في سائر البلاد تاركون وكثير من التاركين في المدينة في عهد مالك وعليه بنى مختاره وكان أكثر أهل مكة يرفعون فبنى عليه الشافعي . " معارف السنن " 2 / 459 ) عن النبي صلى الله عليه و سلم أخرجه الشيخان عن ابن عمر ومالك بن الحويرث ومسلم عن وائل بن حجر والأربعة عن علي وأبو داود عن سهل بن سعد وابن الزبير وابن عباس ومحمد بن مسلمة وأبي أسيد وأبي قتادة وأبي هريرة وابن ماجه عن أنس وجابر وعمير الليثي وأحمد عن الحكم بن عمير والبيهقي عن أبي بكر رضي الله عنه والبراء والدار قطني عن عمر . وأبي موسى والطبراني عن عقبة بن عامر ومعاذ بن جبل
    ( 13 ) أي : في عدم رفع اليدين إلا مرة
    ( 14 ) قوله : آثار كثيرة عن جماعة من الصحابة : منهم ابن عمر وعلي وابن مسعود كما أخرجه المؤلف وسيأتي ذكر مالها وما عليها . ومنهم : عمر بن الخطاب روى الطحاوي والبيهقي من حديث الحسن بن عياش عن عبد الملك بن الحسن عن الزبير بن عدي عن إبراهيم عن الأسود قال : رأيت عمر يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود ورأيت إبراهيم والشعبي يفعلان ذلك . قال الطحاوي : فهذا عمر لم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى والحديث صحيح لأن الحسن بن عياش وإن كان هذا الحديث دار عليه فإنه ثقة حجة وذكر ذلك يحيى بن معين وغيره . انتهى
    واعترضه الحاكم على ما نقله الزيلعي في " تخريج أحاديث الهداية " بأنها رواية شاذه لا يعارض بها الأخبار الصحيحة عن طاووس عن كيسان عن ابن عمر أن عمر ( في معارف السنن 2 / 470 ، قال : أعله المحدثون وصححوه عن ابن عمر عنه صلى الله عليه و سلم ولم يثبت عن عمر غير هذا ) كان يرفع يديه في الركوع وعند الرفع منه انتهى . ومنهم أبو سعيد الخدري وأخرج البيهقي عن سوار بن مصعب عن عطية العوفي أن أبا سعيد الخدري وابن عمر كانا يرفعان أيديهما أول ما يكبران ثم لا يعودان . وأعله البيهقي بأن عطية سيئ الحال وسوار أسوأ منه قال البخاري : سوار منكر الحديث وعن ابن معين غير محتج به . ويخالف هذا الأثر ما أخرجه البيهقي عن ليث عن عطاء قال : رأيت جابر بن عبد الله وابن عمر وأبا سعيد وابن عباس وابن الزبير وأبا هريرة يرفعون أيديهم إذا افتتحوا الصلاة وإذا ركعوا وإذا رفعوا . وفيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه وأخرج أيضا عن سعيد بن المسيب قال : رأيت عمر يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع . وفي سنده من استضعف . ومنهم عبد الله بن الزبير كما حكاه صاحب " النهاية " وغيره من شراح " الهداية " أنه رأى رجلا يرفع يديه في الصلاة عند الركوع وعند الرفع فقال له : لا تفعل فإن هذا شيء فعله رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم تركه لكن هذا الأثر لم يجده المخرجون المحدثون مسندا في كتب الحديث مع أنه أخرج البخاري في رسالة " رفع اليدين " عن عبد الله بن الزبير أنه كان يرفع يديه عند الخفض والرفع وكذا أخرجه عن ابن عباس وابن عمر وأبي سعيد وجابر وأبي هريرة وأنس أنهم كانوا يرفعون أيديهم . وأخرج البيهقي عن الحسين قال : سألت طاووسا عن رفع اليدين في الصلاة فقال : رأيت عبد الله بن عباس وابن الزبير وابن عمر يرفعون أيديهم إذا افتتحوا الصلاة وإذا ركعوا وإذا سجدوا . وأخرج أيضا عن عبد الرزاق قال : ما رأيت أحسن صلاة من ابن جريج رأيته يرفع يديه إذا افتتح وإذا رفع . وأخذ ابن جريج صلاته عن عطاء بن أبي رباح وأخذ عطاء عن عبد الله بن الزبير وأخذ ابن الزبير عن ابي بكر الصديق رضي الله عنه . ومنهم ابن عباس حكى عنه بعض أصحابنا أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يرفع يديه كلما ركع وكلما رفع ثم صار إلى افتتاح الصلاة وترك ما سوى ذلك . لكنه أثر لم يثبته المحدثون والثابت عندهم خلافه قال ابن الجوزي في " التحقيق " بعد ذكر ما حكاه أصحابنا عن ابن عباس وابن الزبير : هذان الحديثان لا يعرفان أصلا وإنما المحفوظ عنهما خلاف ذلك فقد أخرج أبو داود عن ميمون أنه رأي ابن الزبير يشير بكفيه حين يقوم وحين يركع وحين يسجد وحين ينهض للقيام فانطلقت إلى ابن عباس فقلت " إني رأيت ابن الزبير صلى صلاة لم أر أحدا يصليها فوصفت له فقال : أن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم فاقتد بصلاة عبد الله بن الزبير . انتهى . ورده العيني بأن قوله : لا يعرفان لا يستلزم عدم معرفة أصحابنا هذا ودعوى النافي ليست بحجة على المثتب وأصحابنا أيضا ثقات لا يرون الاحتجاج بما لم يثبت عندهم صحته . انتهى . وفيه نظر ظاهر فإنه ما لم يوجد سند أثر ابن عباس وابن الزبير في كتاب من كتب الأحاديث المعتبرة كيف يعتبر به بمجرد حسن الظن بالناقلين مع ثبوت خلافه عنهما بالأسانيد العديدة . ومنهم أبو بكر الصديق أخرج الدار قطني وابن عدي عن محمد بن جابر عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند استفتاح الصلاة . وفيه محمد بن جابر متكلم فيه ويخالفه ما أخرجه أبو داود عن ميمون كما مر نقلا عن " التحقيق " . ومنهم العشرة المبشرة كما حكى بعض أصحابنا عن ابن عباس أنه قال : لم يكن العشرة المبشرة يرفعون أيديهم إلا عند الافتتاح ذكره الشيخ عبد الحق الدهلوي في " شرح سفر السعادة " ولا عبرة بهذا الأثر ما لم يوجد سنده عند مهرة الفن مع ثبوت خلافه في كتب الحديث مما يؤيد عدم الرفع من الأخبار المرفوعة ما أخرجه الترمذي وحسنه والنسائي وأبو داود عن علقمة قال : قال عبد الله بن مسعود : ألا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم فصلى فيم يرفع يديه إلا أول مرة . وأخرج أبو داود عن البراء : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب أذنيه ثم لا يعود . وأخرج البيهقي من حديث ابن عمر وعباد بن الزبير مثله . وللمحدثين على طرق هذه الأخبار كلمات تدل على عدم صحتها لكن لا يخفى على الماهر أن طرق حديث ابن مسعود تبلغ درجة الحسن
    والقدر المتحقق في هذا الباب هو ثبوت الرفع وتركه كليهما عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا أن رواة الرفع من الصحابة جم غفير ورواة الترك جماعة قليلة مع عدم صحة الطرق عنهم إلا عن ابن مسعود وكذلك ثبت الترك عن ابن مسعود وأصحابه بأسانيد محتجة بها فإذن نختار أن الرفع ليس بسنة مؤكدة يلام تاركها إلا أن ثبوته عن النبي صلى الله عليه و سلم أكثر وأرجح . وأما دعوى نسخه كما صدر عن الطحاوي مغترا بحسن الظن بالصحابة التاركين وابن الهمام والعيني وغيرهم من أصحابنا فليست بمبرهن عليها بما يشفي العليل ويروي الغليل

    105 - قال محمد : أخبرنا محمد بن أبان بن صالح عن عاصم بن كليب ( 1 ) الجرمي عن أبيه قال : رأيت على بن أبي طالب ( 2 ) رفع يديه في التكبيرة الأولى ( 3 ) من الصلاة المكتوبة ولم يرفعهما فيما سوى ذلك
    _________
    ( 1 ) قوله : عن عاصم بن كليب هو عاصم بن كليب مصغرا ابن شهاب بن المجنون الجرمي الكوفي روى عن أبيه وأبي بريدة وعلقمة بن وائل بن حجر وغيرهم وعنه شعبة والسفيانان وغيرهم وثقه النسائي وابن معين وقال أبو داود : كان من أفضل أهل الكوفة وذكره ابن حبان في الثقات وأرخ وفاته سنة 137 هـ . وأبوه كليب بن شهاب ثقة كذا في " تهذيب التهذيب " و " الكاشف " وفي " أنساب السمعاني " : الجرمي : بفتح الجيم وسكون الراء المهملة نسبة إلى جرم قبيلة باليمن ومنها من الصحابة : شهاب بن المجنون الجرمي جد عاصم بن كليب
    ( 2 ) قوله : رأيت على بن أبي طالب كذا أخرجه الطحاوي عن أبي بكر النهشلي عن عاصم عن أبيه أن عليا كان يرفع في أول تكبيرة من الصلاة ثم لا يعود وقال الدارقطني في " علله " : اختلف علي أبي بكر النهشلي فيه فرواه عبد الرحيم بن سليمان عنه عن عاصم عن أبيه مرفوعا ووهم في رفعه وخالفه جماعة من الثقات : منهم عبد الرحمن بن مهدي وموسى بن داود وأحمد بن يونس وغيرهم . فرووه عن أبي بكر النهشلي موقوفا على علي وهو الصواب . وكذلك رواه محمد بن أبان عن عاصم موقوفا . انتهى . وقال عثمان بن سعيد الدارمي : قد روي من طرق واهية عن علي أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود وهذا ضعيف إذ لا يظن بعلي أنه يختار فعله على فعل النبي صلى الله عليه و سلم وهو قد روي عنه أنه كان يرفع يديه عند الركوع والرفع . انتهى . وتعقبه ابن دقيق العيد في " الإمام " بأن ما قاله ضعيف فإنه جعل روايته مع حسن الظن بعلي في ترك المخالفة دليلا على ضعف هذه الرواية وخصمه يعكس الأمر ويجعل فعل علي رضي الله عنه بعد الرسول دليلا على نسخ ما تقدم انتهى . وذكر الطحاوي بعد روايته عن علي : لم يكن علي ليرى النبي صلى الله عليه و سلم يرفع ثم يتركه إلا وقد ثبت عنده نسخه . انتهى
    وفيه نظر فقد يجوز أن يكون ترك علي وكذا ترك ابن مسعود وترك غيرهما من الصحابة إن ثبت عنهم لأنهم لم يروا الرفع سنة مؤكدة يلزم الأخذ بها ولا ينحصر ذلك في النسخ بل لا يعتبر بنسخ أمر ثابت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بمجرد حسن الظن بالصحابي مع إمكان الجمع بين فعل الرسول وفعله
    ( 3 ) عند افتتاح الصلاة

    106 - قال محمد أخبرنا محمد بن أبان بن صالح عن حماد عن إبراهيم النخعي قال : لا ترفع يديك في شيء من الصلاة بعد التكبيرة الأولى

    107 - قال محمد : أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ( 1 ) أخبرنا حصين بن عبد الرحمن ( 2 ) قال : دخلت أنا وعمرو بن مرة ( 3 ) على إبراهيم النخعي قال عمرو : حدثني علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه ( 4 ) : أنه صلى مع رسول الله فرآه يرفع يديه إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع ( 5 ) قال إبراهيم : ما أدري ( 6 ) لعله لم ير النبي صلى الله عليه و سلم يصلي إلا ذلك اليوم فحفظ هذا ( 7 ) منه ولم يحفظه ابن مسعود وأصحابه ( 8 ) ما سمعته ( 9 ) من أحد منهم إنما كانوا يرفعون أيديهم في بدء ( 10 ) الصلاة حين يكبرون
    _________
    ( 1 ) قوله : يعقوب بن إبراهيم هو الإمام أبو يوسف القاضي صاحب الإمام أبي حنيفة قال الذهبي في " تذكرة الحفاظ " : القاضي أبو يوسف فقيه العراقيين يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الكوفي صاحب أبي حنيفة سمع هشام بن عروة وأبا إسحاق الشيباني وعطاء بن السائب وطبقتهم . وعنه محمد بن الحسن الفقيه وأحمد بن حنبل وبشر بن الوليد ويحيى بن معين نشأ في طلب العلم وكان أبوه فقيرا فكان أبو حنيفة يتعاهده قال المزني : هو أتبع القوم للحديث . وقال يحيى بن معين : ليس في أصحاب الرأي أحد أكثر حديثا ولا أثبت من أبي يوسف وقال أحمد : كان منصفا في الحديث مات في ربيع الآخر سنة 182 هـ عن سبعين سنة إلا سنة وله أخبار في العلم والسيادة قد أفردته وأفردت صاحبه محمد بن الحسن في جزء وأكبر شيخ له حصين بن عبد الرحمن . انتهى ملخصا . وله ترجمة طويلة في " أنساب السمعاني " قد ذكرته في مقدمة هذه الحواشي وذكرت ترجمته أيضا في " مقدمة الهداية " وفي " النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير " وفي " الفوائد البهية في تراجم الحنفية "
    ( 2 ) قوله : أخبرنا حصين بن عبد الرحمن هو حصين بالضم ابن عبد الرحمن السلمي الكوفي أبو الهذيل ابن عم منصور بن المعتمر حدث عن جابر بن سمرة وعمارة بن رويبة وابن أبي ليلى وأبي وائل وعنه شعبة وأبو عوانة وآخرون كان ثقة حجة حافظا عالي الإسناد . قال أحمد : حصين ثقة مأمون من كبار أصحاب الحديث عاش ثلاثا وتسعين سنة ومات سنة 136 هـ كذا في " تذكرة الحفاظ "
    ( 3 ) قوله : وعمرو بن مرة هو أبو عبد الله عمرو بالفتح بن مرة بضم الميم وتشديد الراء ابن عبد الله بن طارق بن الحارث بن صلمة بن كعب بن وائل بن جمل بن كنانة بن ناجية بن مراد الجملي المرادي الكوفي الأعمى . روى عن عبد الله بن أبي أوفى وأبي وائل وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعمرو بن ميمون الأودي وسعيد بن جبير ومصعب بن سعد والنخعي وغيرهم وعنه ابنه عبد الله وأبو إسحاق السبيعي والأعمش ومنصور وحصين ابن عبد الرحمن والثوري وشعبة وغيرهم . قال ابن معين : ثقة وأبو حاتم : صدوق ثقة وشعبة : كان أكثرهم علما وما رأيت أحدا من أصحاب الحديث إلا يدلس إلا ابن عون وعمرو بن مرة ومسعر لم يكن بالكوفة أحب إلي ولا أفضل منه ذكره ابن حبان في كتاب " الثقات " وقال : كان مرجئا مات سنة 116 هـ وثقه ابن نمير ويعقوب بن سفيان كذا في " تهذيب التهذيب " و " الكاشف " و " تذكرة الحفاظ " وقد أخطأ القاري حيث قال : دخلت أنا وعمرو بن مرة بضم الميم وتشديد الراء يكنى أبا مريم الجهني شهد أكثر المشاهد وسكن الشام مات في أيام معاوية وروى عنه جماعة كذا في " اسماء رجال المشكاة " لصاحب المشكاة في فصل الصحابة . انتهى كلامه . وجه الخطأ من وجوه :
    أحدها : أنه لو كان الداخل على النخعي مع حصين عمرو بن مرة الصحابي لذكر رؤيته الرفع أو عدمه فإنه صحب النبي صلى الله عليه و سلم وشهد معه المشاهد وصلى معه غير مرة فكيف يصح أن يروي عن وائل بواسطة ابنه الرفع ثم يسكت على رد النخعي بفعل ابن مسعود وروايته ولا يذكره ما رآه رفعا كان أو غير رفع ؟
    ثانيها : عن ( في الأصل : " عن " وهي زائدة ) عمرو بن مرة هذا لم يذكره أحد من نقاد الرجال في ما علمنا من جملة الرواة عن علقمة بن وائل
    وثالثها : أنه لم يذكره أحد في علمنا ممن روى عنه حصين بل المذكور في شيوخ حصين ورواة علقمة هو الذي ذكرناه
    ورابعها : أن هذا الصحابي مات في أيام معاوية ووفاة معاوية كانت سنة ستين أو تسع وخمسين على ما في " استعياب ابن عبد البر " وغيره من كتب أخبار الصحابة فلا بد أن يكون وفاة عمرو بن مرة قبله وقد ذكر ابن حبان في " كتاب الثقات " أن ولادة إبراهيم النخعي سنة خمسين وكذا ذكره غيره فعلى هذا يكون النخعي يوم موت معاوية ابن تسع أو عشر سنين وعند موت عمرو بن مرة الجهني أصغر منه فهل يتصور أن يحضر عمرو بن مرة عند هذا الصبي صغير السن بكثير ويروي عنده الرفع عن علقمة عن أبيه ويرد عليه هذا الصبي ؟ وأما الحوالة إلى " أسماء رجال المشكاة " فلا تنفع فإنه لم يذكر صاحب " المشكاة " أن عمرو بن مرة أينما ذكره هو هذا بل إنما هو عمرو بن مرة المذكور في " المشكاة " وإني أتعجب من العلامة القاري كيف يخطئ خطأ كثيرا في تعيين الرواة في شرحه " الموطأ " وشرحه لمسند الإمام الأعظم وغيرهما مع جلالته وتوغله في فنون الحديث ومتعلقاته والله يسامح عنا وعنه
    ( 4 ) قوله : عن أبيه أي : وائل الحضرمي بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء المهملة نسبة إلى حضرموت بلدة في اليمن وكان وائل بن حجر - بضم الحاء المهملة وسكون الجيم - ملكا عظيما بها فلما بلغه ظهور النبي صلى الله عليه و سلم ترك ملكه ونهض إليه فبشر النبي صلى الله عليه و سلم بقدومه قبل قدومه بثلاثة أيام ولما قدم قربه من مجلسه وقال : هذا وائل أتاكم من أرض اليمن - أرض بعيدة - طائعا غير مكره راغبا في الله ورسوله اللهم بارك في وائل وولده ثم أقطع له أرضا كانت وفاته في إمارة معاوية حدث عنه بنوه علقمة وعبد الجبار كذا في " أنساب السمعاني " . وفي " جامع الأصول " لابن الأثير : أبو هنيدة وائل بن حجر بن ربيعة بن وائل الحضرمي كان قيلا من أقيال حضرموت وأبوه كان من ملوكهم وفد على النبي صلى الله عليه و سلم فأسلم وبشر به قبل قدومه . انتهى . وفي " تهذيب التهذيب " : علقمة بن وائل بن حجر الحضرمي الكندي الكوفي روى عن أبيه والمغيرة بن شعبة وطارق بن سويد وعنه أخوه عبد الجبار وابن أخيه سعيد وعمرو بن مرة وسماك بن حرب وغيرهم ذكره ابن حبان في " الثقات " وقال ابن سعد : كان ثقة قليل الحديث . وحكى العسكري عن ابن معين أنه قال : علقمة عن أبيه مرسل . انتهى

    الشيخ عودة العقيلي

    عدد المساهمات : 74
    تاريخ التسجيل : 08/11/2009

    رد: كتاب : موطأ الإمام مالك رواية محمد بن الحسن المؤلف : مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي

    مُساهمة  الشيخ عودة العقيلي في الأحد ديسمبر 08, 2013 1:02 pm

    رأسه من الركوع
    ( 6 ) قوله : ما أدري ... إلخ استبعاد من إبراهيم النخعي رواية وائل بأن ابن مسعود كان صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم في السفر والحضر ومصاحبته أتم وأزيد من مصاحبة وائل فكيف يعقل أن يحفظ رفع اليدين وائل ولا يحفظ ابن مسعود فلو كان رفع اليدين من رسول الله صلى الله عليه و سلم لحفظه ابن مسعود ولم يتركه مع أنه لم يرفع إلا مرة ولم يرو الرفع عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بل روي عنه تركه وهذا الأثر عن النخعي قد أخرجه الدارقطني أيضا عن حصين قال : دخلنا على إبراهيم النخعي فحدثه عمرو بن مرة قال : صلينا في مسجد الحضرميين فحدثني علقمة بن وائل عن أبيه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم يرفع يديه حين يفتتح وإذا ركع وإذا سجد فقال إبراهيم : ما رأى أباه رسول الله إلا ذلك اليوم فحفظ عنه ذلك وعبد الله بن مسعود لم يحفظه إنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة . ورواه أبو يعلى في " مسنده " ولفظه : أحفظ وائل ونسي ابن مسعود ولم يحفظه ؟ إنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة . وأخرجه الطحاوي عن حصين عن عمرو بن مرة قال : دخلت مسجد حضرموت فإذا علقمة بن وائل يحدث عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يرفع يديه قبل الركوع وبعده فذكرت ذلك لإبراهيم فغضب وقال : رآه هو لم يره ابن مسعود ولا أصحابه . وأخرج عن المغيرة قال : قلت لإبراهيم : حدث وائل أنه رأى النبي صلى الله عليه و سلم يرفع يديه إذا افتتح وإذا ركع وإذا رفع ؟ فقال : إن كان رآه مرة يفعل فقد رآه عبد الله خمسين مرة لا يفعل ذلك . وههنا أبحاث :
    الأول : ما نقله البيهقي في كتاب " المعرفة " عن الشافعي أنه قال : الأولى أن يؤخذ بقول وائل لأنه صحابي جليل فكيف يرد حديثه بقول رجل ممن هو دونه ؟
    والثاني : ما قاله البخاري في رسالة " رفع اليدين " : إن كلام إبراهيم هذا ظن منه لا يرفع به رواية وائل بل أخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه و سلم يصلي فرفع يديه وكذلك رأى أصحابه غير مرة يرفعون أيديهم كما بينه زائدة فقال : نا عاصم نا أبي عن وائل بن حجر : أنه رأى النبي صلى الله عليه و سلم يصلي فرفع يديه في الركوع وفي الرفع منه قال : ثم أتيتهم بعد ذلك فرأيت الناس في زمان برد عليهم جل الثياب تتحرك أيديهم من تحت الثياب
    والثالث : ما نقله الزيلعي عن الفقيه أبي بكر بن إسحاق أنه قال : ما ذكره إبراهيم علة لا يساوي سماعها لأن رفع اليدين قد صح عن النبي صلى الله عليه و سلم ثم عن الخلفاء الراشدين ثم الصحابة والتابعين وليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يستغرب فقد نسي من القرآن ما لم يختلف فيه المسلمون فيه وهو المعوذتان ونسي ما اتفق العلماء على نسخه كالتطبيق في الركوع وقيام الاثنين خلف الإمام ونسي كيفية جمع النبي صلى الله عليه و سلم بعرفة ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الأرض في السجود ونسي كيف قرأ رسول الله : { وما خلق الذكر والأنثى } وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا في الصلاة كيف لا يجوز مثله في رفع اليدين ؟ انتهى
    والرابع : أن وائلا ليس بمتفرد في رواية الرفع عن النبي صلى الله عليه و سلم بل قد اشترك معه جمع كثير كما مر ذكره سابقا بل ليس في الصحابة من روى ترك الرفع فقط إلا ابن مسعود وأما من عداهم فمنهم من لم ترو عنه إلا رواية الرفع ومنهم من روى عنه حديث الرفع وتركه كليهما كابن عمر والبراء إلا أن أسانيد رواية الرفع أوثق وأثبت فعند ذلك لو عورض كلام إبراهيم بأنه يستبعد أن يكون ترك الرفع حفظه ابن مسعود فقط ولم يحفظه من عداه من أجلة الصحابة الذين كانو مصاحبين لرسول الله صلى الله عليه و سلم مثل مصاحبة ابن مسعود أو أكثر لكان له وجه
    والخامس : أنه لا يلزم من ترك ابن مسعود الرفع وأصحابه عدم ثبوت رواية وائل فيجوز أن يكون تركهم لأنهم رأوا الرفع غير لازم لا لأنه غير ثابت أو لأنهم رجحوا أحد الفعلين الثابتين عن رسول الله صلى الله عليه و سلم الرفع والترك فداوموا عليه وتركوا الآخر ولا يلزم منه بطلان الآخر
    السادس : أنه قد أخذ ابن مسعود بالتطبيق في الركوع وداوم عليه أصحابه وكذلك أخذوا بقيام الإمام في الوسط إذا كان من يقتدي به اثنين مع ثبوت ترك ذلك عن النبي صلى الله عليه و سلم وعن جمهور أصحابه بعده بأسانيد صحاح . فلم لا يعتبر فعل ابن مسعود في هذين الأمرين . وأمثال ذلك ؟
    فما هو الجواب هناك هو الجواب ههنا ( قد رد الحافظ ابن التركماني جميع إيرادات البيهقي في الجوهر النقي 1 / 139 - 140 ، فارجع إليه ) والإنصاف في هذا المقام أنه لا سبيل إلى رد روايات الرفع برواية ابن مسعود وفعله وأصحابه ودعوى عدم ثبوت الرفع ولا إلى رد روايات الترك بالكلية ودعوى عدم ثبوته ولا إلى دعوى نسخ الرفع ما لم يثبت ذلك بنص عن الشارع بل يوفى كل من الأمرين حظه ويقال : كل منهما ثابت وفعل الصحابة والتابعين مختلف وليس أحدهما بلازم يلام تاركه مع القول برجحان ثبوت الرفع عن رسول الله صلى الله عليه و سلم
    ( 7 ) أي : الرفع
    ( 8 ) قال القاري : أي : وسائر أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم . انتهى . وفيه ما فيه والظاهر أن ضمير أصحابه راجح إلى ابن مسعود
    ( 9 ) أي : الرفع
    ( 10 ) البد بالفتح الإبتداء

    108 - قال محمد : أخبرنا محمد بن أبان بن صالح عن عبد العزيز بن حكيم ( 1 ) قال : رأيت ابن عمر ( 2 ) يرفع يديه حذاء أذنيه في أول تكبيرة افتتاح الصلاة ولم يرفعهما فيما سوى ذلك ( 3 )
    _________
    ( 1 ) قوله : عن عبد العزيز بن حكيم ذكره ابن حبان في " ثقات التابعين " ( انظر ترجمته في كتاب الثقات 5 / 125 ، والتاريخ الكبير : 3 / 2 / 11 ) حيث قال : عبد العزيز بن حكيم الحضرمي كنيته أبو يحيى يروي عن ابن عمر عداده في أهل الكوفة روى عنه الثوري وإسرائيل مات بعد سنة 130 هـ وهو الذي يقال له ابن أبي حكيم . انتهى . وفي " ميزان الاعتدال " قال ابن معين : ثقة وقال أبو حاتم : ليس بالقوي
    ( 2 ) قوله : قال : رأيت ابن عمر ... إلخ المشهور في كتب أصول أصحابنا أن مجاهدا قال : صحبت ابن عمر عشر سنين فلم أره ( في الأصل : " فلم أر " والظاهر : " فلم أره " ) يرفع يديه إلا مرة . وقالوا : قد روى ابن عمر حديث الرفع عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وتركه والصحابي الراوي إذا ترك مرويا ظاهرا في معناه غير محتمل للتأويل يسقط الاحتجاج بالمروي وقد روى الطحاوي من حديث أبي بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد أنه قال : صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة ثم قال : فهذا ابن عمر قد رأى النبي صلى الله عليه و سلم يرفع ثم قد ترك هو الرفع بعد النبي صلى الله عليه و سلم ولا يكون ذلك إلا وقد ثبت عنده نسخه
    وههنا أبحاث : الأول : مطالبته إسناد ما نقلوه عن مجاهد من أنه صحب عشر سنين ولم ير ابن عمر فيها يرفع يديه إلا في التكبير الأول
    والثاني : المعارضة بخبر طاووس وغيره من الثقات أنهم رأوا ابن عمر يرفع
    والثالث : أن في طريق الطحاوي أبو بكر بن عياش وهو متكلم فيه لا توازي روايته رواية غيره من الثقات . قال البيهقي في كتاب " المعرفة " بعد ما أخرج حديث مجاهد من طريق ابن عياش قال البخاري : أبو بكر بن عياش اختلط بآخره وقد رواه الربيع وليث وطاووس وسالم ونافع وأبو الزبير ومحارب بن دثار وغيرهم قالوا : رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كبر وإذا رفع وكان يرويه أبو بكر قديما عن حصين عن إبراهيم عن ابن مسعود مرسلا موقوفا أن ابن مسعود كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يرفعهما بعد وهذا هو المحفوظ عن أبي بكر بن عياش والأول خطأ فاحش لمخالفته الثقات عن ابن عمر . انتهى
    فإن قلت آخذا من " شرح معاني الآثار " أنه يجوز أن يكون ابن عمر فعل ما رآه طاووس قبل أن يقوم الحجة بنسخه ثم لما ثبت الحجة بنسخه عنده تركه وفعل ما ذكره مجاهد قلت : هذا مما لا يقوم به الحجة فإن لقائل أن يعارض ويقول : يجوز أن يكون فعل ابن عمر ما رواه مجاهد قبل أن تقوم الحجة بلزوم الرفع ثم لما ثبتت عنده التزم الرفع على أن احتمال النسخ احتمال من غير دليل فلا يسمع . فإن قال قائل : الدليل هو خلاف الراوي مرويه قلنا : لا يوجب ذلك النسخ كما مر
    والثالث : وهو أحسنها أنا سلمنا ثبوت الترك عن ابن عمر لكن يجوز أن يكون تركه لبيان الجواز أو لعدم رؤيته الرفع سنة لازمة فلا يقدح ذلك في ثبوت الرفع عنه وعن رسول الله صلى الله عليه و سلم
    الرابع : أن ترك الراوي مرويه إنما يكون مسقطا للاحتجاج عند الحنفية إذا كان خلافه بيقين كما هو مصرح في كتبهم وههنا ليس كذلك لجواز أن يكون الرفع الثابت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حمله ابن عمر على العزيمة وترك أحيانا بيانا للرخصة فليس تركه خلافا لروايته بيقين
    الخامس : أنه لا شبهة في أن ابن عمر قد روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم حديث الرفع بل ورد في بعض الروايات عنه أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه وإذا ركع وإذا رفع وكان لا يفعل ذلك في السجود فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله أخرجه البيهقي . ولا شك أيضا في أنه ثبت عن ابن عمر بروايات الثقات فعل الرفع وورد عنه برواية مجاهد وعبد العزيز بن حكيم الترك فالأولى أن يحمل الترك المروي عنه على وجه يستقيم ثبوت الرفع منه ولا يخالف روايته أيضا إلا أن يجعل تركه مضادا لفعله ومسقطا للأمر الثابت عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بروايته ورواية غيره
    ( 3 ) أي : في الركوع والرفع وغير ذلك

    109 - قال محمد : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله النهشلي ( 1 ) عن عاصم بن كليب الجرمي عن أبيه - وكان ( 2 ) من أصحاب علي - : أن علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى التي يفتتح بها الصلاة ثم لا يرفعهما في شيء من الصلاة
    _________
    ( 1 ) قوله : أخبرنا أبو بكر بن عبد الله النهشلي نسبة إلى بني نهشل بفتح النون وسكون الهاء وفتح الشين المعجمة بعدها لام قبيلة . ذكره السمعاني في " الأنساب " . وفي " التقريب " و " الكاشف " : أبو بكر النهشلي الكوفي قيل : اسمه عبد الله بن قطاف أو ابن أبي قطاف وقيل : وهب وقيل : معاوية صدوق ثقة توفي سنة 166 . انتهى . لعله هو
    ( 2 ) الضمير إلى كليب

    110 - قال محمد : أخبرنا الثوري حدثنا حصين عن إبراهيم ( 1 ) عن ابن مسعود : أنه كان يرفع ( 2 ) يديه إذا افتتح الصلاة
    _________
    ( 1 ) هو : إبراهيم بن يزيد النخعي
    ( 2 ) قوله : أنه كان يرفع ... إلخ أخرجه الطحاوي من طريق حصين عن إبراهيم قال : كان عبد الله لا يرفع يديه في شيء من الصلاة إلا في الافتتاح . وقال : فإن قالوا ما ذكرتموه عن إبراهيم عن عبد الله غير متصل قيل لهم : كان إبراهيم إذا أرسل عن عبد الله لم يرسله إلا بعد صحته عنده وتواتر الرواية عن عبد الله قد قال له الأعمش : إذا حدثتني فأسند فقال : إذا قلت لك : قال عبد الله فلم أقل ذلك حتى حدثنيه جماعة عن عبد الله وإذا قلت : حدثني فلان عن عبد الله فهو الذي حدثني حدثنا بذلك إبراهيم بن مرزوق قال : نا ابن وهب أو بشر بن عمر - شك أبو جعفر الطحاوي - عن سعيد عن الأعمش بذلك فكذلك هذا الذي أرسله إبراهيم عن عبد الله لم يرسله إلا ومخرجه عنده أصح من مخرج ما يرويه رجل بعينه عن عبد الله . انتهى كلامه
    وفي " الاستذكار " لابن عبد البر : لم يرو عن أحد من الصحابة ترك الرفع ممن لم يختلف عنه فيه إلا ابن مسعود وحده . وروى الكوفيون عن علي مثل ذلك وروى المدنيون عنه الرفع من حديث عبيد الله بن أبي رافع . وكذلك اختلف عن أبي هريرة فروى عنه أبو جعفر القاري ونعيم المجمر أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ويكبر في كل خفض رفع ويقول : أنا أشبهكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم وروى عنه عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أنه كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه وهذه الرواية أولى لما فيها من الزيادة . وروى الرفع عن جماعة من التابعين بالحجاز والعراق والشام منهم القاسم بن محمد والحسن وسالم وابن سيرين وعطاء وطاووس ومجاهد ونافع مولى ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وابن أبي نجيح وقتادة . انتهى ملخصا
    فائدة : قال صاحب " الكنز المدفون والفلك المشحون " : وقفت على كتاب لبعض المشايخ الحنفية ذكر فيها مسائل خلاف ومن عجائب ما فيه الاستدلال على ترك رفع اليدين في الانتقالات بقوله تعالى : { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة } ( سورة النساء : آية 77 ) وما زلت أحكي ذلك لأصحابنا على سبيل التعجب إلى أن ظفرت في " تفسير الثعلبي " بما يهون عنده هذا العظيم وذلك أنه حكى في سورة الأعراف عن التنوخي القاضي أنه قال في قوله تعالى : { خذوا زينتكم عند كل مسجد } ( سورة الأعراف : آية 31 ) : إن المراد بالزينة رفع اليدين في الصلاة . فهذا في هذا الطرف وذاك في الطرف الآخر

    34 - ( باب القراءة في الصلاة خلف الإمام ( 1 ) )
    _________
    ( 1 ) قوله : خلف الإمام اختلف فيه العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أقوال : الأول : أنه يقرأ مع الإمام في ما أسر ولا يقرأ في ما جهر وإليه ذهب مالك وبه قال سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عتبة بن مسعود وسالم بن عبد الله بن عمر وابن شهاب وقتادة وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق والطبري إلا أن أحمد قال : إن سمع في الجهرية لا يقرأ وإلا قرأ . واختلف عن علي وعمر وابن مسعود فروي عنهم أن المأموم لا يقرأ وراء الإمام لا في ما أسر ولا في ما جهر وروي عنهم أنه يقرأ في ما أسر لا في ما جهر وهو أحد قولي الشافعي كان يقوله بالعراق وهو المروي عن أبي بن كعب وعبد الله بن عمر
    والثاني : أنه يقرأ بأم الكتاب في ما جهر وفي ما أسر وبه قال الشافعي بمصر وعليه أكثر أصحابه والأوزاعي والليث بن سعد وأبو ثور . وهو قول عبادة بن الصامت وعبد الله بن عباس واختلف فيه عن أبي هريرة وبه قال عروة بن الزبير وسعيد بن جبير والحسن البصري ومكحول
    والثالث : أنه لا يقرأ شيئا في ما جهر ولا في ما أسر وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وهو قول جابر بن عبد الله وزيد بن ثابت وروي ذلك عن علي وابن مسعود . وبه قال الثوري وابن عيينة وابن أبي ليلى والحسن بن صالح بن حي وإبراهيم النخعي وأصحاب ابن مسعود كذا ذكره ابن عبد البر في " الاستذكار " و " التمهيد "
    وأما حجة أصحاب القول الأول فاستدلوا بقوله تعالى : { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } ( سورة الأعراف : رقم الآية 204 ) وقالوا : إن نزوله كان في شأن القراءة خلف الإمام ( وذكر الزيلعي أخبارا في أن هذه الأية نزلت في القراءة خلف الإمام 1 / 432 ) فقد أخرج ابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال : صلى النبي صلى الله عليه و سلم فقرأ خلفه قوم فخلطوا عليه فنزلت هذه الآية . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والبيهقي عن محمد بن كعب القرظي : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قرأ في الصلاة أجابه من وراءه إذا قال : بسم الله الرحمن الرحيم قالوا مثل ما يقول حتى تنقضي فاتحة الكتاب والسورة فنزلت . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد قال : قرأ رجل من الأنصار خلف النبي صلى الله عليه و سلم فنزلت . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في كتاب " القراءة " عن عبد الله بن مغفل : أنه سئل : أكل من سمع القرآن وجب عليه الاستماع والإنصات ؟ قال : إنما أنزلت هذه الآية : { فاستمعوا له وأنصتوا } في قراءة الإمام . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن ابن مسعود : أنه صلى بأصحابه فسمع ناسا يقرؤون خلفه فقال : أما أن لكم أن تفهمون ؟ أما آن لكم أن تعقلون ؟ { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له } . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر عن أبي هريرة أنه قال : نزلت هذه الآية في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم في الصلاة . وأخرج ابن جرير والبيهقي عن الزهري : نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار كان رسول الله كلما قرأ شيئا قرأه . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي عن أبي العالية أن النبي صلى الله عليه و سلم كان إذا صلى بأصحابه فقرأ فقرأ أصحابه فنزلت . وأخرج ابن أبي شيبة في " المصنف " عن أبراهيم : كان النبي صلى الله عليه و سلم يقرأ ورجل يقرأ فنزلت
    وإذا ثبت هذا فنقول : من المعلوم أن الاستماع إنما يكون في ما جهر به الإمام فيترك المؤتم فيه القراءة ويؤيده من الأحاديث قوله صلى الله عليه و سلم : " وإذا قرأ الإمام فأنصتوا " أخرجه أبو داود وابن ماجه والبزار وابن عدي من حديث أبي موسى والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة وأخرجهما ابن عبد البر في " التمهيد " ونقل عن أحمد أنه صححه ولأبي داود وغيره في صحته كلام قد تعقبه المنذري وغيره . فهذا في ما جهر الإمام وأما في ما أسر فيقرأ أخذا بعموم لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وغير ذلك من الأحاديث
    وأما أصحاب القول الثاني فأقوى حججهم حديث عبادة : كنا خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم في صلاة الفجر فقرأ فثقلت عليه القراءة فلما فرغ قال : لعلكم تقرؤون خلف إمامكم ؟ قلنا : نعم يا رسول الله فقال : فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها . أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والدار قطني وأبو نعيم في " حلية الأولياء " وابن حبان والحاكم
    وأما أصحاب القول الثالث فاستدلوا بحديث : " من كان له إمام فقراءه الإمام قراءة له " وسنذكر طرقه إن شاء الله تعالى وبآثار الصحابة التي ستأتي
    والكلام في هذا المبحث طويل وموضعه شرحي لشرح الوقاية المسمى بـ " السعاية في كشف ما في شرح الوقاية " وفقنا الله لاختتامه ( بلغ الكتاب إلى ( فروع مهمة متعلقة بالقراءة في الصلاة ) وقد انتقل مؤلفه إلى جوار رحمة الله تعالى وطبع الكتاب في مجلد ضخم في جزأين من باكستان سنة 1976 م ) . وقد أفردت لهذه المسألة رسالة سميتها بـ " إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام " ( وطبع الكتاب من مدينة لكنؤ بالهند سنة 1304 هـ )

    111 - أخبرنا مالك ( 1 ) حدثنا الزهري عن ابن أكيمة ( 2 ) الليثي ( 3 ) عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم انصرف من صلاة ( 4 ) جهر فيها بالقراءة فقال : هل قرأ معي منكم من أحد ؟ فقال الرجل أنا يا رسول الله قال ( 5 ) : فقال : إني أقول ( 6 ) ما لي أنازع ( 7 ) القرآن ( 8 ) ؟ فانتهى الناس ( 9 ) عن القراءة ( 10 ) مع رسول الله صلى الله عليه و سلم فيما جهر به من الصلاة ( 11 ) حين سمعوا ذلك
    _________
    ( 1 ) قوله : مالك قال ميرك نقلا عن ابن الملقن : حديث أبي هريرة هذا رواه مالك والشافعي والأربعة وصححه ابن حبان وضعفه البيهقي والحميدي وبهذا يعلم أن قول النووي اتفقوا على ضعف هذا الحديث غير صحيح كذا في " مرقاة المفاتيح شرح المشكاة "
    ( 2 ) قوله : ابن أكيمة بضم الهمزة وفتح الكاف مصغر أكمة واسمه عمارة بضم المهملة والتخفيف والهاء وقيل : عمار بالفتح والتخفيف وقيل : عمرو بفتح العين وقيل : عامر الليثي أبو الوليد والمدني ثقة مات سنة إحدى ومائة قال الزرقاني
    ( 3 ) ولابن عبد البر من طريق سفيان عن الزهري قال : سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة
    ( 4 ) رواه أبو داود عن سفيان عن الزهري بسنده فقال : نظن أنها صلاة الصبح
    ( 5 ) أي : أبو هريرة
    ( 6 ) هو بمعنى التثريب واللوم لمن فعل ذلك
    ( 7 ) بفتح الزاء والقرآن منصوب على أنه مفعول ثان نقله ميرك وفي نسخة بكسر الزاء
    ( 8 ) قوله : مالي أنازع القرآن قال الخطابي : أي أداخل فيه وأشارك
    وأغالب عليه وقال في " النهاية " : أي : أجاذب في قراءته كأنهم جهروا بالقراءة خلفه فشغلوه كذا في " مرقاة الصعود "
    ( 9 ) قوله : فانتهى الناس أكثر رواة ابن شهاب عنه لهذا الحديث يجعلونه كلام ابن شهاب ومنهم من يجعله من كلام أبي هريرة
    وفقه هذا الحديث الذي من أجله جيء به هو ترك القراءة مع الإمام في كل صلاة يجهر فيها الإمام بالقراءة فلا يجوز أن يقرأ معه إذا جهر بأم القرآن ولا غيرها على ظاهر الحديث وعمومه كذا قال ابن عبد البر
    ( 10 ) قوله : عن القراءة قال المجوزون لقراءة أم القرآن في الجهرية أيضا معناه عن الجهر بالقراءة أو عن قراءة السورة لئلا يخالف حديث عبادة فإنه صريح في تجويز قراءة أم القرآن في الجهرية وقال بعضهم : انتهاء الناس إنما كان برأيهم لا بأمر الرسول فلا حجة فيه . وفيه نظر ظاهر لأن انتهاءهم كان بعد توبيخ النبي صلى الله عليه و سلم لهم ( في الأصل : " عليهم " والظاهر : " لهم " ) والظاهر اطلاعه عليه وإقراره بالانتهاء . وأما المانعون مطلقا فمنهم من أخذ بظاهر ما ورد في بعض الروايات : فانتهى الناس عن القراءة خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو أخذ غير ظاهر لورود قيد " فيما جهر فيه " في بعضها وبعض الوايات يفسر بعضا
    والحق أن ظاهر الحديث مؤيد لما اختاره مالك
    ( 11 ) في نسخة : الصلوات

    112 - أخبرنا مالك حدثنا نافع عن ابن عمر : أنه كان إذا سئل هل يقرأ أحد مع الإمام ؟ قال : إذا صلى أحدكم مع الإمام فحسبه ( 1 ) قراءة الإمام وكان ابن عمر لا يقرأ مع الإمام ( 2 )
    _________
    ( 1 ) أي : يكفيه
    ( 2 ) قوله : لا يقرأ مع الإمام قال ابن عبد البر : ظاهر هذا أنه كان لا يرى القراءة في سر الإمام ولا جهره ولكن قيده مالك بترجمة الباب أن ذلك في ما جهر به الإمام بما علم من المعنى . ويدل على صحته ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري عن سالم : أن ابن عمر كان ينصت للإمام في ما جهر فيه ولا يقرأ معه وهو يدل على أنه كان يقرأ معه في ما أسر فيه

    113 - أخبرنا مالك حدثنا وهب بن كيسان أنه سمع ( 1 ) جابر بن عبد الله يقول : من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل ( 2 ) إلا وراء الإمام ( 3 )
    _________
    ( 1 ) قوله : سمع قال أبو عبد الملك : هذا الحديث موقوف وقد أسنده بعضهم أي : رفعه ورواه الترمذي من طريق معن عن مالك به موقوفا وقال : حسن صحيح
    ( 2 ) لأنه ترك ركنا من أركان الصلاة وفيه وجوبها في كل ركعة
    ( 3 ) قال أحمد : فهذا صحابي تأول قوله صلى الله عليه و سلم : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " على ما إذا كان وحده نقله الترمذي

    114 - أخبرنا مالك أخبرني العلاء ( 1 ) بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة ( 2 ) أنه سمع أبا السائب ( 3 ) مولى هشام بن زهرة يقول : سمعت أبا هريرة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : من صلى صلاة ( 4 ) لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ( 5 ) هي خداج هي خداج ( 6 ) غير تمام ( 7 ) . قال ( 8 ) : قلت : يا أبا هريرة إني أحيانا أكون وراء الإمام ؟ قال : فغمز ذراعي ( 9 ) وقال : يا فارسي اقرأ بها ( 10 ) في نفسك ( 11 ) إني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : قال الله عز و جل قسمت ( 12 ) الصلاة بيني ( 13 ) وبين عبدي نصفين فنصفها لي ( 14 ) ونصفها لعبدي ( 15 ) ولعبدي ما سأل ( 16 ) قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : اقرؤا ( 17 ) يقول العبد : الحمد لله رب العالمين يقول الله : حمدني عبدي يقول العبد : الرحمن الرحيم يقول الله أثنى علي عبدي ( 18 ) يقول العبد : مالك يوم الدين يقول الله مجدني ( 19 ) عبدي يقول العبد : إياك نعبد وإياك نستعين فهذه الآية ( 20 ) بيني ووبين عبدي ولعبدي ( 21 ) ما سأل يقول العبد : اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين فهؤلاء ( 22 ) لعبدي ( 23 ) ولعبدي ما سأل ( 24 )
    قال محمد : لا قراءة ( 25 ) خلف الإمام فيما جهر فيه ولا فيما لم يجهر بذلك جاءت عامة الآثار ( 26 ) . وهو قول أبي حنيفة ( 27 ) - رحمه الله -
    _________
    ( 1 ) قوله : أخبرني العلاء هكذا في " الموطأ " عند جميع رواته وانفرد مطرف في غير " الموطأ " فرواه عن مالك عن ابن شهاب عن أبي السائب وليس بمحفوظ قاله الزرقاني
    ( 2 ) قوله : مولى الحرقة بضم الحاء المهملة وفتح الراء المهملة بعدها قاف قبيلة من همدان قاله ابن حبان أو من جهينة قاله الدارقطني وهو الصحيح كذا في " أنساب السمعاني "
    ( 3 ) قوله : أبا السائب قال الحافظ : يقال : اسمه عبد الله بن السائب الأنصاري المدني ثقة روى له مسلم والأربعة والبخاري في " جزء القراءة " وهو مولى هشام بن زهرة ويقال : مولى عبد الله بن هشام بن زهرة ويقال : مولى بني زهرة
    ( 4 ) قوله : من صلى صلاة ... إلخ فيه من الفقه إيجاب قراءة فاتحة الكتاب في كل صلاة وأن الصلاة إذا لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج وإن قرئ فيها بغيرها من القرآن والخداج النقصان والفساد من ذلك قولهم : أخدجت الناقة وخدجت إذا ولدت قبل تمام وقتها قبل تمام الخلق وذلك نتاج فاسد وقد زعم من لم يوجب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة أن قوله : خداج يدل على جواز الصلاة لأنه النقصان والصلاة الناقصة جائزة . وهذا تحكم فاسد ( والظاهر أن هذا رد على الحنفية لأن عامتهم يزعمون أن الحنفية قالوا بجواز الصلاة بدون الفاتحة ولذا تعجب الحافظ في " الفتح " أشد التعجب والحقيقة ليست كذلك لأن الحنفية قالوا بوجوب الفاتحة انظر أوجز المسالك 2 / 97 ) والنظر يوجب أن لا يجوز الصلاة لأنها صلاة لم تتم ومن خرج من صلاته قبل أن يعيدها فعليه إعادتها
    وأما اختلاف العلماء في هذا الباب فإن مالكا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وداود قالوا : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي : إن تركها عامدا وقرأ غيرها أجزأه على اختلاف عن الأوزاعي وقال الطبري : يقرأ المصلي بأم القرآن في كل ركعة فإن لم يقرأها لم يجز إلا مثلها من القرآن عدد آياتها وحروفها كذا في " الاستذكار " ( 2 / 145 )
    ( 5 ) بكسر الخاء المعجمة أي : ذات خداج أي : نقصان
    ( 6 ) ذكره ثلاثا للتأكيد
    ( 7 ) قوله : غير تمام هو تأكيد فهو حجة قوية على وجوب قراءتها في كل صلاة لكنه محمول عند مالك ومن وافقه على الأمام والفذ لقوله صلى الله عليه و سلم : " إذا قرأ فأنصتوا " رواه مسلم
    ( 8 ) أبو السائب
    ( 9 ) قوله : فغمز ذراعي قال الباجي : هو على معنى التأنيس له وتنبيهه على فهم مراده والبعث له على جمع ذهنه وفهمه لجوابه
    ( 10 ) قوله : اقرأ بها أي سرا وبه استدل من جوز قراءة أم القرآن خلف الإمام في الجهرية أيضا وظاهر القرآن والأحاديث يرده إلا أن يتتبع سكتات الإمام ويقرأ بها فيها سرا فحينئذ لا يكون مخالفا للقرآن والحديث
    ( 11 ) قوله : في نفسك قال الباجي : أي بتحريك اللسان بالتكلم وإن لم يسمع نفسه رواه سحنون عن أبي القاسم : قال : ولو أسمع نفسه يسيرا كان أحب إلي
    ( 12 ) قوله : قسمت الصلاة قال العلماء : أراد بالصلاة ههنا الفاتحة سميت بذلك لأنها لا تصح إلا بها كقولهم : الحج عرفة والمراد قسمتها من جهة المعنى لأن نصفها الأول تحميد الله وتمجيده وثناء عليه وتفويض إليه والثاني سؤال وتضرع وافتقار واحتج القائلون بأن البسملة ليست من الفاتحة بهذا الحديث قال النووي : وهو من أوضح ما احتجوا به لأنها سبع آيات بالإجماع فثلاث في أولها ثناء أولها الحمد ثلاث دعاء أولها : { اهدنا الصراط المستقيم } والسابعة متوسطة وهي : { إياك نعبد وإياك نستعين } . قالوا : ولأنه لم يذكر البسملة في ما عددها ولو كانت منها لذكرها كذا في " التنوير " . وقال الزيلعي في " نصب الراية " : هذا الحديث ظاهر في أن البسملة ليست من الفاتحة وإلا لابتدأ بها لأن هذا محل بيان واستقصاء لآيات السورة والحاجة إلى قراءة البسملة أمس
    واعترض بعض المتأخرين على هذا الحديث بوجهين :
    أحدهما : قال : لا تغتر بكون هذا الحديث في مسلم فإن العلاء بن عبد الرحمن قد تكلم فيه ابن معين فقال : الناس يتقون حديثه وليس حديثه بحجة مضطرب الحديث ليس بذاك هو ضعيف روي عنه جميع هذه الألفاظ وقال ابن عدي : ليس بالقوي وقد انفرد بهذا الحديث فلا يحتج به
    الثاني : قال : وعلى تقدير صحته فقد جاء في بعض الروايات عنه ذكر التسمية كما أخرجه الدارقطني عن عبيد الله بن زياد بن سمعان عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي يقول العبد إذا افتتح الصلاة : بسم الله الرحمن الرحيم فيذكرني عبدي ثم يقول : الحمد لله رب العالمين فأقول حمدني عبدي ... الحديث وهذا القائل حمله الجهل والتعصب على أن ترك الحديث الصحيح وضعفه لكونه غير موافق لمذهبه مع أنه روى عن العلاء الأئمة الثقات كمالك وسفيان بن عيينة وابن جريج وشعبة وعبد العزيز الدراوردي وإسماعيل بن حفص وغيرهم والعلاء نفسه ثقة صدوق . وهذه الرواية مما انفرد بها ابن سمعان وهو كذاب ولم يخرجها أحد من أصحاب الكتب الستة ولا المصنفات المشهورة ولا المسانيد المعروفة وإنما رواه الدارقطني في " سننه " التي يروي فيها غرائب الحديث وقال عقيبه : وعبيد الله بن زياد بن سمعان متروك الحديث وذكره في " علله " وأطال الكلام . انتهى . وقد بسطت المسألة في رسالتي : " إحكام القنطرة في أحكام البسملة "
    ( 13 ) قدم نفسه لأنه الواجب الوجود لنفسه وإنما استفاد العبد الوجود منه
    ( 14 ) هو : { الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين }
    ( 15 ) وهو من { اهدنا الصراط المستقيم } إلى آخره
    ( 16 ) أي : مني إعطاءه
    ( 17 ) قوله : اقرؤا لمسلم من رواية ابن عيينة عن العلاء إسقاط هذه الجملة وقال لعقب قوله : ما سأل فإذا قال العبد : الحمد ... إلخ
    ( 18 ) جاء جوابا لقوله : الرحمن الرحيم ( في الأصل " للرحمن الرحيم " والظاهر لقوله : " الرحمن الرحيم " ) لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية
    ( 19 ) قوله : مجدني : التمجيد الثناء بصفات الجلال والتحميد والثناء بجميل الفعال ويقال أثنى في ذلك كله
    ( 20 ) قوله : بيني وبين عبدي قال الباجي : معناه أن بعض الآية تعظيم الباري وبعضها استعانة على أمر دينه ودنياه من العبد به
    ( 21 ) من العون
    ( 22 ) أي : مختصه بالعبد
    ( 23 ) قوله : لعبدي لأنها دعاؤه بالتوفيق إلى صراط من أنعم عليهم والعصمة من صراط المغضوب عليهم ولا الضالين
    ( 24 ) من الهداية وما بعدها
    ( 25 ) قوله : لا قراءة ... إلخ كلام محمد هذا وكلامه في " كتاب الآثار " بعد إخراج قول إبراهيم قال : ما قرأ علقمة بن قيس قط فيما يجهر فيه ولا في الركعتين الأخريين أم القرآن ولا غيرها خلف الإمام أخرجه عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم ثم قال : وبه نأخذ لا نرى القراءة خلف الإمام في شيء من الصلاة يجهر فيه أولا يجهر فيه . انتهى . وكلامه فيه بعد ما أخرج عن أبي حنيفة عن حماد عن سعيد بن جبير أنه قال : اقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر ولا تقرأ في ما سوى ذلك قال محمد : لا ينبغي أن يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات . انتهى . صريح في بطلان قول علي القاري في " شرح المشكاة " : الإمام محمد من أئمتنا يوافق الشافعي في القراءة خلف الإمام في السرية وهو أظهر في الجمع بين الروايات الحديثية وهو مذهب مالك . انتهى . وقد ذكر صاحب " الهداية " . و " جامع المضمرات " وغيرهما أيضا أن على قول محمد يستحسن قراءة أم القرآن خلف الإمام على سبيل الاحتياط ولكن قال ابن الهمام : الأصح أن قول محمد كقولهما فإن عباراته في كتبه مصرحة بالتجافي عن خلافه والحق أنه وإن كان ضعيفا رواية لكنه قوي دراية
    ( 26 ) قوله : عامة الآثار أي : عن الصحابة والتابعين بل وعن النبي صلى الله عليه و سلم أيضا . فمنهم : زيد بن ثابت أخرجه مسلم في باب سجود التلاوة بسنده عن عطاء بن يسار أنه سأل زيدا عن القراءة مع الإمام فقال : لا قراءة مع الإمام في شيء . وأخرجه الطحاوي عن عطاء أنه سمع زيد بن ثابت يقول : لا يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلاة وأخرج أيضا عن حيوة بن شريح عن بكر بن عمر عن عبد الله بن مقسم أنه سأل عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وجابرا قالوا : لا يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلاة . وعارض بعضهم بما روي عن زيد أنه قال : من قرأ خلف الإمام فصلاته تامة ولا إعادة عليه وجعله دليلا على فساد ما روي عنه من تركه القراءة . وفيه نظر فإنه لا معارضة لأنه لا يلزم من كون الصلاة تامة وعدم وجوب الإعادة إلا عدم كون الترك لازما وهو أمر آخر
    ومنهم : علي كما أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق أنه قال : من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة وأخرجه الدارقطني من طرق وقال : لا يصح إسناده وقال ابن حبان في " كتاب الضعفاء " : هذا يرويه ابن أبي ليلى الأنصاري وهو باطل ويكفي في بطلانه إجماع المسلمين وعبد الله بن أبي ليلى هذا رجل مجهول . انتهى . وقال ابن عبد البر . هذا لو صح احتمل أن يكون في صلاة الجهر لأنه حينئذ يكون مخالفا للكتاب والسنة فكيف وهو غير ثابت عن علي رضي الله عنه . انتهى
    ومنهم : جابر بن عبد الله كما ذكره محمد سابقا وقد أخرجه الترمذي أيضا وقال : حسن صحيح والطحاوي وأخرجه الدارقطني عن جابر مرفوعا وأعله بأنه في سنده يحيى بن سلام وهو ضعيف والصواب وقفه . وأخرج ابن أبي شيبة في " مصنفه " عن جابر قال : لا يقرأ خلف الإمام لا إن جهر ولا إن خافت . وأخرج عبد الرزاق والطحاوي عن عبد الله بن مقسم قال : سألت جابر بن عبد الله : يقرأ خلف الإمام في الظهر العصر ؟ قال : لا
    ومنهم : أبو الدرداء أخرج النسائي بسنده عن كثير بن مرة عن أبي الدرداء سمعه يقول : سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم أفي كل صلاة قراءة ؟ قال نعم قال رجل من الأنصار : وجبت هذه فالتفت إلي وكنت أقرب القوم منه فقال : ما أرى الإمام إذا أم القوم إلا قد كفاهم قال النسائي : هذا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم خطأ إنما هو قول أبي الدرداء . وقال الطحاوي بعد ما أخرج عن عائشة مرفوعا : كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج وعن أبي هريرة حديثه الذي مر برواية محمد : فذهب إلى هذه الآثار قوم وأوجبوا القراءة خلف الإمام في سائر الصلوات بفاتحة الكتاب وخالفهم في ذلك آخرون وكان من الحجة لهم أن حديثي أبي هريرة وعائشة اللذين رووهما عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس في ذلك دليل على أنه أراد بذلك الصلاة التي تكون فيها قراءة الإمام وقد رأينا أبا الدرداء سمع من رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذلك مثل هذا فيم يكن عنده على المأموم حدثنا بحر بن نصر نا عبد الله بن وهب حدثني معاوية بن صالحن عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة الحضرمي عن أبي الدرداء أن رجلا قال : يا رسول الله في الصلاة قرآن ؟ قال : نعم فقال رجل من الأنصار : وجبت قال : وقال أبو الدرداء : ما أرى أن الإمام إذا أم القوم فقد كفاهم . انتهى ملخصا
    ومنهم ابن عمر وابن مسعود وعمر وسعد كما أخرج محمد عنهم وسيأتي ماله وما عليه
    ومنهم : ابن عباس كما أخرجه الطحاوي عن أبي حمزة قلت لابن عباس : أقرأ والإمام بين يدي ؟ فقال : لا . وذكر العيني في " شرح الهداية " : قد روي منع القراءة عن ثمانين نفرا من الصحابة منهم : المرتضى والعبادلة الثلاثة وذكر الشيخ الإمام السبذموني في " كشف الأسرار " عن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال : عشرة من الصحابة ينهون عن القراءة خلف الإمام أشد النهي : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد وابن مسعود وزيد وابن عمر وابن عباس . انتهى
    وهذا كله محتاج إلى تحقيق الأسانيد إليهم وقال الحافظ ابن حجر في " الدراية في تخريج أحاديث الهداية " : إنما يثبت ذلك أي : المنع عن ابن عمر وجابر وزيد بن ثابت وابن مسعود وجاء عن سعد وعمر وابن عباس وعلى وقد أثبت البخاري عن عمر وأبي بن كعب وحذيفة وأبي هريرة وعائشة وعبادة وأبي سعيد في آخرين أنهم كانوا يرون القراءة خلف الإمام . انتهى . وقال ابن عبد البر : ما أعلم في هذا الباب من الصحابة من صح عنه ما ذهب إليه الكوفيون فيه من غير اختلاف عنه إلا جابر وحده . انتهى
    ( 27 ) قوله : وهو قول أبي حنيفة قد مر معنا ذكر من وافقه في هذا في ما مر وذكر أكثر أصحابنا أن القراءة خلف الإمام عند أبي حنيفة وأصحابه مكروه تحريما بل بالغ بعضهم فقالوا بفساد الصلاة به وهو مبالغة شنيعة يكرهها من له خبرة بالحديث وعللوا الكراهية بورود التشدد عن الصحابة وفيه أنه إذا حقق آثار الصحابة بأسانيدها فبعد ثبوتها إنما تدل على إجزاء قراءة الإمام عن قراءة المأموم لا على الكراهة والآثار التي فيها التشدد لا تثبت سندا على الطريق المحقق . فإذن القول بالإجزاء فقط من دون كراهة أو منع أسلم وأرجو أن يكون هو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه كما قال ابن حبان في كتاب " الضعفاء " : أهل الكوفة إنما اختاروا ترك القراءة لا أنهم لم يجيزوه . انتهى

    115 - قال محمد أخبرنا عبيد الله ( 1 ) بن عمر بن حفص بن
    عاصم بن عمر بن الخطاب عن نافع عن ابن عمر قال : من صلى خلف الإمام ( 2 ) كفته قراءته
    _________
    ( 1 ) قوله : أخبرنا عبيد الله مصغرا ابن عمر بن حفص بن عاصم ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أبو عثمان العمري العدوي المدني من أجلة الثقات روى عن أم خالد بنت خالد الصحابية حديثا وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وسالم بن عبد الله بن عمر وعطاء ونافع والمقبري والزهري وغيرهم وعنه شعبة والسفيانان ويحيى القطان وغيرهم قال النسائي : ثقة ثبت وقال أبو حاتم : سألت أحمد عن عبيد الله ومالك وأيوب : أيهم أثبت في نافع ؟ فقال : عبيد الله أحفظهم وأثبتهم وأكثرهم رواية وقال أحمد بن صالح : عبيد الله أحب إلي من مالك في نافع مات سنة 147 هـ بالمدينة كذا ذكر الذهبي في " تذكرة الحفاظ "
    ( 2 ) قوله : خلف الإمام ... إلخ ظاهر هذا وما بعده وما أخرجه سابقا من طريق مالك : أن ابن عمر كان لا يرى القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية كليهما . لكن أخرج عبد الرزاق عن سالم أن ابن عمر كان ينصت للإمام في ما جهر فيه ولا يقرأ معه أخرج الطحاوي عن مجاهد قال : سمعت عبد الله بن عمر يقرأ خلف الإمام في صلاة الظهر من سورة مريم . وأخرج أيضا عنه : صليت مع ابن عمر الظهر والعصر وكان يقرأ خلف الإمام وهذا دال صريحا على أنه ممن يرى القراءة في السرية دون الجهرية ويمكن الجمع بأن كفاية قراءة الإمام لا يستلزم أن تمتنع فيجوز أن يكون رأيه كفاية القراءة من الإمام في الجهرية والسرية كليهما وجوازها في السرية دون الجهرية لئلا تخل بالاستماع
    وهذا هو الذي أميل إليه وإلى أنه يعمل بالقراءة في الجهرية لو وجد سكتات الإمام وبهذا تجتمع الأخبار المرفوعة فإن حديث : " وإذا قرأ فأ